فتيات المنوفية: ضحايا سلاسل قيمة الإنتاج الزراعي في مصر

بالتزامن مع إعلان وزير الزراعة المصري في مؤتمر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” المنعقد في 28 يونيو عن التزام الدولة المصرية بتنمية سلاسل القيمة الزراعية نحو الكفاءة والشمول والاستدامة بما يوفر فرص العمل، والغذاء ويخدم أغراض التصدير، أتت حادثة الطريق الإقليمي المار بمحافظة المنوفية في 27 يونيو والذي تسبب في مقتل 18 فتاة من العاملات الموسميات في جمع العنب لتلقي الضوء على هشاشة هذا الإعلان الرسمي، وضعف سلاسل القيمة الزراعية في مصر وبخاصة موضع النساء فيها، في مقابل هيمنة اعتبارات التصدير والربح. 

استمرار تهميش العاملات الزراعيات برغم استراتيجيات تمكين المرأة

تٌشكل النساء والأطفال مكونا أساسيا من العمالة الزراعية في مصر سواء كانت منتظمة أو موسمية بالنظر لطبيعة المحاصيل الزراعية والتي تتطلب حساسية في التعامل معها، ما يُفسر الإقبال على هاتين الفئتين تحديدا لإدماجهم في سلاسل القيمة الزراعية، خاصة مع تزايد هجرة الرجال من الريف. تُفيد الإحصاءات الرسمية بأن النساء من العمالة غير الرسمية يشغلن 32.4 % من القطاع الزراعي لعام 2022، وهو ما أعادت الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة 2030 التأكيد عليه بالإشارة لامتصاص القطاع الزراعي لـ 25% من طاقة النساء في القطاع غير الرسمي، إلا أن الاستراتيجية لم تعط النساء العاملات في القطاع الزراعي العناية والحماية الكافية، حيث كانتا الاستراتيجية أكثر وضوحا في توجيه طاقتها للفئات الأكثر حظا بالفعل من خلال تأكيد الالتزام بالعمل على تمكين المرأة اقتصاديا داخل القطاع الرسمي سواء كان العام أو الخاص، أو قطاعات ريادة الأعمال والهيئات العامة، والعمل على تنمية قدرات المرأة لتوسيع خيارات العمل أمامها، وزيادة مشاركتها في قوة العمل. في المقابل اكتفت الاستراتيجية بالدعوة لوضع القوانين والإجراءات التي تحافظ على حقوق المرأة العاملة في القطاع غير الرسمي، وأوصت بالتوسع في مشروعات تُسهل تشغيل النساء في مواقع مختلفة من سلاسل القيمة للإنتاج الزراعي بما في ذلك التصنيع الزراعي. 

لا توجه الاستراتيجية دعما وحماية كافيين للنساء في سلاسل قيمة الإنتاج الزراعي في مقابل الدعوة نحو زيادة مشاركتهن فيها، كذلك لا تعكس السياسات الرسمية للدولة التزاما حقيقيا نحو إيجاد سلاسل قيمة شاملة ومستدامة تخدم كافة المساهمين فيها، بخاصة النساء بالنظر لأهمية موقعهن فيها على النحو الذي كشفته حادثة الطريق الإقليمي، حيث يبدو أن الهدف الأول والأخير هو الربح والتصدير واستخراج الفائض. 

هشاشة العمالة النسائية داخل سلاسل قيمة الإنتاج الزراعي

تهدف سلاسل القيمة الشاملة والمستدامة لخدمة كافة المساهمين فيها من مزارعين وعمالة وملاك أراضي، وتجار ومصنعين، وكذلك تدعيم البنية التحتية للمناطق التي تتواجد فيها هذه السلاسل والعمليات بشكل متوازن، قابل للاستمرار يتسم بالشمول من خلال استشعار أصحاب المصلحة المختلفين بأن لهم نصيبا من القيمة المضافة التي تم استحداثها وكذلك ألا يتعرضوا لظروف عمل غير صحية. 

تُعد العمالة، هي الحلقة الأضعف في سلاسل القيمة بالنظر لانخفاض الأجر الذي تتحصل عليه، وانخراطها في مراحل بدائية من الإنتاج تُساهم في قلة أجرها. تكشف الحادث عن استمرارية النساء في احتلال مواقع بدائية من سلاسل القيمة كمراحل الحصاد والجمع والقطع وبشكل أقل في مراحل الفرز والتعبئة والتصنيع بخلاف المساعي التي دعت لها الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة، نحو إدماج النساء في القطاع الزراعي في عمليات أعقد مثل التصنيع الزراعي.

كما كشفت الحادث عن ظروف العمل التي تعمل فيها النساء من العمالة الموسمية، حيث يبلغ الأجر اليومي للعاملة 120 جنيه يوميا (3 دولار)، وهو أجر لم يشهد تغيرا منذ عام 2018 في نفس سلاسل القيمة لإنتاج العنب بالرغم من التضخم وارتفاع الأسعار، وتحرير سعر الصرف المتكرر. يبدو ذلك الأجر أفضل نسبيا بالنظر لعمل ضحايا الحادث في مرحلة التعبئة والفرز، حيث قد يقل الأجر في حالة العمل في أعمال الحصاد والجمع، ليصل أجر العاملة فيها لـ  70 (دولار ونصف) أو 80 جنيه يوميا، وقد يختلف تبعا لسلسلة القيمة التي تعمل فيها النساء (أي نوع المحصول أو المنتج). وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأجور لا تُسلم بشكل يومي غالبا للعاملات، بل بشكل أسبوعي مجمع أو نص شهري، مع إمكانية الحصول على منحة في أيام الأعياد الموافقة لموسم العمل الموسمي الزراعي تصل لـ 500 جنيه مصري (10 دولار أمريكي)

وبرغم توصية الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة منذ عام 2017 بإصدار قانون لحماية حقوق المرأة العاملة في القطاع غير الرسمي، فإن قانون العمل الجديد – الذي سيدخل حيز التنفيذ في سبتمبر 2025- لا يوفر حماية كافية قانونية للعاملات غير الرسميات وخاصة الموسميات، حيث أحال القانون للوزارة وجهات الإدارة للعمل على تنظيم شروط عملهم وإدارته. ولا يوفر القانون للعمالة غير المنتظمة أي ضمانات قانونية أو حمائية، أو تنظيمية لعملهم حيث لم يشترط وجود عقود قانونية لهم، وهو ما تم مع ضحايا الحادث.

إلا أن حتى في ظل سريان قانون العمل السابق (12 لسنة 2003) ولحين العمل بالقانون الجديد، فلا يبدو أن جهات الإدارة قادرة على توفير الحماية والرقابة الكافية لضمان حقوق النساء والقاصرات منهن، حيث كشفت الحادثة عن توظيف بعض من الفتيات القاصرات دون سن الخامسة عشر بالمخالفة لنصوص القانون القديم (مادة 98) دون منح صاحب العمل بطاقة لهن تُفيد بذلك، ودون اعتماد مكتب القوى العاملة المختص. كما يحظر القانون القديم عمل الأطفال – ما دون سن الثامنة عشر- لأكثر من ست ساعات يوميا، وهو ما تكشف الحادثة عن عدم انطباقه حيث عملت الضحايا لساعات تجاوزت العشر والاثني عشر ساعة يوميا في المتوسط. كذلك تعمل العاملات الزراعيات دون منحهن أدوات وقائية للتعامل مع بيئة العمل التي تتطلب حذرا مثل المبيدات الكيماوية والتي تمتد آثارها للصحة العامة والإنجابية لهن. 

نقل غير آمن للعاملات وتعويضات في مهب الريح

وفي ظل غياب السياسة الحمائية والضمانات القانونية المنظمة لعملهن، فلا يوجد أي التزام كذلك مرتبط بشروط النقل والسلامة المرتبطة بالعمل بالنسبة للعاملات الزراعيات والموسميات منهن على النحو الذي كشفته الحادث من عدم التزام أصحاب المصانع ومحطات التصدير بتوفير وسائل نقل لهن من وإلي المحطات. يتولي تنظيم جانب الانتقال مقاول الأفراد “متعهد العمال” والذي يتوي هذه المسألة بالاعتماد على عربات بعضها غير مخصص للتنقل على الطرق السريعة أو في كثير من الأحيان بما يفوق طاقتها الاستيعابية كما في حالة الحادث “20 فرد” في سيارة ميكروباص لا تسع إلا 12 فردا. ويأتي اختيار وسائل نقل متهالكة بغرض تقليل النفقات والتي تُقتطع بالفعل من أجر العاملات، وتستخدم لرحلات طويلة تمتد في بعض الحالات بين محافظات الوجهين البحري والقبلي، والتي تُخلف حوادث وإصابات في أوساط العاملات المستأجرات دون تعويض لهن. 

تطرح حادثة المنوفية كذلك تحديا ذي صلة بمصداقية التعويضات الممنوحة لضحايا العمالة غير المنتظمة ووصولها لمستحقيها، حيث تقرر صرف تعويضات لأسر الضحايا بشكل تضامني من وزارتي التضامن الاجتماعي والعمل، إضافة للتبرعات الأهلية، إلا أن التقارير الواردة حديثا تُفيد أما بعدم صرف التعويضات لأسر الضحايا، أو بتدخل جهات الإدارة والحكومة لاقتطاع مبالغ التعويضات من الأهالي -تصل لنصف مبلغ التعويض- ودفعهم للتبرع بها للدولة لمساعدتها في إنشاء مدرسة بالقرية. تأتي هذه الممارسات الإذعانية مع الإصرار على التعامل الأمني مع مثل هذه الكارثة من خلال فرض قيود على التواصل بين ذوي الضحايا، وسكان القرية وبين الإعلام بما يحول دون تسليط الضوء على ظروف هذا الحادث وظروف العمل والفقر التي تعاني منها القرية ودفعت الفتيات للقبول بظروف عمل غير إنسانية وخطرة.

ونتاجا لشغل النساء والقُصر موقعا هاما في سلاسل القيمة للإنتاج الزراعي، وعملهن وانتقالهن في الظروف الموصوفة،  تكشف وقائع الحوادث المتكررة والإحصاءات عن احتلالهم لغالبية إصابات الطرق بالنظر لكونهم مرتادين أساسيين لها للتنقل من وإلى محلات العمل والإنتاج. 

سلاسل قيمة زراعية دون حوكمة للبنية التحتية

على صعيد آخر، تقوم منظومة سلاسل القيم المستدامة على جوهرية مفهوم الحوكمة، لضبط وتنسيق كافة المراحل والتفاعلات بين كافة الأطراف واستفادة الجميع داخل سلسلة قيمة ما، وهو ما كشفت الحادث عن غيابه كذلك. 

ففي الوقت الذي تتوسع فيه الدولة وأجهزة الإدارة في إنشاء المناطق الصناعية بالدلتا وفي المحافظات، كما في حالة محافظة المنوفية، إلا أن البنية التحتية بها، كما في حالة الطريق الإقليمي تشهد خروجا من ولاية جهات الإدارة واشرافها – ممثلة في المحافظات والأحياء أو وزارات مثل وزارة النقل والمواصلات أو هيئة الطرق والكبارى– لصالح الشركات المالكة والمنفذة، وهي الشركة الوطنية للطرق، في هذه الحالة، التي تولت إنشاء الطريق والاستفادة من عوائده دون قيامها بمهام الصيانة اللازمة، ودون التزام منها بالإبلاغ لجهات الإدارة أو العمل على الصيانة، وهو الأمر الذي ترك الطريق دون أعمال صيانة لـ 6 سنوات منذ إنشائه برغم تكرار الحوادث عليه، وشكاوى المواطنين وأعضاء مجلس النواب من المحافظة من تكرار الحوادث والوفيات. 

يتناقض ذلك مع مبادئ الحوكمة المركزية التي تتطلب تنسيق وعمل متقارب بين جميع المساهمين في سلسلة قيمة ما، وعدالة استفادة المساهمين في عملية الإنتاج من القيمة المضافة التي شاركوا في إنتاجها سواء كانت في شكل أجور، أو ظروف عمل جيدة. لا ينفصل ذلك عن سعي سلسلة القيمة المستدامة لاستدامة البيئة المحيطة والبنية التحتية، وضمان مصالح كافة المساهمين في عملية الإنتاج دون تغليب مصالح طرف على آخر، وهو ما يغيب حيث تسود اعتبارات التصدير على غيرها، على النحو الذي خلف هذه الكارثة، حيث أكد وزير النقل على أن ما حدث بهذا الطريق من تشوهات، راجع “للحمولات الزائدة” حيث يُسمح للنقل الثقيل والنقل التجاري باستخدام الطريق إلى جانب النقل الفردي. 

يبدو أن التوجه الرسمي هو لاستمرار عدم منع نقل البضائع والنقل التجاري على الطرق المستخدمة للنقل الفردي لخدمة التصدير الداخلي والخارجي والمصانع، مع الاكتفاء بإحداث تعديلات على بنية الطريق نحو البناء الخرساني لاستمرار هذا الغرض، وهو ما يتعارض مع أهداف الاستدامة والحماية للمستخدمين الآخرين لهذه الطرق، ويعرضهم مجددا للخطر، وهو بالأساس النساء الريفيات والأطفال القصر في هذه الحالة. 

في ظل ذلك السياق يُفترض بصانع القرار المصري أن يعمل على: 

  • إعادة النظر في توجهات توسيع دمج النساء في سلاسل قيمة الإنتاج الزراعي نحو منظومة أكثر شمولا واستدامة لا تقتصر على الزيادة العددية بل تسعى لتمكينهم ومراعاة حقوقهن الأساسية خاصة علي صعيد الأجر، وعقود العمل، والتأمين الصحي، وتعويضات الإصابات.
  • إعادة النظر في المواد واللوائح المنظمة للعمالة غير المنتظمة، والتي تخاطب النساء بالأساس للعمل على تأكيد وضوح قواعد العمل، والحقوق والواجبات. 
  • تضمين شروط الحماية والسلامة للنساء العاملات والريفيات منهن في الاستراتيجية الوطنية للسلامة والصحة المهنية المتوقع صدورها قريبا.
  • إعادة النظر في الفئات المستهدفة ببرامج الحماية الاجتماعية مثل تكافل وكرامة والعمل على توسعها لتشمل العمالة غير المنتظمة من النساء في ظل قلة الأجور الممنوحة لهن، والتي تُجبر الأسر في الريف للدفع بأطفالهم للعمل غير النظامي والموسمي على النحو الذي كشفته الحادث، خاصة أن دوافع خروج الفتيات كان مرتبط بالرغبة في الإنفاق على تعليمهن.

وعلى صعيد التعاون الدولي: 

  • على الدول المستوردة للمنتجات المصرية الزراعية والصناعية والمتعاملة مع السوق المصري التأكد من عدم انتهاك عملية الإنتاج تلك لقوانين العمل والطفل وحقوق المرأة قبل الشروع في إبرام شراكات وعقود تصدير واستيراد. 
  • إعادة تقييم آثار برامج الإنفاق على المرأة الممولة من صندوق النقد الدولي في مصر خاصة فيما يتعلق بتحسين مستوى أمان النقل العام الهادف لتحسين وصول النساء للوظائف، خاصة في ظل ما تطرحه حادثة المنوفية والحوادث المماثلة لها من محدودية هذه الآثار، وعدم استفادة النساء العاملات في قطاعات حيوية كالزراعة منها. 

للإطلاع على التقرير بصيغة PDF

ضع ردا