هل السلطات المصرية جادة في إغلاق القضية 173 لسنة 2011 المعروفة بقضية التمويل الأجنبي؟

نشرت الجبهة المصرية لحقوق الانسان اليوم ورقة موقف حول متابعتها اعادة السلطات المصرية فتح القضية 173 لسنة 2011 والمعروفة بقضية التمويل الأجنبي مؤخرًا وما تحاول اظهاره للمجتمع الدولي من اتجاه لغلقها. رصدت الجبهة إخلالات شابت عملية النظر في القضية بالرغم من حفظ التحقيقات لبعضهم، في حين ما يزال بعض الاتهامات تلاحق عدد من المتهمين فيها ومن بينها التهرب الضريبي، في حين ما تزال المحاكم تماطل في تنفيذ قرارات رفع المنع من السفر والحظر على الأموال.

بعد مرور عشر سنوات على فتح القضية 173 لسنة 2011، اقتربت القضية من الوصول إلى محطاتها الأخيرة بعد حفظ التحقيقات واستبعاد غالبية الجمعيات الأهلية والشخصيات التي كانت محل الاتهام، وهو ما يرجعه الكثيرون إلى الضغوطات الدولية في الاستعراض الدولي الشامل الأخير للأمم المتحدة في نوفمبر 2019 (بالتحديد توصيات هولندا والولايات المتحدة الأمريكية إلى مصر) والتغيرات السياسية العالمية التي ربما صاحبتها ضغوط جديدة على مصر لإغلاق تلك القضية. في نفس الوقت لا يزال بعض المنظمات في هذه القضية ومؤسسيها يواجهون بعض التهم المشكوك في جديتها مثل التهرب الضريبي، ولا يزال هؤلاء أيضًا محرمون من حقهم في التنقل ومن التصرف في أموالهم الشخصية. من بينهم المحامية عزة سليمان والتي تماطل محكمة الجنايات حتي اليوم في نظر تظلمها لرفعها اسمها من قوائم الممنوعون من السفر وحظر أموالها على الرغم من حفظ التحقيقات في قضيتها.

 

التطورات الأخيرة في القضية

بعد أكثر من 10 سنوات على بداية القضية 173 لسنة 2011 والمعروفة إعلاميا بقضية “التمويل الأجنبي”، أصدر المستشار علي مختار، قاضي التحقيقات في القضية، آخر قراراته في الحادي والعشرين من أكتوبر 2021 بأنه لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ضد أربع منظمات أهلية: مركز نظرة للدراسات النسوية، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، مركز دعم التنمية والتأهيل المؤسسي، مركز السلام للتنمية البشرية. وكان قد سبق هذا القرار في العشرين من سبتمبر 2021 قرارا باستبعاد 4 منظمات من الاتهام في القضية لعدم كفاية الأدلة، وهم مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف ومركز دار المستقبل الجديد للدراسات الحقوقية والقانونية وجمعية التنمية الإنسانية بالمنصورة والمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك رفع أسماء من تضمنهم القرار من قوائم الممنوعين من السفر وترقب الوصول وقوائم المنع من التصرف في أموالهم سائلة كانت أو منقولة، وذلك دون المساس بأي وقائع أخرى قد تكون محلا للتحقيق سواء بالقضية الحالية أو غيرها من القضايا. وهي القرارات التي تشك الجبهة المصرية في جديتها، حيث تستمر المحاكم في المماطلة في نظر التظلمات المتعلقة بتنفيذها حتي الآن.

ومنذ ديسمبر 2020كانت قد صدرت عدة قرارات أخرى تفيد بأنه لا وجه لإقامة الدعوى وبعدم كفاية الأدلة لاتهام العديد من المنظمات والشخصيات المدرجة على ذمة القضية، حيث بلغ عدد المنظمات التي تم استبعادها من القضية 71 كيانا ضم أكثر من مئتي شخصا. صدرت جميع تلك القرارات من قاضي التحقيق علي مختار، وهو القاضي الأخير من بين سلسلة من القضاة مروا على هذه القضية، وبحسب أحد محامي هيئة الدفاع في القضية في مقابلة أجرتها الجبهة المصرية معه “أنه مع تغيير الأوضاع السياسية أصبحت هناك نظرة مختلفة للقضية وبناء على ذلك تم استدعاء القاضي علي مختار، وروعي في اختياره أبعاد واعتبارات محددة، حيث أن عمله في الأمم المتحدة يجعله على دراية بطريقة عمل منظمات المجتمع المدني”.

وربما تشير هذه القرارات الأخيرة إلى وجود اتجاه مصري لغلق هذه القضية لتخفيف الضغوطات الأوروبية المتزايدة على مصر بخصوصها، بالإضافة إلي الضغوط من الإدارة الأمريكية الحالية، إلا أنه مع المماطلة في تنفيذ قرارات رفع قرارات المنع من السفر والتحفظ على الأموال، حيث تستمر محكمة الجنايات في تأجيل نظر تظلم الحقوقية عزة سليمان على رفع اسمها من قوائم الممنوعون من السفر ورفع التحفظ على الأموال. كمان أن استمرار إدراج بعض الكيانات والشخصيات البارزة في مجال حقوق الإنسان مثل جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وحسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومحمد زارع، مدير مكتب القاهرة لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، يمكن من خلاله استنتاج نية السلطات المصرية في الاستمرار في التنكيل بالمدافعين عن حقوق الإنسان، جنبا إلى جنب مع اللجوء إلى قرارات أخرى تسعى إلى تحسين سجل حقوق الانسان المتدهور بالفعل.

 

خلفية عامة عن القضية

تمتد القضية 173 على مدى عقد من الزمن، وهي القضية الأطول في تاريخ القضاء المصري الحديث، حيث كانت بدايتها في يوليو 2011 عندما أمر المهندس عصام شرف رئيس مجلس الوزراء آنذاك وزير العدل بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق للنظر في التمويل الأجنبي الذي تحصل عليه منظمات المجتمع المدني المصرية والأجنبية وتحديد ما إذا كانت هذه المنظمات مرخصة بموجب القانون أم لا.

استُكمل تقرير اللجنة لاحقا في سبتمبر 2011، وضم 37 منظمة مصرية وأجنبية وتم انتداب كل من المستشارين سامح أبوزيد وأشرف العشماوي بمحكمة استئناف القاهرة للتحقيق في التقرير ليعقب ذلك مداهمات قوات من الشرطة بصحبة مسؤولين من النيابة العامة مقار 17 منظمة غير حكومية مصرية وأجنبية تعمل في مصر، بناء على طلب القضاة. وحينها تم إحالة 43 عاملا في تلك المنظمات إلى محكمة الجنايات في فبراير 2012 بتهمة الحصول على تمويل مباشر غير مشروع بما يخلّ بسيادة الدولة، واستعماله فى أنشطة محظورة، وكان من بين المتهمين أمريكيون وألمان وصرب وفلسطينيون ومصريون.

في مارس 2012 غادر 17 متهما من بينهم 7 أمريكيين مصر من مطار القاهرة على متن طائرة أمريكية وذلك بناءً على قرار من النائب العام المصري آنذاك المستشار عبد المجيد محمود، بعد رفع أسمائهم من قوائم الممنوعين من السفر. عقب ذلك في 4 يونيو 2013 قضت محكمة جنايات القاهرة بمعاقبة المتهمين بالسجن لمدة تتراوح بين سنة و5 سنوات وقررت المحكمة إغلاق 5 منظمات أجنبية عاملة في مصر وهي: المعهد الجمهوري الدولي، والمعهد القومي الديمقراطي، وفريدم هاوس، والمركز الدولي للصحافة، ومؤسسة كونراد أديناور.

بعد ذلك توقفت القضية لفترة إلى أن أعيد فتحها مجددا في عام 2016 بعد نشر صحيفة اليوم السابع نسخة من طلب قضاة التحقيق مقدم إلى مصلحة الضرائب للاستعلام عن التوافق الضريبي لـ 25 منظمة مصرية تعمل في مجال حقوق الإنسان. لحق ذلك استدعاء قضاة التحقيق الجدد هشام عبد المجيد وأحمد عبد التواب عدد من العاملين في المجتمع المدني للاستجواب، وكان منهم مزن حسن مديرة مؤسسة نظرة للدراسات النسوية ونائبتها، و14 من العاملين ببعض المنظمات الأخرى. ومن بين من صدر ضدهم قرارت بالمنع من السفر حينها كان جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وحسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ومحمد زارع، مدير مكتب القاهرة لمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، وعزة سليمان مؤسسة منظمة قضايا المرأة المصرية.

 الاتهامات

على الرغم من التحليلات التي تشير بأن هناك اتجاها عاما لإغلاق القضية مبني على قرارات الاستبعاد الأخيرة، إلا أنه لا يزال هناك العديد من الشخصيات والمنظمات البارزة في مجال حقوق الإنسان تحت قيد المنع من السفر وتجميد الأموال بل ويواجهون تهما قد تصل الى المؤبد.

بحسب الأوراق الرسمية للقضية فإن عناصر الاتهام الرئيسية محل التحقيق هي تحويل الأموال، والعمل من خلال كيان غير قانوني يستخدم تلك الأموال لغرض إجرامي. واعتمدت القضية في بنود الاتهام على قانوني العقوبات والجمعيات الأهلية بناء على المواد التالية:

  • المادة 78 من قانون العقوبات وذلك بعد تعديل الرئيس عبد الفتاح السيسي في سبتمبر 2014 والتي تنص على عقوبة السجن المؤبد لكل من حصل على أموال من الخارج بغرض “ارتكاب عمل ضار بالمصالح القومية أو باستقرار السلام العام أو استقلال البلاد ووحدتها أو القيام بأي من أعمال العدو ضد مصر أو الإضرار بالأمن والنظام العام.”
  • المادة 98 د من قانون العقوبات: يعاقب بالحبس خمس سنوات كل من ” تسلم أو قبل مباشرة أو بالواسطة بأية طريقة أموالا أو منافع من أي نوع كانت من شخص أو هيئة خارج الجمهورية أو داخلها، متى كان ذلك في سبيل ارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في المواد 98 أ و 98 أ مكرر و 98 ب و 98 جـ و 174 من هذا القانون.”
  • المادة 98 ج (1) من قانون العقوبات، والتي تعاقب بالحبس لستة أشهر كل من “أنشأ أو أسس أو أدار جمعية أو منظمة أو مؤسسة من أي نوع لها طابع دولي أو فرع لمنظمة دولية بدون تصريح.”
  • المادة 76 (2) أ من قانون الجمعيات رقم 84 لسنة 2002 يعاقب من لم يسجل بحسب القانون بالحبس لفترة تصل إلى 6 شهور.”

وتوضح أوراق القضية أسباب الاتهام بشكل أكثر دقة، حيث يكمن الاتهام في عمل تلك المنظمات بحد ذاته وممارسة النشاط الحقوقي وإعداد التقارير وفضح انتهاكات وممارسات السلطة في تخطي حقوق الإنسان والعصف بها. على سبيل المثال، جاء في نص إحدى التحريات الخاصة بإحدى المنظمات دليل بناه ضابط الأمن الوطني في اتهام تلك المنظمة على لقطات تم أخذ نسخة منها من على الموقع الإلكتروني الخاص بتلك المؤسسة، وفي شهادته أمام القاضي فيما بعد قال أن عمل المؤسسة استهدف الإضرار بالأمن القومي وزعزعة الاستقرار في مصر والتشجيع على الفوضى وانهيار الأمن. وأيضا في حيثيات حكم تأييد طلب قضاة التحقيق بتجميد الأصول والأموال الخاصة بمركز الأندلس والذي تم استبعاده من القضية مؤخرا، اعتمد القاضي على تقرير معد من قبل ضابط بالأمن الوطني يفيد بأن المركز قد استقبل أموال أجنبية في مقابل نشر معلومات خاطئة تفيد بوجود تمييز ضد المسيحيين والبهائيين بهدف الإضرار بصورة مصر ونشر الفوضى وإضعاف مؤسسات الدولة وإحداث انقسامات في المجتمع المصري.

كما تمثلت أيضا الأدلة الواردة ضد العديد من الشخصيات الحقوقية البارزة ومن بينهم جمال عيد، مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وحسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في تحويلات واردة بالعملة الأجنبية إلى حساباتهما الشخصية في البنوك، واتهامات بالتهرب الضريبي، فبحسب أحد المحامين الذين أجرت الجبهة المصرية مقابلة معه شكل قضاة التحقيق لجنة من جهاز مكافحة التهرب الضريبي لفحص الإيرادات الخاصة بتلك المنظمات. ومن المرجح أن التطورة الأخيرة في القضية إلى جانب تشكيل تلك اللجنة قد يلمح إلى غلق القضية 173 فيما يخص شق الاتهام بتلقي التمويلات بغرض إرهابي ونشر أخبار كاذبة، مع نسخ الجزء الخاص بالتهرب الضريبي وإحالته لجهة الاختصاص.

منظمات وشخصيات ما زالت مدرجة على ذمة القضية

على الرغم من قرارات الاستبعاد الأخيرة لا تزال هناك بعض المنظمات والشخصيات الحقوقية التي ظلت مدرجة على قوائم المنع من السفر وتعاني من تجميد حساباتها البنكية على ذمة هذه القضية، ومن بين هذه المنظمات:

–   الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان: المنع من السفر وتجميد أموال المدير جمال عيد

–   مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان: منع مدير مكتب القاهرة محمد زارع من السفر

–   المبادرة المصرية للحقوق الشخصية: المنع من السفر وتجميد أموال مؤسسها حسام بهجت

–   مركز النديم لإعادة تأهيل ضحايا العنف: تم تسليم أمرين بالإغلاق صادر من وزارة الصحة بدعوى “مخالفة شروط الترخيص”.

 

انتهاكات حقوقية وقانونية شابت عملية إعادة فتح التحقيق في القضية 173

تحدثت الجبهة المصرية مع محاميين من هيئة الدفاع في هذه القضية للوقوف على الانتهاكات القانونية التي شابت مسار التحقيقات بها، وأفاد أحدهم بأن استمرار الإجراءات الاحترازية المتخذة ضد بعض المتهمين من منع من السفر وتجميد الأموال والممتلكات لهذه المدة الطويلة يعد إجراء تعسفيا وغير عادل، فيما تحدث محام آخر عن كيدية التحريات المجراة من قبل جهاز الأمن الوطني، وأنها تحريات سياسية بالأساس. وفي انتهاك آخر للحق في التسهيلات الكافية لإعداد الدفاع، لم يتمكن أي من المحامين من الحصول على نسخة ضوئية من أوراق القضية واكتفى القاضي بتمكينهم من الاطلاع على الأوراق فقط.

وكان المحامي نجاد البرعي وهو أحد المتهمين السابقين في هذه القضية قد دفع في مذكرة الطعن عن أحد المتهمين أمام محكمة النقض بخطأ إجرائي قد شاب القضية وهو مخالفة نص المادة 69 من قانون الإجراءات الجنائية والتي تنص على “متى أحيلت الدعوى إلى قاضي التحقيق كان مختصا دون غيره بتحقيقها.” في إشارة إلى أن القضية أحيلت للعديد من قضاة التحقيق كان آخرهم القاضي على مختار.

خلاصة وتوصيات 

تجدد الجبهة المصرية لحقوق الإنسان مطلبها بإغلاق تلك القضية بشكل كامل، فإنها تشدد على ضرورة إسقاط أي تهم غير جدية وأي إجراءات تعسفية بحق المتهمين، والتي من المرجح بشكل كبير أن تظلا وسائل للتنكيل ببعض الشخصيات الحقوقية المصرية. في نفس الوقت تود الجبهة المصرية أن تلفت نظر المجتمع الدولي أن القضية 173 ليست القضية الوحيدة التي تستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، وأن ذلك الاستهداف والتنكيل ما زالا مستمران بحق مؤسسات حقوقية أخرى منها “التنسيقية المصرية للحقوق والحريات”، إلى جانب شخصيات حقوقية بارزة أخرى مثل محمد الباقر وإبراهيم عز الدين وإبراهيم متولي ومحمد رمضان وغيرهم كثيرون، وهو ما يستوجب الاستمرار في مطالبة مصر بعدم تقييد الحق في التجمع السلمي وحرية الرأي والتعبير من خلال قوانين تعسفية تبقي الأشخاص قيد الحبس لممارسة تلك الحقوق.

 

ضع ردا