انتهاكات مُرحلين من الكويت: تقرير حول انتهاكات حقوق المتهمين في القضية ١٢٣٣ لسنة ٢٠١٩ أمن دولة والمعروفة بقضية العائدون من الكويت

0

نشرت الجبهة المصرية لحقوق الانسان اليوم تقريرًا بعنوان: “انتهاكات مُرحلين من الكويت” حول  أبرز انتهاكات حقوق المتهمين في مرحلة ما قبل المحاكمة في القضية ١٢٣٣ لسنة ٢٠١٩ أمن دولة والمعروفة بقضية العائدون من الكويت، والتى تعرض المتهمين المحبوسين فيها لانتهاكات واسعة منذ إلقاء القبض عليهم وترحيل بعضهم من الكويت وتسليمهم إلي السلطات المصرية، حيث كشفت أقوال المتهمين في تحقيقات النيابة عن تعرض بعضهم للتعذيب الوحشي أثناء الترحيل وبعد وصولهم لمصر، وإخفاء بعضهم قسريًا، بالاضافة إلي حرمانهم من حقهم في الدفاع في جلسات التحقيق الأولي أمام نيابة أمن الدولة.

المحتويات

ملخص تنفيذي.. 1

منهجية التقرير. 2

مواد واتفاقيات مُنظمة. 2

خلفية حول وقائع القضية. 3

انتهاك حقوق المتهمين في مرحلة ما قبل المحاكمة. 4

أولا: انتهاك الحق في الاستعانة بمحام قبل المحاكمة. 4

ثانيا: انتهاك الحق في التسهيلات الكافية لإعداد الدفاع.. 5

ثالثا: الإخفاء القسري وانتهاك الحق في التواصل مع العالم الخارجي… 6

رابعا: انتهاك الحق في سلامة الجسد وعدم التعرض للمعاملة القاسية أو المهينة. 7

خاتمة. 10

 

ملخص تنفيذي

وضعت المعاهدات والاتفاقيات الدولية معايير وضمانات المحاكمة العادلة لضمان الحد الأدنى من عدالة الأحكام الصادرة بحق الأشخاص وذلك بغض النظر عن لونهم أو دينهم أو أفكارهم، مما يعني بالضرورة أن أي خلل أو انتهاك لهذه الضمانات يطعن في عدالة الأحكام الصادرة بحقهم، وإنطلاقًا من هذا المبدأ تصدر “الجبهة المصرية لحقوق الإنسان” تقارير دورية لتحليل القضايا المنظورة أمام النيابات والمحاكم المصرية، تأتي أهميتها من كونها تراقب حالة حقوق الإنسان بشكل عام، وضمانات المحاكمة العادلة أثناء فترة التحقيق بشكل خاص، وذلك عن طريق إلقاء نظرة عن كثب، ومن داخل الأوراق الرسمية، على الانتهاكات التي يتعرض لها المتهمون وتطعن في عدالة إجراءات محاكمتهم .

وفي هذا الإطار، يتناول هذا التقرير أبرز انتهاكات ضمانات المحاكمة التي تعرض لها المتهمون في القضية ١٢٣٣ لسنة ٢٠١٩ حصر أمن دولة عليا/ ١٣٦٠ لسنة ٢٠٢١ جنايات أمن الدولة طوارئ النزهة والمعروفة بقضية “العائدون من الكويت” في مرحلة ما قبل المحاكمة. وتنبع أهمية تسليط الضوء على هذه القضية كونها وجزء من الانتهاكات التي لحقت بالمتهمين فيها تمت بالتنسيق بين سلطات مصرية ودولة أخري في المنطقة “الكويت”، وذلك في إطار الاتفاقيات الأمنية المبرمة بينها وبين مصر، حيث قامت الكويت بمساعدة السلطات المصرية بإلقاء القبض على أشخاص مقيمين على أراضيها وترحيلهم إلى مصر، مع علمهم بتعرضهم للقبض وانتهاكات أخري لاحقة إضافية عقب وصولهم، فضلًا عن تعذيب بعضهم بالضرب والسحل والتحرش الجنسي على أراضيها أثناء عملية الترحيل، ومنعهم من التصرف في أموالهم في الكويت. الأمر الذي يشكل تهديدًا مباشرًا لأمان وسلامة مواطنين آخرين مقيمين خارج البلاد من انتهاك حقوقهم وتعرضهم للترحيل التعسفي على خلفية اتهامهم باتهامات مماثلة، ومن ثم اعتقالهم وسلب حرياتهم.

يعرض هذا التقرير في البداية أساس الاتهام الذي جاء في محضر تحريات الأمن الوطني، ثم يستعرض الانتهاكات التي تعرض لها المتهمون بعد إلقاء القبض عليهم، من تعرضهم للاختفاء القسري داخل مقار الأمن الوطني وكذلك تعرضهم للتعذيب في الفترة السابقة لعرضهم على النيابة للتحقيق معهم، والتي من جانبها انتهكت حقوق المتهمين في الاستعانة بالمحامين في جلسات التحقيق الأولي وانتهاك حق الدفاع في تسهيلات كافية.

منهجية التقرير

تعتمد منهجية هذا التقرير على دراسة الأوراق الرسمية لهذه القضية[1]، والتي تمكنت الجبهة المصرية من الحصول على نسخة ضوئية منها، وتشمل تلك الأوراق محاضر الضبط، ومحاضر تحقيقات النيابة مع المتهمين، وأمر الإحالة. ويرصد التقرير الانتهاكات الواقعة بحق المتهمين من خلال تحليل محتوى أقوالهم المثبتة في محاضر تحقيقات النيابة، وطلباتهم ودفاعهم وقرارات النيابة، والتي تعتبرها الجبهة المصرية مصدر أولي للمعلومات التي يدلي بها ضحايا الانتهاكات. هذا وتستخدم الجبهة المصرية محاضر الضبط لمقارنة تواريخ الضبط الرسمية، وتواريخ الضبط وفقًا لأقوال المتهمين في محاضر تحقيقات النيابة، وتحديد أماكن وتوقيتات الإخفاء القسري. ويتخذ التقرير من دليل المحاكمة العادلة الصادر عن منظمة العفو الدولية مرجعًا رئيسيًا لمراقبة المحاكمة والوقوف على الانتهاكات التي تخل بضمانات المحاكمة العادلة في القضية محل التقرير، وبالتحديد في مرحلة التحقيق أو مرحلة ما قبل المحاكمة.

مواد واتفاقيات مُنظمة

لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى أعمال همجية آذت الضمير الإنساني، ولما كان من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.

نص الاعلان العالمي لحقوق الانسان في المادة ١ لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أيِّ وضع آخر. وفضلاً عن ذلك لا يجوز التمييزُ على أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلاًّ أو موضوعًا تحت الوصاية أو غير متمتِّع بالحكم الذاتي أم خاضعًا لأيِّ قيد آخر على سيادته. كما نصت المادة 5 من نفس الإعلان على أنه: لا يجوز إخضاعُ أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطَّة بالكرامة

كما نصت المادة 54 من الدستور المصري على أن: “الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق ويجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكٌن من الاتصال بذويه وبمحاميه فوراً، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته. ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، نُدب له محام، مع توفير المساعدة اللازمة لذوي الإعاقة، وفقاً للإجراءات المقررة في القانون. ولكل من تقيد حريته، ولغيره، حق التظلم أمام القضاء من ذلك الإجراء، والفصل فيه خلال أسبوع من ذلك الإجراء، وإلا وجب الإفراج عنه فوراً. وينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي، ومدته، وأسبابه، وحالات استحقاق التعويض الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه. وفى جميع الأحوال لا يجوز محاكمة المتهم في الجرائم التي يجوز الحبس فيها إلا بحضور محام موكل أو مٌنتدب.”

وتقابل هذه المادة بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان ما يلي المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة 9 من اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية، المادة 6 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، المادة 14 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، المادة 11 من إعلان حقوق الإنسان في الإسلام.

خلفية حول وقائع القضية

في يوليو2019 حرر رائد بقطاع الأمن الوطني محضر التحريات الأساسي في هذه القضية، والذي بني المعلومات على مصادر سماها بالمصادر السرية، حيث قال فيه بإنه بعد الملاحقات الأمنية لمخططات الإخوان، تم رصد تنظيم قيادات التنظيم الدولي بخارج مصر بعقد عدة لقاءات تنظيمية اتفقوا خلالها على تكليف بعض كوادر التنظيم الهاربة بدولة الكويت للتخطيط لارتكاب سلسلة من العمليات العدائية رفقه عناصر من التنظيم داخل مصر. وبتاريخ 13 يوليو قامت السلطات الكويتية بترحيل المتهمين المذكورين في القضية، وتم ضبطهم في ميناء القاهرة الجوي عقب وصولهم.

وجه محضر التحريات، ومن بعده محضر إحالة نيابة أمن الدولة العليا القضية إلى المحكمة والتي ضمت المتهمين محمد عبد الوهاب عبد الفتاح، وسمير يونس أحمد الخضري، وأبو بكر عاطف السيد، وحسام محمد إبراهيم العدل، وناجح عوض بهلول، ومؤمن أبو الوفا متولي، وعبد الرحمن محمد عبد الرحمن، وعبد الرحمن إبراهيم عبد المنعم، ووليد سليمان محمد، وإسلام عيد عبد الموجود الشويخ، وخالد محمود المهدي، ومحمد خلف عبد اللطيف، وإسلام علي عبد الرحمن عبد الله، وفالح حسن محمد العقيبي.

كانت قد تولت نيابة أمن الدولة العليا مباشرة التحقيق في القضية لأكثر من عامين قبل أن تحيلها إلى محكمة أمن الدولة طوارئ في 23 أغسطس 2021، واتهمت نيابة أمن الدولة العليا في أمر إحالتها 14 متهما من بينهم 2 هاربين، بتولي قيادة في جماعة إرهابية والانضمام إليها، من خلال المشاركة في رابطة أعضاء جماعة الإخوان المصريين بالكويت، فضلًا عن اتهام بعضهم بتلقي تدريبات عسكرية والتسلل من الحدود الجنوبية (السودان) للبلاد بطريق غير مشروع، وأشار أمر الإحالة بأن المتهمين ارتكبوا بعض الجنايات والجنح المنصوص عليها في قانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب.

جدير بالذكر بأن بمحكمة جنايات أمن الدولة طوارئ والمنعقدة بمجمع محاكم طرة برئاسة المستشار معتز خفاجي أصدرت في ٧ أبريل ٢٠٢٢ أحكامها بالسجن المؤبد لمتهمان والسجن المشدد ١٥ عامًا لمتهم واحد، والمشدد ٥ سنوات لـ ١١ متهم من بينهم.[2]

 

عدد المتهمين المحبوسين عدد المتهمين في القضية
12 متهم 14 متهم

جدول١: عدد المتهمين في القضية

الأحكام الاتهامات السن الوظيفة الحالة الاسم
مؤبد انضمام وقيادة 56 سنة كبير المهندسين بعهد البحوث المساحية هارب محمد عبد الوهاب عبد الفتاح
مؤبد انضمام وقيادة 62 سنة استاذ بجامعة الكويت هارب سمير يونس أحمد صلاح الخضري
المشدد ١٥ سنة انضمام وتلقي تدريبات عسكرية 34 سنة عامل وتاجر محبوس ابو بكر عاطف السيد الفيومي
المشدد ٥ سنوات انضمام 57 سنة صيدلي محبوس حسام محمد ابراهيم محمد العدل
المشدد ٥ سنوات انضمام 47 سنة موظف بالاوقاف محبوس ناجح عوض بهلول منصور
المشدد ٥ سنوات انضمام 40 سنة مدرس محبوس مؤمن ابو الوفا متولى حسن
المشدد ٥ سنوات انضمام 38 سنة تاجر ملابس محبوس عبد الرحمن محمد عبد الرحمن احمد
المشدد ٥ سنوات انضمام 36 سنة مدرس محبوس عبد الرحمن ابراهيم عبد المنعم ابو ماجد
المشدد ٥ سنوات انضمام 34 سنة مدرس محبوس وليد سليمان محمد عبدالحليم
المشدد ٥ سنوات انضمام 30 سنة ثانوى ازهري محبوس اسلام عيد عبد الموجود الشويخ
المشدد ٥ سنوات انضمام 31 سنة بكالريوس تجارة محبوس خالد محمود محمد محمد المهدى
المشدد ٥ سنوات انضمام 26 سنة مدرس محبوس محمد خلف محمود عبد اللطيف
المشدد ٥ سنوات انضمام، الخروج من البلد بطريقة غير شرعية 32 سنة طبيب اسنان محبوس اسلام على عبد الرحمن عبد الله منصور
المشدد ٥ سنوات انضمام، الخروج من البلد بطريقة غير شرعية 32 سنة حاصل على معهد قراءات محبوس فالح حسن محمد

جدول٢: بيانات المتهمين في القضية وفقًا لأمر الإحالة والحكم في القضية

انتهاك حقوق المتهمين في مرحلة ما قبل المحاكمة

أولا: انتهاك الحق في الاستعانة بمحام قبل المحاكمة

 

“يجب أن يُبلغ فورًا كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورًا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته. ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، ندب له محام” المادة 54 من الدستور المصري المعدل عام 2019

كشف دراسة وتحليل الأوراق الرسمية للقضية انتهاك نيابة أمن الدولة لحقوق 4 متهمين على الأقل من أصل 12 متهما محبوسين في القضية في الاستعانة بمحام في جلسات التحقيق الأولي كما نص الدستور المصري، وأوردت النيابة في ديباجة محاضر التحقيقات عدة أسباب كمبرر لبدء التحقيقات دون حضور محامي، وحصرتها في مبررات مثل: “نقابة المحامين مغلقة” و”وجود حالة من حالات الضرورة وهي خشية سقوط مدة الحجز القانونية” أو “خشية ضياع الأدلة، فضلًا عن مبرر “عدم تواجد أي من المحامين بالنقابة”، وهي المبررات المكررة التي توردها نيابة أمن الدولة العليا باستمرار في القضايا المشابهة.

 

عدد المتهمين الغائب وجود الدفاع معهم عدد المتهمين الحاضر دفاع معهم عدد المتهمين المحبوسين إجمالي المتهمين في القضية
7 4 12 14

جدول٣: بيانات المتهمين في القضية وفقًا لأمر الإحالة والحكم في القضية

 

وتظهر مفارقة في هذه المبررات التي أوردتها النيابة، ففي الوقت الذي بررت فيه نيابة أمن الدولة العليا بدء تحقيقها مع ٤ متهمين بدون محامي بسبب الخوف من سقوط مدة الحجز القانونية، يظهر تحليل للأوراق الرسمية للقضية لهؤلاء المتهمين تعرضهم للاختفاء القسري قبل العرض على النيابة لمدد وصلت إلى 25 يومًا، فضلًا عن تعرض بعضهم للتعذيب خلالها، تثير هذه المبررات الشكوك حول تعمد النيابة التحقيق مع المتهمين في غياب الدفاع للتستر على جرائم قطاع الأمن الوطني المتمثلة في الإخفاء القسري والتعذيب.

وتأتي أهمية الاستعانة بالمحامين في مرحلة ما قبل المحاكمة للأشخاص المتهمين بارتكاب جرم جنائي أو المشتبه بهم في كونها تمكنهم من الطعن في مشروعية احتجازهم وحماية حقوقهم والبدء في إعداد الدفاع المناسب، كما توفر لهم حماية من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو المهينة، ومن إكراههم على تقديم أي اعترافات من شأنها أن تدينهم، ومن التعرض للاختفاء القسري وغيره من انتهاكات حقوق الإنسان.

صورة.1 نسخة من إحدى محاضر تحقيقات النيابة مع أحد المتهمين في القضية، توضح بدء التحقيق بدون محام

 

ثانيا: انتهاك الحق في التسهيلات الكافية لإعداد الدفاع

 

من واجب السلطات المختصة أن تضمن للمحامين إمكانية الاطلاع على المعلومات والملفات والوثائق المناسبة التي هي في حوزتها أو تحت تصرفها، وذلك لفترة تكفي لتمكينهم من تقديم مساعدة قانونية فعالة لموكليهم، وينبغي تأمين هذا الاطلاع في غضون أقصر مهلة ملائمة.” المادة 21 من المبادئ الاساسية بشأن دور المحامين

يشكل الحق في التسهيلات الكافية لإعداد الدفاع ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة الواجب توافرها، حيث يجب أن يتاح لكل الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم جنائية أو من ينوب عنهم في الدفاع المعلومات والأوراق والتسهيلات اللازمة لكي يتمكنوا من إعداد الدفاع المناسب. ويشكل هذا الحق جانبا مهما من جوانب التكافؤ اللازم توافرها بين الادعاء والدفاع، وضامنا أساسيا للمساواة بينهم، ليتمكن كل طرف على قدم المساواة من الاعدادات اللازمة قبل طرح القضية على هيئة المحكمة.

وبحسب الأوراق الرسمية للقضية والتي قامت الجبهة المصرية بتحليلها تحليلا مفصلا، فقد انتهكت نيابة أمن الدولة العليا حق المحامين أثناء فترة التحقيق في الاطلاع على الأوراق الرسمية للقضية أو الحصول على صورة ضوئية منها وذلك لإعداد دفاعهم اللازم والذي من المفترض أن يكون مبنيا على قراءة محاضر التحريات والضبط وأساس الاتهام والوقائع المادية المزعومة من قبل جهة الاتهام، وتلقت نيابة أمن الدولة العليا هذه الطلبات ودونتها في محاضر التحقيقات، ولكنها تجاهلتها بشكل تام، واستمر هذا الطلب في التكرار من جهة المحامين على مدار جلسات التحقيقات واستمر معه في المقابل تجاهل النيابة.

صورة.٢ نسخة من إحدى محاضر تحقيقات النيابة توضح طلبات الدفاع بتمكينهم من الاطلاع على أوراق القضية، ٤ أغسطس ٢٠١٨

 

ثالثا: الإخفاء القسري وانتهاك الحق في التواصل مع العالم الخارجي

 

الحرية الشخصية حق طبيعي، وهى مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق ويجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكٌن من الاتصال بذويه وبمحاميه فوراً، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته. ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، نُدب له محام، مع توفير المساعدة اللازمة لذوي الإعاقة، وفقاً للإجراءات المقررة في القانون”. المادة 54 من الدستور المصري

يقع الاختفاء القسري عندما يتم القبض على الأشخاص ثم يتم إخفاؤهم بشكل متعمد من قبل القائمين على ضبطهم وعدم إبلاغ أي طرف ثالث بمكان احتجازهم لمدة تزيد عن أربع وعشرين ساعة دون العرض على النيابة المختصة. ولابد من التأكيد على أن الاختفاء القسري بقدر ما يحتوي هو ذاته على انتهاك للحق في الحرية وفي عدم الاعتراف بالشخصية أمام القانون إلا أنه ينطوي أيضا على جملة من الانتهاكات الجسيمة التي تنتهك حقوق الإنسان وضمانات المحاكمات العادلة الواجب توافرها، على رأسها التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية والإكراه على الاعتراف.

وبالحصول على نسخة ضوئية من الأوراق الرسمية للقضية تمكنت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان من الاطلاع على محاضر الضبط الرسمية ومحاضر التحقيقات مع المتهمين وقام باحثو الجبهة المصرية بمقارنة تواريخ الضبط المكتوبة بمعرفة الأمن الوطني مع التواريخ التي أفاد بها المتهمون أمام تحقيقات النيابة. ومن خلال حساب الفارق بين التاريخين تمكن الوقوف على مدد الاختفاء القسري للمتهمين. حيث أظهرت الأوراق تعرض ثلث المتهمين المحبوسين في القضية للإخفاء القسري عقب القبض عليهم.

ايام الاختفاء  عدد المختفين عدد المتهمين المحبوسين
من ٨ – ٢٤ يوم ٤ ١٢

جدول ٤: عدد المختفين قسريًا في القضية

أبرز تحليل الأوراق الرسمية للقضية استناد سلطات الضبط بالتعاون مع النيابة العامة على المادة 40 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 للإبقاء على المتهمين قيد الاختفاء القسري داخل مقار الأمن الوطني، والتي تنص على: “.. للنيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة، لذات الضرورة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة وقبل انقضاء المدة المنصوص عليها فيها، أن تأمر باستمرار التحفظ، لمدة أربعة عشر يوما، ولا تجدد إلا مرة واحدة، ويصدر الأمر مسببا من محام عام على الأقل أو ما يعادلها..”. جدير بالذكر بأن هذه المادة تشوبها شبهة عدم الدستورية لمخالفتها نص المادة 54 من الدستور المصري الوارد أعلاه، وعلى مستوى الممارسة في تطبيق النص فإن عدم إيداع الأشخاص المتحفظ عليهم داخل سجون أو أقسام شرطة بصفتها مقار الاحتجاز الرسمية حسب القانون المصري والتحفظ عليهم داخل مقرات للأمن الوطني حيث لا يتم السماح لهم بإبلاغ شخص ثالث بمكانهم أو السماح لهم بالزيارة أو بالتحدث مع محاميهم للبدء في إعداد دفاعهم بل يتعرضون خلال هذه المدة للتعذيب والإكراه على الاعتراف، كل ذلك يدفع إلى اعتبار تلك الحالات ضمن حالات الأشخاص المختفين قسريا حسب التعريف. يوضح الجدول التالي مدد وأماكن إخفاء هؤلاء المتهمين عن طريق مقارنة تاريخ الضبط الرسمي مع تاريخ عرضهم الأول على النيابة.

مكان الإخفاء (إن وجد) مدة الإخفاء تاريخ الضبط وفقًا لمحضر الضبط تاريخ الضبط وفقًا للاعترافات الاسم
أحد مقرات الامن الوطني ٢٤ يوم ٤ أغسطس ٢٠١٩ ١٠ يوليو ٢٠١٩ حسام محمد
أحد مقرات الامن الوطني ٢٤ يوم ٤ أغسطس ٢٠١٩ ١٠ يوليو ٢٠١٩ أبو بكر عاطف
مقر الامن الوطني بالعباسية ٢٤ يوم ٤ أغسطس ٢٠١٩ ١٠ يوليو ٢٠١٩ فالح حسن
أحد مقرات الامن الوطني ٨ أيام ٣ سبتمبر ٢٠١٩ ١٠ سبتمبر ٢٠١٩ اسلام عيد الشويخ

جدول ٥: تفاصيل تواريخ وأماكن الإخفاء القسري في القضية

 رابعا: انتهاك الحق في سلامة الجسد وعدم التعرض للمعاملة القاسية أو المهينة

 

” لا يجوز لأي موظف من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يقوم بأي عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو أن يحرض عليه أو أن يتغاضى عنه، كما لا يجوز لأي من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية كحالة الحرب، أو التهديد بالحرب، أو إحاقة الخطر بالأمن القومي، أو تقلقل الاستقرار السياسي الداخلي، أو أية حالة أخري من حالات الطوارئ العامة، لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ” المادة 5 من مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين

 

” كل موظف أو مستخدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله على الاعتراف يعاقب بالسجن المشدد أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر” المادة 126 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937

على الرغم من تشديد المشرع المصري على بشاعة التعذيب وضرورة محاسبة كل من تورط في هذا الفعل، إلا أن القائمين على إنفاذ القانون وتحديدا قطاع الأمن الوطني، ما زالوا يستخدمون التعذيب كوسيلة للضغط على المتهمين وإكراههم على الاعتراف بالاتهامات المنسوبة إليهم. وعادة ما ترفض السلطات المصرية الاعتراف بوجود أي حالات تعذيب داخل مقار الأمن الوطني والسجون، كما تتجاهل النيابة العامة جميع ادعاءات المتهمين بالتعرض للتعذيب وترفض فتح تحقيقات منفصلة للوقوف على مدى صحة هذه الادعاءات.

أشكال التعذيب عدد ادعاءات التعذيب عدد المتهمين المحبوسين
ضرب، سحل، تحرش جنسي، الصعق بالكهرباء  من ٣ أشخاص ١٢

جدول ٦: أشكال التعذيب الذي تعرض لها المتهمين في القضية

بحسب الأوراق الرسمية للقضية بعد تحليلها فقد أفاد 3 من المتهمين في القضية، من أصل 12 متهم بتعرضهم للتعذيب على يد القائمين بضبطهم في الفترة التي سبقت عرضهم على نيابة أمن الدولة العليا، وتشير أقوال المتهمين إلى أن غالبية وقائع التعذيب حدثت داخل مقرات تابعة للأمن الوطني، فضلًا عن تعرض أحدهم للتعذيب بالضرب والسحل والتحرش الجنسي في الكويت عقب القبض عليهم هناك وأثناء عملية ترحيله إلى مصر

 * أمثلة لشهادات بعض المتهمين أمام النيابة تفيد بتعرضهم للتعذيب

 

الشهادة ١: المتهم خالد محمود

في جلسة تحقيق بتاريخ ٢٢ أغسطس ٢٠٢١، أفاد المتهم خالد محمود أثناء التحقيق معه أمام النيابة أن أقواله السابقة كانت لتعرضه للضغط من قبل الامن الوطني.

يقول خالد: انا بنكره (أقواله السابقة) لاني قولته تحت التهديد أمن الدولة المصري.. وعند سؤاله من النيابة عن وسيلة الإكراه، رد خالد: “كهربوني في العضو الذكري”

صورة.٣ من تحقيق النيابة مع خالد محمود

 

الشهادة ٢: المتهم محمد خلف

في جلسة التحقيق معه أمام النيابة بتاريخ ١٥ أكتوبر ٢٠٢١، أفاد المتهم محمد خلف بشهادته حول الانتهاك الذي تعرض في الكويت أثناء عملية ترحيله.

يقول خلف: أنا عايز أقول انى اتعرضت في الكويت قبل ترحيلي لمصر لضرب وسحل وتحرش جنسي.. ومنعوني من التصرف في أموالي هناك في الكويت من قبل قوات أمن الدولة الكويتية..”

صورة.٤ من تحقيق النيابة مع محمد خلف

 

الشهادة ٢: المتهم أبو بكر عاطف

فى جلسة تحقيق النيابة معه بتاريخ ٢٢ أغسطس ٢٠٢١، أنكر المتهم ابو بكر عاطف أقواله السابقة، وأكد بأنه تعرض للتعذيب للإدلاء بها.

قال عاطف :” أنا بنكر كل الكلام الى قولته في أول جلسة لانى كنت اتعرضت لتعذيب عشان اقول الكلام الى قولته.”

صورة.٥ من تحقيق النيابة مع أبو بكر عاطف

على الرغم من هذه الشهادات القاسية، لم تأمر نيابة أمن الدولة العليا بفتح أي تحقيقات للوقوف على صحة هذه الادعاءات من عدمها، الأمر الذي يشير مجددا إلى تستر نيابة أمن الدولة العليا على جرائم الأمن الوطني، بالإضافة إلى كونها تنحاز انحيازا كاملا لوزارة الداخلية بما يهدد استقلالها ونزاهتها إلى حد كبير، وهو الأمر الذي يطعن في صحة وسلامة إجراءات التحقيقات.

خاتمة

بعد مرور أكثر من ٧ سنوات على تولي الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي سدة الحكم، لاتزال مصر تعاني حالة من التدهور غير المسبوق فيما يخص ملف حقوق الإنسان، إذ تعمل المؤسسات الأمنية جنبا إلى جنب مع مؤسستي النيابة والقضاء على انتهاك حقوق الإنسان وتطويع العدالة بشكل عام بغرض القمع السياسي في مشهد تبدو فيه درجة استقلالية ونزاهة مرفق العدالة المصري منخفضة للغاية، كل ذلك تحت مسمى الحرب على الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي.

وتأتي القضية محل التقرير كمثال على الحالة المتردية لحقوق المتهمين سواء أمام جهات التحقيق أو على يد سلطات الضبط والحبس، مضافًا إليها التنسيق مع سلطات أمن دولة أخري في ارتكاب انتهاك بحق مواطنين مصريين، حيث انتهى التقرير إلى وقوع جملة من الانتهاكات التي تخل بضمانات المحاكمة العادلة وتطعن في صحة الأحكام الصادرة بحق المتهمين في هذه القضية. هذه الانتهاكات منذ البداية تمثلت في تحرير محضر تحريات أمني بناءً على معلومات مجهلة، ثم التنسيق مع سلطات دولة أخري في القبض على عدد من المتهمين وترحيلهم إلى مصر. وانتهكت نيابة أمن الدولة العليا حقوق بعض المتهمين في الاستعانة بالمحامين في جلسات التحقيق الأولي ورفضت إعطاء المحامين من التسهيلات ما يكفي لإعداد دفاعهم، كما انتهك قطاع الأمن الوطني حقوق المتهمين في عدم التعرض للتعذيب والإكراه على الاعتراف وعدم التعرض للاختفاء القسري.

[1] الجبهة المصرية لحقوق الانسان: “مثبت بالأوراق: دليل توثيق الانتهاكات الحقوقية من الأوراق الرسمية للقضايا“، صدر في ٦ سبتمبر ٢٠١٨ https://egyptianfront.org/ar/2018/09/mothbat-bel-awraq/

[2] اليوم السابع، أسماء المتهمين الصادر بحقهم أحكاما بالمؤبد والمشدد بخلية العائدون من الكويت .٧ أبريل ٢٠٢٢ https://www.youm7.com/5720137

Leave A Reply