أوقفوا تجريم العمل الحقوقي والحق في الدفاع: الجبهة المصرية تدين إحالة ما لا يقل عن 92 محاميًا وآخرين من المدافعين عن حقوق الإنسان إلى محاكم جنايات الإرهاب

0

تدين الجبهة المصرية لحقوق الإنسان إحالة عشرات المحامين وآخرين من المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر إلى محاكم الجنايات، على خلفية أنشطة متصلة بدورهم المهني أو الحقوقي. ففي حين يواجه عدد كبير من هؤلاء المحامين هذه الاتهامات بسبب ممارستهم الحق في الدفاع عن متهمين، بما في ذلك القضايا ذات الطابع السياسي، مثل تلك المتعلقة بالحق في التنظيم، والتجمع السلمي، وحرية الرأي والتعبير، يواجه آخرون من المدافعين عن حقوق الإنسان اتهامات على خلفية عملهم في توثيق الانتهاكات، وتقديم الدعم القانوني، أو التعاون مع آليات أممية.وتُعد تلك الإحالات دليلًا دامغًا على استمرار سياسة الدولة في تجريم العمل الحقوقي والحق في الدفاع، وتهديدًا صريحًا لمهنة المحاماة في مصر واستقلالها وتقويضًا لها، وتهديدًا لأمان الجماعة القانونية والحقوقية بأكملها على المدى البعيد، ومن خلفها المواطنين الباحثين عن سُبل للإنصاف والعدالة بالطرق السلمية وفي ظل حكم دولة القانون.

كانت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان قد رصدت إحالة ما لا يقل عن 92 محاميًا وآخرين من المدافعين عن حقوق الإنسان إلى محاكم جنايات الإرهاب، وقد تولى عدد كبير منهم الدفاع عن متهمين في قضايا ذات طابع سياسي. ووردت أسماؤهم ضمن أوامر الإحالة في 25 قضية من قضايا أمن الدولة العليا، وهو عدد مرشّح للزيادة مع استمرار الإحالات. كما شملت هذه الإحالات خمس محاميات منخرطات في الدفاع عن متهمين في القضايا ذاتها. ووفقًا لأوامر الإحالة، جاءت الاتهامات الموجهة لهؤلاء المحامين متقاربة مع الاتهامات الموجهة إلى موكليهم، المحتجزين بدورهم على خلفية ممارسة حقوق أساسية مثل حرية التنظيم، والتجمع السلمي، والتعبير عن الرأي. إذ يواجهون اتهامات منصوصًا عليها في قانون مكافحة الإرهاب، أبرزها الانضمام إلى جماعة إرهابية أُسست على خلاف القانون، وتمويلها. وفي عدد من تلك القضايا، استندت محاضر التحريات الأمنية صراحةً إلى قيام المحامين بممارسة دورهم القانوني في الدفاع، واعتبرته دليلاً أو قرينة على انتمائهم إلى جماعات إرهابية، أو إلى ما وصفته التحريات بـ”محاور حقوقية” لجماعات سياسية، أو تولّي “مسؤولية الدفاع” عن عناصر تلك الجماعات أمام القضاء.

ولعل من أبرز هذه القضايا قضية المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان إبراهيم متولي، الذي يواجه اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية، وتمويلها، في إطار القضية رقم 900 لسنة 2017 أمن دولة. وقد جاء انخراطه في هذا العمل الحقوقي مدفوعًا بسعيه لمعرفة مصير ابنه المختفي قسرًا منذ عام 2013. وتشير تحريات القضية إلى أنه “يتولى مسؤولية ملف المختفين قسريًا داخل التنظيم، ويقوم بإعداد تقارير وبيانات بهدف التشهير بمؤسسات الدولة، والتواصل مع منظمات حقوقية دولية لتدويل الملف وتشويه صورة الدولة”.

كما تُعد القضية رقم 540 لسنة 2023 أمن دولة عليا من القضايا البارزة الأخرى، حيث تضم تسعة محامين أُدرجوا ضمن صفوف الاتهام بسبب توليهم الدفاع عن المتهمين الأصليين في القضية. وقد وُجّهت إليهم اتهامات صريحة في محاضر التحريات باعتبارهم “يدافعون عن عناصر إخوانية”.
أما القضية رقم 2976 لسنة 2021 (المعروفة إعلاميًا بـ “قضية مجموعة مطبخنا” وهي مجموعة كانت مسؤولة عن إعداد طعام لمعتقلين سياسيين، فقد اعتمدت التحريات على وصف المحامين المتهمين بأنهم يعملون ضمن “محور حقوقي” يتولى الدفاع عن عناصر متهمة في قضايا سياسية.

كذلك، تُضاف إلى هذه القائمة القضية رقم 1233 لسنة 2023، التي يُحاكم فيها المحاميان الحقوقيان محمد عيسى ومحمود عادل، على خلفية عملهما في تقديم الدعم القانوني وتوثيق الانتهاكات في الجبهة المصرية لحقوق الإنسان. وقد اعتبر عدد من المقررين الخاصين في الأمم المتحدة هذه الملاحقة عملًا انتقاميًا مباشرًا بسبب عملهم الحقوقي وتعاونهم مع الآليات الأممية.

من الجدير بالذكر أن هذه الإحالات جاءت بعد شهور وسنوات من إدراج أسماء هؤلاء المحامين والمدافعين في قضايا أمن الدولة، وذلك أثناء ممارسة بعضهم لمهامهم القانونية أمام جهات قضائية استثنائية، كنيابة أمن الدولة العليا ومحاكم الإرهاب، أو النيابات والمحاكم في محافظات أُخرى. وقد أسفرت هذه الإحالات الانتقامية عن القبض على عددٍ منهم دون إخطار مسبق، بينما يواجه آخرون أوامر ضبط وإحضار، بالإضافة إلى محاكمات استنادًا إلى قانون مكافحة الإرهاب، متوقعين أحكامًا قاسية.

تمثل هذه الإحالات الجماعية التي قادتها نيابة أمن الدولة العليا انتهاكًا جسيمًا لجملة من المبادئ والحقوق الأساسية، وعلى رأسها حق المتهمين في وجود هيئة دفاع قانونية، ودور السلطات القضائية في ضمان هذا الحق، لا سيما في الحالات التي يتعذر فيها على المتهمين تعيين محامين بأنفسهم.كما تشكل هذه الممارسات اعتداءً صارخًا على النشاط الحقوقي ومهنة المحاماة في مصر واستقلالها، من خلال التهديد الأمني المباشر للمحامين والمدافعين، ووصمهم وإدانتهم على خلفية قيامهم بمهامهم القانونية، فضلًا عن رصد وتوثيق الانتهاكات التي يتعرض لها الضحايا، بما يهدف إلى ترهيب المجتمع القانوني والحقوقي وتجريدهم من الاستقلالية والحرية في أداء أدوارهم، خاصةً في القضايا ذات الطابع السياسي المرتبطة بممارسة الحقوق المدنية والسياسية.

وبرغم الغلق شبه النهائي للقضية رقم 173 لسنة 2011، المعروفة بـ”قضية التمويل الأجنبي”، التي استُهدف فيها عدد من المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وبعد سنوات من إطلاق “الحوار الوطني” و”الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان” التي حملت وعودًا بإحداث انفراجة سياسية وحقوقية، إلا أن هذه الإحالات الجماعية الأخيرة لهذا العدد من المحامين والحقوقيين، تؤكد استمرار الدولة في استهداف أي نشاط تفسره كونه معارض، حتى ولو كان في إطار قانوني كممارسة الحق في الدفاع.

تُطالب الجبهة المصرية لحقوق الإنسان بالرفع الفوري لأسماء المحامين والمدافعين المتهمين في القضايا المحالة مؤخرًا، واستبعادهم من قوائم الاتهام، حيث يواجه هؤلاء المحامون اتهامات تستند إلى بنود تشريعات مكافحة الإرهاب، لمجرد قيامهم بالدفاع عن متهمين في قضايا ذات طابع سياسي أو رصد وتوثيق هذه الانتهاكات. كما تطالب الجبهة بالإفراج الفوري عن المقبوض عليهم منهم، ورفع أسماء الآخرين من قوائم المنع من السفر، وضمان حقهم في الاستمرار في أداء عملهم دون أي شكل من أشكال الترهيب أو التهديد. وتشدد الجبهة على ضرورة وقف استخدام القوانين الاستثنائية، وعلى رأسها قانون مكافحة الإرهاب، في ملاحقة المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وضرورة احترام استقلال مهنة المحاماة ودور نقابة المحامين في حماية أعضائها من الاستهداف المهني والأمني.تدعو الجبهة أيضًا إلى فتح تحقيق مستقل ومحايد في ممارسات نيابة أمن الدولة العليا، وتحديد مسؤولياتها في استخدام التحريات الأمنية كأدلة وحيدة لتوجيه اتهامات بالإرهاب، ولهذا العدد من المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

اترك تعليقاً