تطبيق المادة ٤٠ من قانون الإرهاب: السلطات المصرية على طريق تقنين الإخفاء القسري

تعرب الجبهة المصرية عن قلقها تجاه ما تظهره السلطات في مصر من إشارات تدل على تصميمها للمضي قدمًا في ممارسة انتهاك الإخفاء القسري، عبر سعيها لإيجاد بدائل وصيغ قانونية لها مثل المادة ٤٠ من قانون مكافحة الإرهاب والبدء في استخدامها بالفعل، وذلك بدلًا من إيقاف هذه الممارسة والعمل على الالتزام بما تنص عليه المواثيق الدولية والدستور المصري والذي يجرم الإخفاء القسري للمتهمين، ويلزم السلطات المعنية بالإفصاح عن مكان المحتجزين لديها وتمكينهم من الاتصال بذويهم ومحاميهم وعرضهم على النيابة والتحقيق معهم خلال ٢٤ ساعة من القبض عليهم.

كانت السلطات المصرية قد ألقت القبض  على أكثر من ٣٠ شخصًا فجر يوم الخميس ١ نوفمبر ٢٠١٨ وقامت باحتجازهم لمدة ثلاث أسابيع في مكان غير معلوم دون تمكينهم من الاتصال بذويهم أو المحامين، أو الالتفات والرد على البلاغات و التلغرافات حول اختفائهم. وفي يوم ٢١ نوفمبر ٢٠١٨ ظهر ستة أشخاص من هذه المجموعة أمام نيابة أمن الدولة للتحقيق معهم على ذمة القضية ١٥٥٢ لسنة ٢٠١٨ حصر أمن دولة وهم: (هدى عبد المنعم، محمد أبو هريرة، عائشة الشاطر، محمد الهضيبي، أحمد الهضيبي، بهاء عودة)، واكتشفت هيئة الدفاع عن المتهمين بأن محضر ضبطهم مؤرخ بيوم القبض عليهم وأن مدة إخفائهم السابقة تم تكييفها قانونًا باستخدام المادة ٤٠ من قانون الإرهاب، والتى تتيح للسلطات “التحفظ” على الأشخاص مدة ٢٨ يومًا دون اشتراط التحقيق معهم أمام النيابة العامة. وهو ما يثير تساؤلات حول نية السلطات تطوير الممارسة التقليدية التي تقوم باتباعها  تجاه المختفين قسريًا وهو تحرير محضر القبض عليهم بتاريخ اليوم السابق لعرضهم على النيابة للتحقيق، بغرض جعل عملية الضبط والتحقيق متوافقة مع القانون والدستور والمواثيق الدولية.

تنص المادة ٤٠ من قانون مكافحة الإرهاب رقم ٩٤ لسنة ٢٠١٥ والمعدل في ٢٧ أبريل ٢٠١٧ على أنه: “لمأمور الضبط القضائي، لدى قيام خطر من أخطار جريمة الإرهاب ولضرورة تقتضيها مواجهة هذا الخطر، الحق في جمع الاستدلالات عنها والبحث عن مرتكبيها والتحفظ عليهم لمدة لا تجاوز أربع وعشرين ساعة. ويحرر مأمور الضبط القضائي محضراً بالإجراءات، ويعرض المتحفظ عليه صحبة المحضر على النيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة بحسب الأحوال.وللنيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة، لذات الضرورة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة وقبل انقضاء المدة المنصوص عليها فيها، أن تأمر باستمرار التحفظ، لمدة أربعة عشر يوما، ولا تجدد إلا مرة واحدة، ويصدر الأمر مسببا من محام عام على الأقل أو ما يعادلها. وتحسب مدة التحفظ ضمن مدة الحبس الاحتياطي، ويجب إيداع المتهم في أحد الأماكن المخصصة قانوناً.”

وبالنظر إلى ما تضفيه هذه المادة وغيرها من مواد قانون الإرهاب، ذات الصياغة الفضفاضة، من صبغة قانونية على عملية الإخفاء القسري باعتباره نوع من أنواع “التحفظ”، وإعطاءها حق التحفظ للنيابة أو المحامي العام لمدة تصل قرابة الشهر دون التحقيق معهم” تحت مبررات “خطر الإرهاب”، إلا أنها تظل عاجزة عن تقنين مصطلح الاختفاء وتظل الممارسة عمليًا إخفاءًا قسريًا للمتهمين، حيث يتم احتجاز المتهمين في مكان غير معلوم، ومنعه من التواصل مع ذويه ومحاميه، ولا يتم التحقيق معه خلال ٢٤ ساعة من القبض. وهو ما يظل مخالفًا للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء ‫القسري‬ ‫والقوانين المصرية مثل المادة ٣٦ من قانون الإجراءات الجنائية رقم ١٥٠ لسنة ١٩٥٠  والذي ينص على وجوب استجواب النيابة العامة للمتهم خلال ٢٤ ساعة من القبض عليه، والمادة ٥٤ من الدستور المصري المعدل في ٢٠١٤ والذي ينص على وجوب عرض المتهم على سلطة التحقيق خلال ٢٤ ساعة من وقت القبض عليه ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه.

كان الفريق العامل المعني بالاختفاء القسري وغير الطوعي قد أعرب عن قلقه في بيان صادر في ٢٨ سبتمبر ٢٠١٨ إزاء استمرار حالات الإخفاء القسري في مصر التي أرسلها للحكومة المصرية خلال الفترة من مايو ٢٠١٧- مايو ٢٠١٨ وعددها ١٧٣ حالة، حيث يرى الفريق بأنه ما تزال هناك مشكلة منهجية تتعلق ياستمرار حالات الاختفاء القسري فضلًا عن استمرار الأفعال الانتقامية من السلطات تجاه الأشخاص والمنظمات العاملين في توثيق هذه الحالات داخل مصر.

مع تزايد حالات الاختفاء القسري الموثقة ومطالبة الحكومة المصرية بالرد عليها تدل الإشارات القادمة من السلطات  رغبتها في تخفيف الضغط والانتقادات الدولية الموجهة لها بارتكابها هذا الانتهاك، وذلك عبر استخدامها تكتيكات قانونية مثل هذه المادة من قانون الإرهاب أو غيرها من القوانين الاستثنائية، لإضفاء صبغة قانونية على عملية الإخفاء القسري للمتهمين تحت دعاوى مكافحة الإرهاب. الأمر الذي يُعطى دلالة سلبية حول نية السلطات المختلفة، سواء التنفيذية والقضائية، في عدم إيقاف هذا الانتهاك عمليًا والتستر على مرتكبي جريمة الإخفاء القسري ومساعدتهم في الإفلات من العقاب.

ضع ردا