الأصل هو أن يستمر حبسك: السلطات القضائية المصرية تهدر حقوق المحبوسين احتياطيًا باسم الظروف الاستثنائية

بيان صحفي

تدين الجبهة المصرية ما تبديه السلطة القضائية من استخفاف بالغ تجاه حريات المتهمين المحبوسين احتياطيًا في القضايا على خلفية سياسية بحجة الظروف الاستثنائية؛ وذلك من خلال المد التلقائي لمدد حبسهم وعدم تمكينهم من حقوقهم الأصيلة، مثل حضورهم ومحاميهم جلسات تجديد حبسهم بشكل طبيعي، وتأجيل المحاكم جلسات محاكمتهم أو تجديد حبسهم بحجة الظروف الأمنية، فضلًا عن عدم تمكينهم من الطعن على قرارات حبسهم منذ أكثر من نصف عام. ما تعتبره الجبهة المصرية حرمانًا تعسفيًا لحقوق المتهمين وانتهاكًا صريحًا لمبدأ افتراض براءة المتهم، وكشفًا لرؤية السلطة القضائية الحالية وفي القلب منها نيابة أمن الدولة تجاه هؤلاء المتهمين باعتبارهم أشخاص خطرين على المجتمع، ولا يجب الإفراج عنهم خاصة في الفترات التي تتطلب تأمينات إضافية.

منذ نهاية شهر ديسمبر 2018 وحتى هذه اللحظة،  تمنع نيابة أمن الدولة المتهمين ومحاميهم من تقديم طلبات الاستئناف على قرارات حبسهم، بالمخالفة لنصوص المواد 163- 167 من قانون الإجراءات الجنائية، والتي تتيح للمتهمين الطعن على أوامر حبسهم، بمجرد إيداع تقرير في قلم الكتاب بعد أيام من أمر الحبس، ويجب وقتها النظر في الاستئناف المقدم من المحكمة المختصة. ويفوت هذا الإجراء التعسفي بوقف عملية الاستئناف فرصة إعادة النظر في قرارات حبس المتهمين، وبشكل منفرد، أمام دائرة تقاضي أخري، الأمر الذي يُقلل من فرص الحصول على قرارات بالإفراج عنهم بدلًا من التجديد التلقائي أمام دوائرهم التقليدية.

ليس هذا فحسب؛ فخلال الأسابيع القليلة الماضية وبسبب انعقاد مباريات كأس الأمم الافريقية في مصر، أوقفت نيابة أمن الدولة العليا جلسات تجديد حبس المتهمين في القضايا المنظورة أمامها لما يقرب من الشهر (28 يوم) منذ 21 يونيو وحتى 19 يوليو 2019، تحت مبرر “التعذر الأمني”، والذي يمنع نقل المتهمين من السجون المحبوسين فيها احتياطيًا إلى مقر نيابة أمن الدولة في ضواحي القاهرة، وتجديد حبسهم بدلًا من ذلك في السجون المحبوسين فيها. وقد تم هذا مع عشرات المتهمين في القضايا، على رأسها القضية رقم 930 والمعروفة بتنظيم الأمل، والقضية 741 والمحبوس فيها  النشطاء هيثم محمدين ومصطفى ماهر، ومتهمين في القضايا 488، 1739 المعروفة بقضايا احتجاجات القطار. ويتم هذا الإجراء عمليًا عبر انتقال وكيل نيابة واحد يقوم بتجديد حبس جميع المتهمين المفترض تجديدهم يومها في النيابة دفعة واحدة، بما يقلص من مساحة حق المتهمين ومحاميهم من الإدلاء بكامل دفوعهم والنظر فيها، هذا إن تمكن المحامون من الحضور لعدم معرفتهم بموعد حضور وكيل النيابة إلي السجن خلال يوم التجديد، ناهيك عن ما يواجهونه من عنت وسوء معاملة أثناء تلك العملية داخل السجن.

وبالنسبة لدوائر المحاكم المختصة بتجديد الحبس، فقد قامت أغلب هذه الدوائر بتأجيل جلسات نظر تجديد حبس المتهمين أمامها، لما بعد 19 يوليو، أي أنه سيتم حبسهم لمدة شهر تقريبًا إضافية دون أمر حبس من الأصل، وقد تم هذا مع عشرات المتهمين في القضايا 441 لسنة 2018 و 955 لسنة 2017 والمعروفة بالتخابر مع تركيا. في حين قامت دوائر أخري مثل الدائرة 15 جنايات شمال القاهرة بالتجديد يوم 19 يونيو بتجديد حبس عشرات المتهمين (على الورق) في 24 قضية كان سيتم نظرهم أمامها هذا اليوم لمدة 45 يوم دون حضور المتهمين. وعلى مستوى جلسات المحاكمة، قامت أغلب محاكم الجنايات، المدنية والعسكرية، بتأجيل نظر جلسات محاكمة المتهمين أيضًا، حتى في القضايا التي تضم مئات المتهمين، مثل القضية 64 عسكرية، 123 عسكرية، 137 عسكرية، الأمر الذي يطيل مدة حبسهم -الطويلة أصلًا- على ذمة تلك القضايا.

جدير بالذكر أن هذا التعذر الأمني ليس الأول من نوعه، رغم طول مدته؛ حيث اعتادت دوائر الجنايات ونيابة أمن الدولة بتأجيل نظر جلسات تجديد المتهمين بسبب التشديدات الأمنية في  مناسبات أو ذكرى أحداث معينة، وهي ما تحدث بمعدل شبه شهري. فالتعذر الأمني الحالي هو السادس من نوعه منذ بداية العام. أبرز تلك التعذرات والتأجيلات، كانت بمناسبة عيد الميلاد في 7 يناير واستمر لثلاثة أيام، أعقبه تعذر في ذكري 25 يناير وآخر في 11 فبراير امتد الواحد منهم لثلاثة أيام، تلي بعد ذلك تعذر لمدة أسبوع بمناسبة الاستفتاء على التعديلات الدستورية في شهر أبريل، ثم تعذر آخر لمدة أسبوع آخر ضم ذكري تحرير سيناء في 25 أبريل واحتفالات عيد شم النسيم. وفي جميع تلك الفترات لا يتم نقل المتهمين لنظر جلسات تجديدهم، أو يتم إصدار قرارا الحبس قبل بداية التعذر الأمني أو بعده، بما يخل بفترات الحبس، ويشكل ضغطًا شديدًا على القضاة الذين يضطرون لنظر عدد كبير من المتهمين في وقت واحد، الأمر الذي يقلل من فرص سماع دفوعهم هم ومحاميهم، بما ينسحب بالضرورة على التقليل من فرص الإفراج عنهم.

 

وبدلًا من اضطلاع وزارة الداخلية بمهامها وقيامها بتأمين نقل المتهمين لمقر جلساتهم للتجديد أو المحاكمة، لضمان حصولهم على حقهم المكفول بسماع دفاعهم قبل إصدار أمر الحبس، إلا أنها وبدلًا من ذلك، تلجأ لاستهلاك فكرة التعذرات الأمنية، والتى تنتهك هذا الحق الأصيل للمتهم. جدير بالذكر بأن السلطة القضائية تصدق دون نقاش على هذه التعذرات، وكان قد تم التعذر الأخير بخطاب موجه من مساعد وزير الداخلية إلي رئيس محكمة النقض، الأمر الذي يطرح تساؤلات جادة وبديهية حول مدى استقلالية السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، ومدى تماشيها مع الرؤية الأمنية ولو تعارضت مع حقوق وحريات المتهمين.

ويتناقض هذا التوسع في تمديد حبس المتهمين، سواء عبر تأجيل تجديد حبسهم أو تجديد حبسهم على الورق أو في السجن، وحرمانهم من الاستئناف على قرارات حبسهم، مع مبدأ افتراض براءة المتهم والذي نصت عليه المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمادة 96 من الدستور المصري المعدل في 2014، ومخالفة نص المادة 136 من قانون الإجراءات الجنائية الذي ينص على وجوب سماع دفاع المتهم قبل أمر الحبس، فضلًا عن انتهاك المبدأ القانوني الذي ينص على وجوب أن يضمن القاضي التوازن بين المصلحة العامة والحقوق والحريات، دون طغيان أي واحد منهما على الآخر. ليبدو الأمر وكأن الأصل هو تمديد الحبس بأي مبرر بدلًا الإفراج عن المتهمين، وخاصة مع عدم الخشية من هروبهم أو الإضرار بمصلحة التحقيق وفقًا للمادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية.

ترى الجبهة المصرية بأن التعسف الذي تستخدمه السلطات القضائية المصرية في حصار حقوق المتهمين المحبوسين احتياطيًا، عبر مد حبسهم بشكل تعسفي بحجة الظروف الأمنية تارة، و منعهم من الاستئناف على قرارات حبسهم تارة أخري، فضلًا عن انتهاكات أخري تمارسها بحقهم، هو أمر يثير القلق تجاه ما تظهره السلطة القضائية المصرية من عقيدة تجاه المتهمين في القضايا السياسية، والذين يتم القبض عليهم على خلفية ممارستهم حقهم في التعبير أو الرأى أو التنظيم أو التجمع، وبدلًا من أن تعمل على إطلاق سراحهم من هذه القضايا والمبنية في الأساس على تحريات غير جادة، فإنها تقوم بزيادة مدد حبسهم بشكل غير قانوني وتقيد حقوقهم أثناء تلك المدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.