هل ساهمت السجون الجديدة في تحسين أوضاع المحتجزين؟ تقييم أوضاع الاحتجاز داخل السجون الجديدة

نشرت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان اليوم تقريرًا بعنوان “هل ساهمت السجون الجديدة في تحسين أوضاع المحتجزين؟”، والذي يهدف إلى تقييم أوضاع الاحتجاز داخل مجمعات السجون الجديدة في مصر من خلال شهادات السجناء السابقين وذويهم ومحاميهم. ويكشف التقرير أن التحسينات الإنشائية والبنية التحتية لم تنعكس على حقوق المحتجزين أو ظروفهم المعيشية، إذ استمرت المشكلات المرتبطة بالإدارة والرعاية الصحية والتغذية والزيارات، وصولًا إلى تسجيل حالات وفيات وإضرابات، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى إصلاح سياسات إدارة السجون، لا الاكتفاء بالإصلاحات الشكلية في تطوير المباني وحملات العلاقات العامة المرتبطة بها.

مقدمة

بدأ إنشاء السجون الجديدة منذ عام 2021 في سبيل إحلال السجون القديمة، وهو ما جاء بالتزامن مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في العام ذاته، والتي تناولت في محور حقوق السجناء مسألة إنشاء سجون جديدة لتقليل الكثافة العددية للسجون القديمة، وتحسين مستوى إعاشة السجناء ورعايتهم الصحية. وقد صاحب هذا التأسيس تعديل قانون السجون رقم 396 لسنة 1956، بموجب القانون رقم 14 لسنة 2022، والذي استحدث مصطلحات جديدة لمنظومة السجون المصرية حيث اٌستبدل مسمي السجن بـ “مركز إصلاح وتأهيل”، ومسمي السجين بـ “نزيل” وقطاع السجون “قطاع الحماية المجتمعية” لمواكبة التغيير المٌعلن عنه في السياسة العقابية وتحسين حياة السجناء. 

شملت مجمعات السجون الجديدة أو مراكز التأهيل والإصلاح، كل من مجمع سجون بدر، والذي تأسس بموجب قرار وزاري من وزير الداخلية في عام 2021، ومجمع سجون وداي النطرون في العام ذاته. ومجمع سجون العاشر من رمضان والذي أسسه قرار وزير الداخلية لعام 2023، ومجمع سجون أخميم بسوهاج، وأخيرا سجن 15 مايو الجديد.

عبر مرصدالسجون الجديدة سعت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان لتتبع تطور أوضاع الاحتجاز في هذه المقرات في ظل التحديثات التي لحقت بها على صعيد البنية التحتية، والسياسة الإدارية وفقا لما أعلنته الجهات المختصة من وزارة الداخلية، والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، وذلك عبر التوثيق مع 16 شخصًا من المحتجزين السابقين وأهالي المحتجزين في هذه المقرات/ السجون الجديدة، وهيئة الدفاع عن هؤلاء المحتجزين، إضافة لمتابعة تطورات الأحداث والاحتجاج داخل كل سجن لتقديم صورة عامة وتجميعية حول مدى التطور الفعلي الذي أحرزته السجون الجديدة

 

 

الموقع الجغرافي للسجون الجديدة

جاء إنشاء مراكز التأهيل الجديدة بعيدا عن المدن القديمة؛ في امتدادات المدن الجديدة، والتي تبعد عن القاهرة بما لا يقل عن 60 كيلو مترا كما في حالة مجمع بدر والعاشر من رمضان، وتمتد لـ 80 كيلو متر كما في مجمع وادي النطرون القريب من مدينة السادات. في الوقت ذاته لا تقترب هذه المجمعات من أيا من المدن التي تقع في امتداداتها الإدارية، الأمر الذي يجعلها بعيدة عن مسار المواصلات العامة والخاصة كذلك. وقد عددت العائلات والمرتادون لهذه المقرات الأعباء التي تواجههم في سبيل الوصول لها. يبدو أن إنشاء السجون الجديدة جاء مفارقا لسياسات تسكين السجناء، على النحو الذي توضحه الأسر التي تقطن محافظات مختلفة وأخرى، وتزور ذويها في هذه المقرات. 

يكشف البعد الجغرافي لهذه السجون عن قصور في سياسة البناء وعدم تبنيها منظور متكامل وشامل يراعي كافة الأطراف التي ترتبط بهذه المجمعات، حيث تم تجاهل المحددات الاجتماعية عند اختيار أماكن هذه المقرات. 

كود الإنشاء والبنية التحتية

برغم تلافي مراكز التأهيل والإصلاح الجديدة/ السجون لعيوب السجون القديمة من حيث المساحة في مقابل أعداد السجناء في الأعم الأغلب، فلم تخلو من إشكاليات عدة على صعيد كود الإنشاء والبنية التحتية، فلم تراع تصميمات السجون الجديدة أيا من المحددات البيئية عند تصميم مثل هذه المواقع سواء من حيث المناخ ولا الموقع. 

من جهة، أعادت السجون الجديدة إنتاج مشكلة السجون القديمة باعتماد أكواد بناء فقيرة لا تهتم لوجود مصادر تهوية جيدة لغرف السجن والعنابر، ولا لنفاذ الإضاءة الطبيعية لها بشكل كاف على النحو الذي أفادت به الشهادات المختلفة، حيث أصبح مصدر الإضاءة والتهوية الوحيد في هذه المقرات هو شراعات/ نوافذ في أعلى سقف الغرف والتي تُنسج عليها قضبان حديدية، والتي لا تسمح بدخول الشمس والضوء والهواء بشكل كاف لأعداد المقيمين في الغرف. توفر هذه الظروف بيئة مثالية للأمراض والعدوى، وتُعرض صحة وسلامة السجناء البدنية والعقلية للخطر. ويغيب عن هذه النوافذ أو الشراعات الزجاج أو الخشب والتي تحرم السجناء من الحماية في فصل الشتاء من البرد القارس في تلك الأماكن المتطرفة جغرافيا.

يبدو كذلك أن هذه السجون الجديدة تُعاني من مشكلة الصرف الصحي، حيث تتكرر الشكاوى من انسدادها بالرغم من حداثة عمر هذه المقرات. كما تعاني هذه المقرات من غياب مصدر نقي لمياه الشرب يُمكن الاعتماد عليه بشكل مستمر ومباشر، حيث رصد السجناء وذويهم انقطاع المياه بشكل متكرر، في مقابل وجود مياه غير صالحة للشرب في السجون الجديدة، وزيادة الاعتقاد بكونها مياه صرف صحي معالجة، وهو ما قد يرتبط بكونها مناطق غير مأهولة وغير معدة للسكنى البشرية. كذلك تُعاني بعض المقرات من قلة أعداد دورات المياه داخل الغرف بالنسبة لعدد السجناء. 

وعلى صعيد المنشآت الطبية، فقد أعلنت وزارة الداخلية عند افتتاح مجمعات السجون الجديدة/ مراكز الإصلاح والتأهيل عن رفع الجهوزية للمنشآت الطبية لهذه المقرات لتقديم الخدمات الطبية المتكاملة عبر استحداث وحدات طبية متخصصة فيها مثل غرف العمليات والتحاليل والاشعات، ووحدات الغسيل الكلوي. كذلك شهدت السجون الجديدة إنشاء مقرات للمحاكم بها لعقد المحاكمات وجلسات التجديد، بدلا من الانتقال للمحاكم، تفعيلا لما بات يُعرف بالتقاضي عن بعد أو التقاضي الإلكتروني.

حقوق السجناء ومستوى الإعاشة داخل السجون الجديدة

برغم الإعلان الرسمي من وزارة الداخلية عن افتتاح مجمعات السجون الجديدة كجزء من تحديث وإصلاح السياسة العقابية، وفي سبيل تحسين إعاشة السجناء، لا يبدو أن كل الحقوق قد لقت تحسنا أو تطورا كبيرا وفقا للشهادات المسجلة، حيث لم يستفد السجناء من تحديثات المباني بشكل كبير والانتقال إلى مقرات جديدة أكثر اتساعا. 

  • سلطة وسياسات إدارة السجون الجديدة 

يتدخل في إدارة السجون ضباط الأمن الوطني إلى جانب الضباط التابعين لمصلحة السجون، بالنظر لتقاسم السجناء السياسيين والجنائيين هذه المقرات، حيث يمتلك ضباط الأمن الوطني كافة الصلاحيات والسلطات فيما يتعلق بشأن السجناء السياسيين في هذه المقرات بداية من تسكينهم، وتفاصيل الإعاشة اليومية لهم وحتى تنظيم علاقتهم بالعالم الخارجي من زيارات ومراسلات. لا يختلف ذلك عن وضع السجون القديمة، ويُعد إشكالي في ظل وجود دعاوى عن تورط بعضهم في تعذيب وانتهاكات سابقة، وكذلك يُثير مسألة قانونية هذه السلطة، بالنظر لطبيعة عمل الجهاز السياسية وعدم تبعيته لمصلحة السجون. كذلك لم يُذكَر وجود إطلاع من جهات السجن للسجناء على حقوقهم عند تسكينهم في هذه المقرات الجديدة، ولا تتواجد بالمكان أي معلقات أو نشرات واضحة تُطّلع المسجونين على حقوقهم وفقا لقانون تنظيم السجون ولائحته كذلك عند دخولهم أو في عنابر تسكينهم.

  • تأثيث الغرف

يتفاوت تأثيث الغرف من سجن لآخر، ومن غرف لأخرى عبر مقرات السجون الجديدة، على نحو لا يُمكن معه الإدعاء يأن تأثيث الغرف قد لحقه تحسن كبير في حالة السجون الجديدة كسياسة عامة. بخلاف سجون النساء التي تمتاز بتوفر أسرة لكل السجينات، تفتقر العديد من غرف سجون الرجال لوجود أسرة لكل السجناء، حيث يفترشون الأرض للنوم. يزيد هذا الوضع من صعوبة الأوضاع الصحية لكبار السن وأصحاب الأمراض. كما لا تتواجد بالغرف أي ثلاجات  لحفظ محتويات الزيارات التي يتلقونها أو سخانات لتسخينها، ولا تمتلك الغرف كراسي، وفي بعض الغرف لا تتواجد شفاطات للهواء. 

  • التريض

برغم التحديثات الإنشائية لمقرات السجون الجديدة، لم ينعكس ذلك لدرجة كبيرة على حقوق السجناء، فعلى سبيل المثال بخصوص حق التريض، فمازال في أغلبه الأعم يقتصر تطبيقه على عنابر السجناء دون الخروج لباحات السجن الخارجية، ودون معيار محدد لمدة التريض والتي تتفاوت من سجين لآخر، ففي البعض قد تصل لساعة ونصف يوميا والآخرين لساعتين، وللبعض لم تتجاوز ربع ساعة. وفي بعض السجون مثل بدر 3، فيُمنَع التريض بالكلية عن السجناء، بما فيها التريض داخل العنابر. 

  • التغذية

تقوم سياسة التغذية في السجون الجديدة على توفير وجبتين يوميا للسجناء، والتي يشكو السجناء من ضعف جودتها، وعدم ثبات توفيرها من وقت لآخر لهم تبعا لقرار إدارة السجن. في المقابل تمنع الإدارة إدخال أغذية ووجبات من الخارج للسجناء ولو على تكلفتهم الشخصية، وتعمد لإتاحة القليل فقط عبر “كانتين” السجن لإجبار السجناء على شرائه والذي يُباع بأسعار مرتفعة جدا للوجبة الواحدة. ويُلزَم السجناء بأخذ التعيين واستهلاكه وإلا تعرضوا للحبس الانفرادي والتجريد. 

تبقى الكميات المقدمة من الطعام للسجناء وفقا لنظام التعيين قليلة للغاية، ولا تكفي شخص بالغ، وهو ما تعزو له الشهادات زيادة معدلات المرض والهزال في أوساط السجناء، بشكل لا يختلف عن السجون القديمة. يختلف وضع كبار السن المرضى قليلا حيث تزيد حصتهم قليلا من الطعام، وتوفر لهم إدارة السجن مصادر للبروتين مثل اللبن والزبادي. كذلك الحال مع المياه الصالحة للشرب، والتي لا تتوفر بشكل طبيعي ومباشر للسجناء، وفي حال وُجدت تكون عبر الكانتين، وبحصة معينة، تحددها إدارة السجن حيث لا تتجاوز حصة كل شخص زجاجتين صغيرتين في اليوم الواحد (بحد أقصى 600 مل)، وهي مشكلة عامة عبر السجون الجديدة، ما كان منها للرجال والنساء كذلك. 

  • الزيارات

على صعيد الزيارات، فقد شهدت السجون الجديدة استحداث مزيد من الإجراءات والصعوبات الهيكلية لتنفيذ الزيارات في السجون الجديدة، والتي تزيد من صعوبة تنفيذ الأهالي للزيارات، وبالتالي انتظامهم فيها، ما يعني حرمانهم والسجين من هذا الحق.

تكشف منظومة الزيارات داخل السجون الجديدة عن مزيد من التعقيدات البيروقراطية لتنفيذ الزيارات مقارنة بالسجون القديمة. يتطلب الحضور للزيارات التواجد منذ ساعات الفجر أمام أبواب السجون الجديدة في الصحراء، لحين فتح أبواب التسجيل. وتمتد إجراءات التسجيل وحدها لساعتين أو ثلاثة في أفضل الأحوال، يعقبها دخول إلى إجراءات تفتيش ذاتي وتفتيش للأشياء المصحوبة في الزيارات، ثم مرحلة انتظار أخرى تمتد لساعة أو اثنين تبعا لظروف كل زيارة. ثم تأتي مرحلة نقل الزائرين إلى مقر كل سجين في سجنه داخل المجمع، ثم تبدأ مرحلة جديدة من التفتيش للمتعلقات، وخاصة الأطعمة. وبعد الانتهاء من هذه المرحلة، ينتظر الزائرون مرحلة أخيرة، يعقبها زيارة السجين نفسه. وفي ختام الزيارة ينتظر أهل السجين في بعض الحالات لساعات للحصول على أوراقه الثبوتية قبل مغادرة السجن، على الرغم من توافر عدد كبير من الموظفين والعاملين داخل المجمع. 

إلى جانب زيادة التعقيدات البيروقراطية، لا يبدو أن قانون تنظيم السجون ولائحته محل تطبيق أكبر في السجون الجديدة، حيث مازال منح الزيارات للسجناء أمر تقديري لجهة الإدارة بالسجن دون مسوغ أو توضيح، وفي حالة بعض السجون حيث يتواجد السجناء السياسيون، يُحرمون بالكلية وذويهم من تنفيذ الزيارات لسنوات دون سند قانوني واضح. 

كذلك تتبنى السجون الجديدة نفس سياسة السجون القديمة من التعنت في إدخال المتعلقات والمواد الغذائية أثناء الزيارات للسجناء، وبخاصة الطعام والذي تزداد الحاجة له في ظل قلة كمية الطعام المقدم للسجناء، وضعف جودته، وفقره بشكل يؤثر على الحالة الصحية للسجناء ويزيد من نسب الأمراض في أوساطهم. تستند السجون الجديدة لصلاحيات تقديرية كبيرة للغاية في تقرير ما يُسمَح للسجين بالحصول عليه من الزيارات وما لا يُسمَح، دون نص قانوني أو لائحي واضح. يُفسر ذوو السجناء هذا الميل لعدم إدخال الغذاء للسجناء خلال الزيارات، برغم تفتيشه، لدفع السجناء للشراء من كانتين السجن وهو ما يُساهم في توليد موارد مالية كبيرة للسجن وإدارته، برغم عدم عدالة أسعار السلع المعروضة به.

تشمل سياسات المنع كذلك الأدوية للسجناء، خاصة للسجناء السياسيين، كما ورد في شهادات متفرقة عن سجن بدر 3، حيث تمارس إدارة السجون سياسة انتقائية في السماح بدخول بعض الأدوية ورفض البعض في حالة السجناء، حتى لو كانت أدوية أمراض مزمنة كالأنسولين وأدوية الضغط. 

تعمد كذلك سياسة السجون الجديدة لمنع دخول أدوات النظافة الشخصية للسجناء في كثير من الأحيان، وتمارس الإدارات منعا كاملا لدخول أي كتب أو أوراق أو أقلام، والتي تُعرض أولا على شخص ضابط الأمن الوطني المسؤول لتقييمها، وينتهي التقييم بالرفض غالبا.

  • الرعاية الصحية

بخصوص الرعاية الصحية، فقد امتازت السجون الجديدة بارتفاع جهوزية المنشآت الطبية وتكامليتها من حيث وجود عيادات، ومستشفيات، ومراكز تحاليل واشعات،..إلخ مقارنة بالسجون القديمة، إلا أن سياسة الرعاية الصحية وتقديمها للسجناء تُظهر أثرا محدودا، إن لم يكن منعدما. 

لا تُسجل إدارة السجن الحالة الصحية للسجناء عند دخولهم، ولا يسمح لهم بالمتابعة الدورية في العيادات أو زيارتها عند الحاجة، كما لا تتوفر الأدوية اللازمة للسجناء، ولا يتوفر فريق طبي في عيادة السجون بشكل مستمر للتعامل مع الحالات. كذلك تُرفَض طلبات السجناء للدخول إلى مستشفى السجن حتى في حالة الأمراض المزمنة والتي لا يرجى شفاؤها، وكذلك في حالات الطوارئ الطبية.

 وقد سجلت بعض الشكاوى والشهادات اضطرار بعض السجناء لدفع أموال للمنشآت الطبية بالسجون الجديدة في مقابل إجراء التحاليل الطبية لهم وتوفير الدواء بشكل مخالف للقانون. كذلك سُجلت بالفعل أعداد وفيات في سجون مختلفة نظرا لغياب الرعاية الصحية اللازمة والتقاعس عن تقديمها. وفي المقابل تتشدد إدارة السجون تجاه محاولات وطلبات أهل السجناء لإدخال العلاج للمحتجزين لتعويض هذه الفجوة. 

  • منظومة الرقابة

استحدثت السجون الجديدة أدوات جديدة للرقابة على السجناء وهي المراقبة الالكترونية عبر غرس كاميرات للمراقبة في كافة الغرف والعنابر والزنازين وحتى أماكن عقد الزيارات. تُستخدم هذه الكاميرات للرقابة على امتداد اليوم (24 ساعة) دون فاصل بين ليل أو نهار. نظريا من شأن هذه الكاميرات ضمان مزيد من الرقابة والمحاسبة للعاملين في السجون وكذلك على السجناء، بأقل قدر من الانتهاكات والإدعاء بها، لكن التطبيق العملي يكشف عن محدودية هذا الأثر.

 لضمان عمل الكاميرات طول الليل، تعمد إدارة السجن لإضاءة غرف السجناء بشكل مستمر بإضاءة عالية لرصد كافة التحركات طوال الليل. وقد سجل العديد من السجناء وذويهم تضررهم من هذه الممارسة، والتي لا تكفل لهم حق الخصوصية داخل غرفهم – نساء ورجال على حد سواء- ويزيد من الضغوط الصحية والنفسية التي يتعرض لها السجناء، خاصة في ظل عمل الإضاءة طوال الليل بشكل يحرمهم من النوم، وهو من العوامل التي تزيد من صعوبة الظروف المعيشية للسجناء، والعبء الصحي لاحتجازهم على هذا النحو. 

كذلك سجلوا شكاوى حول محدودية فعاليتها بالنظر لوقوع العديد من الوفيات نتاج الطوارئ الصحية والطبية بين صفوفهم داخل الغرف برغم تشغيل هذه الكاميرات على امتداد اليوم على مرأى ومسمع من إدارة السجن دون تدخل لإنقاذهم، وبرغم استخدامهم للمكيروفون للتواصل مع الإدارة والمراقبة للإبلاغ عن حالات الطواريء الصحية والتي يتم تجاهلها أو تعمد تأخير الاستجابة لها. 

وقد كان موضوع الرقابة الإلكترونية صحبة تسليط الإضاءة العالية على السجناء دون فاصل ولأيام طويلة لا يسعهم فيها الخروج من غرفهم أحد أسباب الإضرابات التي شهدتها السجون الجديدة، وأحد مطالب السجناء لتحسين أوضاعهم داخل هذه السجون. 

غير أن هذه المنظومة الحديثة للرقابة على السجناء، لم تلغ الاعتماد على المسيرين للرقابة والتجسس على السجناء في بعض السجون الجديدة على النحو الذي ورد بشأن سجن العاشر من رمضان – رجال، وسجن بدر 1.

  • الإجراءات التأديبية والعقابية

إزاء الصعوبات المعيشية التي تواجه السجناء وذويهم في السجون الجديدة، فقد عمد بعض منهم للإضراب في عدد من السجون الجديدة، مثل بدر 1 وبدر 3 ووادي النطرون. وإزاء هذه الإجراءات فقد عمدت إدارات السجون لاستخدام إجراءات تأديب مثل الحبس الانفرادي، وقطع المياه والكهرباء، واستخدام سياسة التجويع ومنع دخول الطعام، ومنع الأدوية عنهم، وغلق الكانتين، والتغريب بالنقل لسجون بعيدة، وأضيف لها مؤخرا زيادة كشافات الإضاءة العالية أثناء النوم ليلا. وفي بعض السجون التي تزداد الشهادات حول سوء المعاملة داخلها وتتنامي سمعتها السيئة مؤخرا مثل بدر 3، فيشكو السجناء من وجود أساليب تعذيب أخرى كالصعق الكهربائي، والضرب ردا على محاولاتهم للإضراب لتحسين أوضاعهم المعيشية. وهي إجراءات لا يتضمنها القانون ولائحته ولا تعديلاته الأخيرة لتأديب السجناء في حال تمردهم. 

  • التقاضي داخل السجون 

في ديسمبر 2021 أصدر وزير العدل قرار رقم 8901 لسنة 2021 الذي يسمح باستخدام التقنيات الرقمية في تجديد الحبس الاحتياطي. يسمح القرار للمحاكم الجنائية بعقد جلسات التجديد عبر تفعيل هذه الخاصية الإلكترونية “الفيديو كونفرانس” أثناء وجود المحتجز في سجنه، في الوقت الذي يتدخل كل من القاضي ووكلاء النيابة والمحامين أيضا عبر الشبكة التلفزيونية الخاصة لحضور هذه المحاكمات. 

أصبحت السجون الجديدة تعتمد على هذه الخاصية لنظر قضايا السجناء بها، أو إصدار قرارات تجديد الحبس، دون الحاجة لنقلهم إلى مقار المحاكم حيث يُجمَع المهتمين في غرف داخل السجن لحضور جلسة المحاكمة عبر خاصية الفيديو كونفرانس. وقد صاحب تفعيل هذه الآلية شكاوى من المتهمين ومحاميهم حول تقويض ضمانات المحاكمة العادلة، حيث لا يُسمَح للمتهم بالحديث بحرية نظرا لوجوده تحت سلطة وزارة الداخلية وإدارة السجن، سواء للإبلاغ عن شكاويه أو تقديم طلباته بشكل لا ترغب به إرادة السجن. 

كذلك لا يُسمَح للمتهم بالحديث على انفراد مع محاميه، إلا فيما ندر قُبيل كل جلسة محاكمة إن وجد لدى المتهم طلبات بعينها، إضافة للمشكلات التقنية الخاصة بعقد المحاكمات مثل قطع الكهرباء والاتصالات ما يؤثر على سير الجلسات. 

كما تخضع المحاكمة إجمالا لهيمنة وزارة الداخلية، حيث تمتلك إدارة السجن إمكانية طلب إلغاء جلسة المحاكمة الإلكترونية في حال ضعف خدمة الإنترنت أو الاتصال – دون إمكانية للتحقق من صدق هذا الطلب- وهو ما أدى في حالة كثير من السجناء لتأجيل جلسات محاكمتهم أما على سبيل التعنت، أو في بعض الأحيان للإفلات من المسؤولية في حال كان السجناء حديثي التعرض للتعذيب أو معاملة لا إنسانية صاحبها آثار على أجساد المتهمين مما يُسهل إثباتها أثناء جلسات المحاكمة. 

كما تسمح هذه الخاصية لجهات القضاء بالافتئات على حق المتهم في الدفاع -خاصة في القضايا السياسية- حيث ورد أن مع ظروف تجميع السجناء للمحاكمة في يوم ما، في غرفة واحدة، فيعمد القضاة لتقليل الوقت الممنوح للمتهمين للحديث، بشكل وصل في بعض التقديرات لمتوسط دقيقة لكل متهم ومتهمة بالنظر للتكدس داخل الغرفة الواحدة لنظر قضايا السجن بأكمله.

وقد سبق توثيق قيام المستشار وجدي عبد المنعم، رئيس الدائرة الثالثة جنايات إرهاب، بمقاطعة المحبوسين داخل سجن بدر 3 عند تحدثهم عن انتهاكات تعرضوا لها داخل محبسهم، والتشويش عليهم أثناء الحديث وحتى تجاهل ما تمكنوا من توضيحه بالفعل، وهو نمط متكرر عبر هذه الخاصية. كما سُجلت انتهاكات خاصة بالمحاكمات منها عدم تأكد القضاة من شخوص المتهمين قبل الشروع في جلسة المحاكمات عبر الفيديو كونفرانس، وقد اُستغَل ذلك ضد بعض المحتجزين ممن وُضعوا في غرفهم داخل محبسهم وحرموا من حضور جلسات المحاكمة. 

خاتمة:

سعى مرصد السجون الجديدة عبر شهادات وتوثيقات لأهل السجناء ومحاميهم لرسم صورة تقريبية للسجون الجديدة والكيفية التي تعمل بها، ومقدار التحسن في ظروف الاحتجاز للسجناء. وقد تمكن المرصد من تجميع شهادات عن خمس سجون جديدة فقط وهي، العاشر من رمضان- رجال، العاشر من رمضان – نساء، سجن بدر 1، وسجن بدر 3 وسجن وادي النطرون، من أصل 7 مجمعات سجون جديدة دخلت حيز العمل.

هدف هذا التقرير التجميعي لإلقاء الضوء على أبرز التغييرات التي لحقت بالمؤسسة العقابية “السجن” في مصر، والسمات التي شهدت استمرارا من تجارب السجون القديمة. ففي الوقت الذي شهدت البنية الإنشائية للسجون تحسنا نسبيا، فقد استمرت سياسات إدارة السجون دون تغيير خاصة في ظل اعتمادها على السلطات التقديرية لمصلحة السجون والأمن الوطني لإدارة المؤسسة العقابية، بعيدا عن نص القانون ولوائحه. سجلت السجون الجديدة بالفعل العديد من حالات الوفاة والإضراب، ومحاولات الانتحار من السجناء في ظل قسوة المعاملة والظروف المعيشية التي يلقونها داخل هذه السجون الجديدة، ويُعيد هذا التقرير الدعوة لإصلاح سياسة إدارة السجون دون الإكتفاء بالإصلاحات الإنشائية. 

ضع ردا