عمر عادل: قتل بالاحتمال وليس وفاة طبيعية

تدين الجبهة المصرية تصاعد حوادث الوفاة نتيجة الإهمال الطبي المتعمد والأوضاع المتردية لأماكن الاحتجاز، والتى أدت مؤخرًا إلى وفاة المتهم “عمر عادل” الذي يبلغ من العمر 29 ربيعًا، وذلك بعد ثلاثة أيام من مكوثه في عنبر التأديب بسجن طرة تحقيق رغم حالته الصحية السيئة، وصراخه من داخل التأديب بأنه يموت، وذلك وفقًا لمصادر مقربة. وتعتبر الجبهة المصرية أن هذه الحادثة لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من استخفاف السلطات المصرية بأرواح وصحة المحتجزين لديها، وعدم التورع عن وضعهم في ظروف قد تؤدي لتدهور حالتهم الصحية، ما يعد قتلًا متعمدًا بالبطيء.

كان المتوفى “عمر عادل (بكالوريوس إدارة أعمال) والمحكوم عليه في فبراير 2019 بالسجن عشر سنوات في القضية 2 لسنة 2016 شمال عسكرية، قد حُوِلَ إلى عنبر التأديب يوم الخميس الماضي الموافق 18 يوليو، بعد حملة تفتيش في عنابر المساجين قام بها رئيس المباحث وضابط في الأمن الوطني، ولم تمر سوى أيام قلائل حتى وُجد المتهم متوفى في زنزانة التأديب. ويشير التقرير الرسمي إلى التوقف المفاجئ في عضلة القلب باعتباره سببًا للوفاة. وعلى الرغم من ذلك فتفيد مصادر مقربة بعدم دقة هذه الأسباب. فمع أمر تحويل عمر إلى زنزانة التأديب، أصر الأخير على الرفض لما يعانيه من مشاكل صحية ونفسية قد تتفاقم وتهدد حياته إذا مكث بعض الوقت في الزنزانة التأديبية، وهو ما قابلته إدارة وطبيب السجن بالتجاهل، واعتبروه تمارضًا من قبل المتوفى، وأصروا على إيداعه غرفة التأديب.

كان المتوفى عمر عادل يُعاني من مشاكل صحية نفسية وبدنية، وتؤكد مصادر مقربة من المتوفي بأن كان معه تقارير طبية تفيد بأن المشاكل الصحية والنفسية التي كان يعاني منها تستلزم عدم وجوده بمفرده. وعلى الرغم من توضيح المتهم ذلك للقائمين على الاحتجاز وطبيب السجن، أصر الأخير على أن المتهم يدعي ذلك، وهو ما جعل المتهم يصرخ أن ذلك سيؤدي إلي وفاته، وحال دخوله إلى زنزانة التأديب ظل يصرخ قائلًا: “أنا هموت.. أنا هموت” لكن لم يعبأ به أحد. وتفيد المصادر إلى أن المتوفى طلب العرض على طبيب السجن، وأصر على خطورة بقائه في زنزانة التأديب، بينما أصر طبيب السجن على إدعاء السجين لذلك، رغم أن المتوفى كان يعاني من تورم ملحوظ على وجهه بعد يومين من التأديب.

يوم الأحد 21 يوليو في السادسة مساءً اشتكى المتوفى من سقوط المياه على أرضية زنزانته، وطلب من الشاويش تجفيفها، وكان رد الأخير أن نائب المأمور في الخارج، وذلك بالرغم من أن المياه في زنزانة التأديب تؤدي إلى ارتفاع الرطوبة إلى درجة قد تكون مميتة لمن يعاني من مشاكل في التنفس، وفي السابعة مساءً نادى السجناء على المتوفى دون استجابة، وفي الثامنة نادى الشاويش عليه، وعندما لم يرد أحضر المفتاح، ليجده مُلقى على الأرض. أبلغ الشاويش طبيب السجن وحاول إسعافه، ولكن بلا جدوى، ثم أودع مشرحة السجن لمدة ليلة كاملة قبل أن يتم إبلاغ أسرته صباحًا بوفاته. المثير للاهتمام، أن إدارة السجن طلبت حضور أحد السجناء المتخصصين في الطب، لبيان حالة المتوفى، ما يشير لقلة خبرة طبيب السجن. وفي اليوم التالي حضرت النيابة للتحقيق في الأمر، وقام وكيل النيابة بالمعاينة الشكلية لعنبر التأديب دون الدخول إلى الزنزانة، وتفيد مصادر بأن شهود الواقعة على حالة عمر الصحية قبل التحقيق تم استبدالهم بمرشدين يعملون لحساب الأمن الوطني، كما نقلت إدارة السجن أحد الشهود إلى زنزانة الدواعي، لاستبعاد شهادته أمام النيابة.

وتعد الأوضاع في الزنزانة التأديبية في سجن طرة تحقيق أشد سوءًا من عنابر الاحتجاز العادية، حيث لا تتجاوز مساحة زنزانة التأديب الخمسة متر مربع (2 متر * 2.5 متر)، ولا يوجد بها أي منفذ للهواء سوى فتحة صغيرة في باب الزنزانة يتواصل من خلالها القائمون على الاحتجاز مع المحتجز، ويُنقل من خلالها الطعام والشراب، فضلًا عن أن المبنى الواقع به عنبر التأديب يتكون من دور واحد فقط ذو سقف خرساني مسلح معرض دائمًا لأشعة الشمس، وهو ما يعني جحيمًا بالنسبة للمحتجزين. ولا يملك المحتجز في عنبر التأديب سوى ملابس وزجاجتين بلاستيكيين، وجردل للبول.

تؤكد الجبهة المصرية على أن حالة عمر عادل لن تكون الأخيرة في مسلسل القتل البطيء للمحتجزين، عبر وضعهم في ظروف من شأنها تعريض حالتهم الصحية للخطر البالغ. كما تؤكد على ضرورة حصول المحتجزين على حقوقهم الكاملة التي يكفلها لهم الدستور، فليس هناك ما يمكن أن يكون مسوغًا للتعنت في الحقوق الإنسانية، كما تشير لوجود خلل فادح في أنظمة العدالة والاحتجاز في مصر، لا يسعى لتفادي الانتهاكات، ولا يخشى المسائلة القانونية، هو ما يعد كارثة قانونية وحقوقية. وإذ تؤكد الجبهة المصرية على خطورة نمط الإهمال الطبي والذي أدي لوفاة ما لا يقل عن 80 حالة وفاة منذ عام 2016 حتى 2019، فإنها تطالب بفتح تحقيقات شاملة ومستقلة على هذه التجاوزات والانتهاكات التي يتعرض لها المحتجزين السياسيين والجنائيين على السواء، والتأكد من حساب المسئولين عن تلك الانتهاكات، سواء إدارة السجن أو الهيئة الطبية المختصة، وضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.