الجبهة المصرية لحقوق الإنسان تنشر موجز حول مشروع “مرصد أماكن الاحتجاز”

0

تنشر الجبهة المصرية لحقوق الإنسان موجز حول مشروعها “مرصد أماكن الاحتجاز” الذي يرصد أوضاع المحتجزين داخل 35 سجن في مختلف أنحاء مصر، ما بين سجون عمومية، وليمانات، وسجون شديدة الحراسة. وقد توصل المشروع الذي اعتمد في جمع المعلومات على مقابلات شخصية مع محتجزين سابقين أو أهالي محتجزين حاليين بجانب بعض المعلومات الواردة في وسائل الإعلام والتقارير الحقوقية، توصل إلى أن حالة الاحتجاز في السجون التي ركز عليها هي حالة شديدة التردي يعيش فيها المحتجزون تحت ظروف قاسية ويلاقون تعنت متعمد كجزء من سياسة إدارات السجون في التعامل معهم. مع ذلك، تصر وزارة الداخلية أن تظهر للرأي العام أن المحتجزين يعيشون في ظروف جيدة ربما تصل إلى الرفاهية أحيانا من خلال الزيارات المعد لها مسبقًا التي تنظمها الوزارة إلى كثير من السجون في الآونة الأخيرة.

مرصد أماكن الاحتجاز هو مشروع قامت باحثات الجبهة المصرية بالعمل عليه طيلة عام كامل، بداية من مايو 2020 وحتى مايو 2021. يركز عمل المرصد بشكل رئيسي على رسم صورة واضحة للجمهور حول أوضاع أماكن الاحتجاز الرسمية موزعة على مختلف القطاعات الجغرافية في مصر، وحتى الآن يغطي المرصد السجون العمومية، والليمانات، والسجون شديدة الحراسة – وهي سجون عمومية أيضًا حسب التوصيف القانوني لها – بإجمالي وصل إلى 35 سجن. يلقي المرصد الضوء على أوضاع المحتجزين في تلك السجون سواء كانوا سجناء أو محبوسين احتياطيا بغرض التحقق من تمتعهم بحقوقهم التي يكفلها الدستور وينظمها قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956 واللائحة الداخلية للسجون رقم 79 لسنة 1961، فضلًا عن قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) كمرجعية مهمة لحقوق السجناء.

تعتمد منهجية جمع المعلومات في المشروع على نوعين رئيسيين من المصادر. النوع الأول هو مصادر أولية تشمل محتجزين سابقين أو أهالي محتجزين حاليين في السجون، قد قامت الباحثات في المشروع بإجراء مقابلات شخصية متعمقة معهم وسؤالهم عن حالة الزنازين والعنابر ومرافق السجن، ومدى تمتع المحتجزين بالرعاية الصحية والمعاملة الكريمة، والتمكين من حقوقهم في الاتصال مع العالم الخارجي وممارسة الرياضة ومواصلة التعليم، بالإضافة إلى سؤالهم عن أي انتهاكات قد شهدوا تعرض المحتجزين لها. والنوع الثاني من المصادر هو المصادر الثانوية التي تتمثل في الأخبار الصحفية ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي والتقارير التي تنشرها منظمات المجتمع المدني.

تمكنت باحثات الجبهة المصرية من التحدث مع 28 مصدر أولي موزعين على 28 سجن، وكما ذكر سابقا تنوعت هذه المصادر بين محتجزين سابقين أو أهالي محتجزين حاليين. وقد أجريت كافة تلك المحادثات عن طريق استخدام تطبيق اتصال آمن ووفقًا لإجراءات الأمان الرقمي المحددة. ولم تتمكن الباحثات من الوصول إلى مصادر أولية يمكن التحدث معها حول 7 سجون، وذلك بسبب الظرف الأمني الذي لا يسمح بالبحث بأريحية عن المصادر ويضطر الباحثات إلى التحدث مع الأشخاص الذين يمكن الوصول إليهم عن طريق شخص مشترك فقط حرصا على سلامتهن. ونتيجة لهذا التحدي فقد تم تغطية هذه السجون السبعة اعتمادا على المصادر الثانوية فقط، وذلك بعد التحقق من موثوقيتها أولًا وتدقيق المعلومات الواردة فيها. 

ومن خلال النظر إلى أوضاع الاحتجاز في 35 سجن غطاها المرصد، يمكن الجزم بأن أوضاع وظروف المحتجزين في تلك الأماكن هي شديدة السوء، ويرجع ذلك لعدة أسباب منها البنية التحتية المتهالكة لعدد كبير من السجون المصرية، إلا أن السبب الأبرز يظل هو سياسة التعنت المتبعة بحق المحتجزين من قبل إدارات تلك السجون والتي لا تتماشى مع الفلسفة العقابية الحديثة التي ترى في السجون أماكن لتأهيل الأشخاص لإعادة دمجهم في المجتمع من جديد، لكن يبدو من التعنت الدائم مع المحتجزين في كافة التفاصيل وفي أصغرها أن إدارات السجون تحاول أن تضيف الكثير من المعاناة على حياة المحتجزين اليومية لضمان خضوعهم بشكل كامل.

وبشكل أكثر تفصيلا، يدخل المحتجز إلى السجون في مصر ليلاقي في أول لحظة ما يعرف بـ”التشريفة” والتي يتعرض فيها للضرب الشديد بالعصي والسب، بعد ذلك يحتجز في زنزانة “الإيراد” لمدة 11 يوم – وأحيانا تزيد عن ذلك بمخالفة القانون – وهي زنازين تكون شديدة التكدس وغير نظيفة ولا يراعى فيها الفصل بين المتهمين أو المحكوم عليهم ولا يراعي فيها الفصل بين مرتكبي الجرائم المختلفة. بعد ذلك يتم نقل المحتجز إلى زنازين التسكين التي تكون أقل تكدسًا من زنازين الإيراد، لكنها تظل متكدسة وتضم عدد من المحتجزين يفوق طاقتها الاستيعابية. وتكون التهوية في تلك الزنازين سيئة بسبب قلة النوافذ أو صغر مساحتها وهو ما يتسبب في انتشار الأمراض الجلدية على وجه الخصوص. وفي أحيان كثيرة لا تحتوي تلك الزنازين على حمامات وفي أغلب الأحوال لا تحتوي على أسرة حيث ينام المحتجزون على الأرض.

ويعيش المحتجزون في طقس غالبا ما يتسم بالبرودة في فصل الشتاء نتيجة وقوع السجون في أماكن نائية أو صحراوية، ناهيك عن السماح لهم باقتناء عدد محدد من البطاطين وغالبا ما تكون بطاطين خفيفة، وفي فصل الصيف يكون الطقس شديد الحرارة نتيجة التكدس وقلة المراوح إن وجدت. وبالطبع فإن ظروف المعيشة في تلك الزنازين لا تسمح للمحتجزين بالمذاكرة على نحو جيد واستكمال مسيرتهم التعليمية دائما، فضلا عن ضعف الإضاءة بالزنازين نتيجة لقلة عدد المصابيح. وعادة ما يعاني المحتجزون من قلة مدة التريض عن المدة المقررة قانونا وهي ساعتين يوميا لأغلب فئات المسجونين، وفي كثير من السجون يتم التريض في ساحات داخلية لا ترى الشمس بشكل مباشر أو في ساحات خارجية تكون مغطاة بسلك حديدي. ولا يختلف الأمر كثيرا في الزيارات التي أيضًا لا تتم وفقًا لمدتها المقررة في اللائحة وهي 60 دقيقة، ويتخلل الزيارات عدة مضايقات أبرزها إفساد الأطعمة أثناء تفتيشها وعدم السماح بدخول كافة أنواع الأطعمة والأدوات بدون أي مبرر، ولوحظ في كثير من السجون المنع الجزئي لحق المحتجزين في الحصول على الكتب عن طريق منع دخولها في الزيارات أيضًا.

وتأتي الرعاية الصحية المتردية في مقدمة أوضاع الاحتجاز السيئة في السجون التي غطاها المرصد، حيث يعاني المحتجزون أولًا كي يتم السماح لهم برؤية طبيب السجن، والذي يعامل المحتجزين بطريقة سيئة ويتهمهم بالتمارض، وهو ما يدفع كثير من المحتجزين إلى الاعتماد على الأطباء المحتجزين معهم ليقوموا بتشخيص حالاتهم. ويمتد الإهمال الطبي في السجون ليشمل المنع غير المبرر لدخول الأدوية اللازمة للمحتجز أو السماح له بالخروج لإجراء التحاليل الطبية أو الخروج لمستشفى بالخارج إذا كانت حالته تستدعي ذلك، وهو أمر يحتاجه كثير من المحتجزين في ظل التجهيزات المتواضعة لعيادة أو مستشفى السجن والتي عادة أيضًا لا توفر إجراء التحاليل، وهو ما يدفع الأهالي إلى سحب عينات الدم من المحتجزين في الزيارات وأخذها إلى أقرب معمل طبي. وقد أكد كثير من المحتجزين في سجون مختلفة أن طبيب السجن عادة ما يكتفي بإعطاء المحتجزين المسكنات بغض النظر عما يشكون منه.

كانت تلك هي أبرز النتائج التي توصل إليها مشروع مرصد أماكن الاحتجاز، وهي تبدو منافية تماما لما تحاول السلطات المصرية إظهاره في الزيارات التي تنظمها لسجون عدة مؤخرا، والتي يظهر فيها المحتجزون على أفضل حال وأحيانا في حالة من الرفاهية تثير سخرية المتابعين. ويلاحظ أن هذه الزيارات لا تتعرض أبدا لإظهار الزنازين أو ساحات التريض. ويتضح بشدة في هذه الزيارات أغراضها الدعائية التي ربما تهدف إلى تبييض وجه وزارة الداخلية أو المحاولة للرد على الانتقادات الدولية العديدة التي توجه لمصر بخصوص أوضاع أماكن الاحتجاز.

تدعو الجبهة المصرية لحقوق الإنسان كافة المهتمين ومنظمات حقوق الإنسان المعنية بالدخول والتعرف على مشروع مرصد أماكن الاحتجاز بشكل أكثر تفصيلا من خلال زيارة الموقع الالكتروني للجبهة المصرية. وتطالب وزارة الداخلية بضرورة إجراء عملية إصلاح شاملة لقطاع السجون بهدف تحسين ظروف الاحتجاز بها وضمان حصول المحتجزين فيها على حقوقهم المكفولة في القانون والدستور، وتؤكد الجبهة المصرية أن الاستمرار في تنظيم زيارات – معد لها مسبقًا – إلى السجون لا يحل أي مشكلة بل يعكس حالة من التزييف السطحي يعلم الجميع حقيقتها، وتأمل الجبهة المصرية أن تتجه وزارة الداخلية إلى الاهتمام بحقوق المواطنين بدلًا من الاهتمام بتحسين صورتها أو الرد الدفاعي على الانتقادات الدولية.

Leave A Reply