صفر الإخلاءات مجددًا: دوائر بلا دور سوى تجديد الحبس التلقائي.. تقرير رصدي حول أداء دوائر الإرهاب في مرحلة ما قبل المحاكمة خلال عام 2025

0

 

مقدمة
 تصدر الجبهة المصرية هذا التقرير الرصدي لمتابعة أداء دوائر الإرهاب في مرحلة ما قبل المحاكمة، ومراقبة عمل هذه الدوائر خلال جلسات نظر أوامر تجديد حبس المتهمين أمام غرفة المشورة، مع رصد قرارات تجديد الحبس وإخلاء السبيل خلال عام 2025.

يعتمد التقرير على القرارات الرسمية الصادرة عن هذه الدوائر، بالإضافة إلى تحليل الكشوفات الرسمية بأسماء المتهمين، والتي تمكنت وحدة الرصد والتوثيق في الجبهة المصرية من الحصول على نسخة منها. ومن ثم، جرى تحليل المعلومات الواردة فيها وإدخالها إلى قواعد البيانات.

يعرض التقرير الأرقام المرصودة خلال عام 2025 وتحليلها، كما يقارن أداء دوائر الإرهاب خلال الفترة بين عامي 2023 و2024 في مرحلة ما قبل المحاكمة. ويقدم تعليقًا على سياسة هذه الدوائر في التعامل مع القضايا المعروضة عليها، وأبرز الانتهاكات التي تعرض لها المحامون والمتهمون أثناء الجلسات.

كما يكشف التقرير عن التغييرات التي طرأت على صلاحيات دوائر الإرهاب، وسحب اختصاص إصدار قرارات إخلاء السبيل في قضايا أمن الدولة من القضاة، ومنحه إلى نيابة أمن الدولة العليا، مما أدى إلى تفريغ دور هذه الدوائر من مضمونه، وجعل دورها شكليًا فقط، وهو ما انعكس سلبًا على حقوق المتهمين والدفاع خلال جلسات تجديد الحبس.

أداء دوائر الإرهاب في مرحلة ما قبل المحاكمة خلال عام 2025
 بحسب رصد الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، توقفت دوائر الإرهاب تمامًا عن إصدار قرارات إخلاء سبيل في قضايا أمن الدولة طوال عام 2025. إذ نظرت دائرتا إرهاب في 78 جلسة ما لا يقل عن 21,802 قرارًا بتجديد الحبس، موزعة على 2,206 قضية أمن دولة، دون إصدار أي قرار بإخلاء سبيل أي متهم. بالإضافة إلى ذلك، لم تتمكن الجبهة من الحصول على بيانات المتهمين في ثماني جلسات خلال شهري سبتمبر وأكتوبر.

وعلى الرغم من توقف عمل لجنة العفو الرئاسي خلال العامين السابقين، فإن هذا التوقف لم يؤثر على طبيعة عمل دوائر الإرهاب، التي انتهجتها خلال الأعوام السابقة، والمتمثلة في التخلي عن أي مظهر من مظاهر الاستقلال القضائي في نظر قرارات تجديد الحبس، بعد أن كانت سابقًا تخلي سبيل بعض المتهمين، ولو بنسبة ضئيلة.

وقد أصبح هذا الدور بالكامل بيد النيابة العامة، بالتنسيق من الأجهزة الأمنية، وعلى رأسها جهاز الأمن الوطني الذي قام باعتقالهم في المقام الأول.

ونتيجة لذلك، تحولت هذه الدوائر، منذ أبريل 2022 ومع إعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي، إلى مجرد جهات تُضفي صيغة قانونية على قرارات الاعتقال التعسفي المطوَّل، من خلال إصدار قرارات تجديد حبس تلقائية. وتشمل هذه القرارات متهمين تم القبض عليهم بسبب ممارستهم حقهم في التنظيم، والتجمع السلمي، والتعبير عن الرأي، بمن فيهم من تجاوزوا المدة القانونية للحبس الاحتياطي.

 

إخلاءات السبيل من دوائر الإرهاب منذ 2020 مقارنة بالـ إخلاءات منذ تفعيل لجنة العفو في أبريل 2022 حتى نهاية 2025

مقارنة بين أعداد ونسب إخلاءات السبيل خلال الأعوام من 2020-2025

أداء دوائر الإرهاب ونسب إخلاءات السبيل مقارنة بقرارات تجديد الحبس أمامها خلال عام 2025

نظرة مفصلة على قرارات دوائر الإرهاب خلال عام 2025

أولًا: نظرة على التغيرات التي طرأت على دوائر الإرهاب خلال العامين السابقين

نتيجةً لإقرار القانون رقم 1 لسنة 2024 بتعديل قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، والذي أضاف مواد لتنظيم استئناف الجنايات وتحديد دوائر مختصة داخل محاكم الجنايات تكون دوائر استئنافية، تم تحديد الدائرة الثانية جنايات إرهاب، برئاسة المستشار حمادة الصاوي (النائب العام الأسبق)، وعضوية كل من المستشار محمد محمد عمار والمستشار علي حسن عمارة، لتكون دائرة استئناف جنايات الإرهاب، ومقرها محكمة بدر. وعليه، توقفت الدائرة عن نظر تجديدات الحبس الاحتياطي بتاريخ 6 أبريل 2024.

ليصبح بذلك عدد دوائر الإرهاب ثلاث دوائر: دائرتان جنايات أول درجة؛ الأولى برئاسة المستشار محمد السعيد الشربيني، والثانية برئاسة المستشار وجدي عبد المنعم، ودائرة استئناف برئاسة المستشار حمادة الصاوي.

ثانيًا: نظرة على قرارات الدوائر
 كان النصيب الأكبر من قرارات تجديد الحبس خلال العام للدائرة الأولى، حيث عقدت الدائرة برئاسة المستشار محمد السعيد الشربيني، وعضوية كل من غريب محمد عزت غريب ومحمود عبد المنعم زيدان، 39 جلسة على مدار عام 2025، نظرت خلالها في أوامر حبس 17,032 متهمًا على الأقل، موزعين على 1,025 قضية، وأصدرت قراراتها خلال جميع الجلسات باستمرار حبس جميع المتهمين.

أما الدائرة الثانية، برئاسة المستشار وجدي عبد المنعم، وعضوية كل من وائل محمد عمران ومحمد نبيل عبد الرحمن، فقد عقدت 39 جلسة على مدار الأشهر الثلاثة الأولى من العام، نظرت خلالها في أوامر حبس 11,070 متهمًا على الأقل، موزعين على 1,181 قضية، ولم تصدر أي قرارات بإخلاء السبيل، إذ قررت تجديد حبس جميع المتهمين.

قرارات دوائر الإرهاب في مرحلة ما قبل المحاكمة على مدار عام 2025 بالشهور

ثانيًا: أبرز انتهاكات دوائر الإرهاب خلال عام 2025

التوقف التام عن إصدار قرارات بإخلاء السبيل
 وفقًا لرصد الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، توقفت دوائر الإرهاب تمامًا عن إصدار أي قرارات بإخلاء السبيل خلال عام 2025، حيث تبنّت نهج التجديد التلقائي للحبس الاحتياطي دون النظر إلى الظروف الخاصة بكل متهم. واقتصر إصدار قرارات إخلاء السبيل على نيابة أمن الدولة، لا سيما بعد إعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي، مما جعل دور دوائر الإرهاب شكليًا، مقتصرًا على إضفاء غطاء قانوني على استمرار الاحتجاز.

التجاهل المستمر لشكاوى المتهمين بشأن أوضاع احتجازهم
 رصدت الجبهة المصرية استمرار دوائر الإرهاب في إهدار حقوق المتهمين أثناء جلسات تجديد الحبس باستخدام تقنية الفيديو كونفرنس، حيث حُرم المتهمون من التواصل المباشر مع القضاة أو مع محاميهم دون حواجز. كما اضطروا لحضور جلسات التجديد من أماكن احتجازهم، رغم تقديمهم شكاوى متكررة بشأن سوء أوضاع السجون، وهو ما لم تتفاعل معه المحكمة بأي شكل.

كما أكّد محامون للجبهة المصرية أن الدوائر لم تستجب لمطالب النظر في الحالات الصحية للمتهمين، سواء من المرضى أو كبار السن، واستخدمت تقنية الفيديو كونفرنس كوسيلة للتضييق على المتهمين ومنعهم من التعبير عن معاناتهم داخل أماكن الاحتجاز.

وتحدثت السيدة سوزان محمد سليمان محمود، البالغة من العمر 69 عامًا، أمام الدائرة الأولى عن تدهور حالتها الصحية نتيجة أوضاع الاحتجاز، وما تعانيه من تفاقم في الأمراض، واصفةً حالتها بأنها أصبحت أقرب إلى الموت منها إلى الحياة. وعلى الرغم من تقديم هيئة الدفاع طلبات متكررة لإخلاء سبيلها نظرًا لظروفها الصحية الحرجة، فقد تجاهلت المحكمة هذه الطلبات، وقررت الاستمرار في حبسها.

قطع البث خلال جلسات التجديد لمنع المتهمين من الحديث
 في 16 جلسة، قام المستشار غريب محمد عزت، عضو يمين الدائرة الأولى، بقطع الاتصال عن المحبوسين أثناء حديثهم عبر تقنية الفيديو كونفرنس دون إبداء أي أسباب، كما لم يُسمح للمحامين برؤيتهم أو التواصل معهم.

وفي جلسة 6 يناير، أفاد المحامون بأن إدارة الجلسة كانت سيئة، ولم يكن هناك أي تواصل بين المحامين والمتهمين، مما أدى إلى حدوث مشادة بين المحامين وهيئة المحكمة للمطالبة بالسماح بالتواصل مع المتهمين.

وفي جلسة 22 يناير، اعترض شريف الروبي على استمرار حبسه وتدهور حالته الصحية، وقال لرئيس الدائرة، معبرًا عن غضبه: «أنت مالكش لازمة»، فقام القاضي بقطع الصوت عنه.

وخلال 22 جلسة عقدها القاضي وجدي عبد المنعم على مدار العام، تم إغلاق الصوت بشكل كامل على المتهمين، ومنع المحامين من التواصل معهم أو تقديم دفوعهم، بما حوّل إجراءات تجديد الحبس إلى إجراء إداري روتيني يفتقر إلى أي رقابة قانونية فعلية.

وفي جلسة 13 يناير، أثبت المحتجزون بسجن العاشر (6) امتناعهم عن استلام التعيين وإضرابهم عن الطعام، كما أداروا ظهورهم لشاشة الفيديو كونفرنس أثناء الجلسة احتجاجًا على استمرار حبسهم. إلا أن المحكمة، بدلًا من اتخاذ إجراء قانوني للتحقيق في أسباب الإضراب أو تكليف النيابة العامة بذلك، قامت بقطع الاتصال.

وفي جلسة 14 يناير، قام رئيس الدائرة بقطع الصوت عن المهندس يحيى حسين عبد الهادي أثناء محاولته التحدث مع محاميه للاطمئنان على حالته، وذلك عقب طلب الدفاع تمكينهم من التواصل معه. وقد تكرر هذا السلوك لاحقًا من قبل القاضي غريب علي خلال جلسة 21 مايو، حيث تم قطع الاتصال عن المهندس يحيى حسين أثناء حديثه مع دفاعه بشأن تدهور حالته الصحية وتردده المتكرر على مستشفى السجن.

وقد تكرر هذا النهج من قبل الدائرتين 38 مرة خلال العام، في تجاهل واضح لأحكام القانون، وإهدار لحق الدفاع، وحرمان المحتجزين من التواصل مع محاميهم.

استمرار تجديد حبس المتهمين رغم انتهاء مدد الحبس القانونية
 في جلسة 28 يناير، وأثناء بدء نظر الجلسة مع المحتجزين بسجن العاشر (6)، قام عدد من المتهمين برفع أحذيتهم في مواجهة القاضي وجدي عبد المنعم، تعبيرًا عن احتجاجهم على استمرار حبسهم دون مسوغ قانوني. وعلى إثر ذلك، قرر القاضي رفع الجلسة ومنع المحامين من الترافع أو تقديم دفوعهم.

ويعكس هذا المشهد حالة متصاعدة من الاحتقان داخل أماكن الاحتجاز، نتيجة استمرار الحبس المطول دون مراجعة قضائية جدية أو فعالة. كما يكشف رد فعل المحكمة عن نهج يُغلّب الطابع العقابي على الدور القضائي، إذ تم التعامل مع الاحتجاج بوصفه سلوكًا يستوجب إنهاء الجلسة، بدلًا من اعتباره مؤشرًا يستدعي التحقق من أوضاع المحتجزين وظروف احتجازهم.

تجديد الحبس رغم عدم حضور المتهمين
 في جلسة 18 يونيو، أصدرت الدائرة الثانية برئاسة القاضي وجدي عبد المنعم قرارات بتجديد حبس المتهمين بشكل تلقائي، رغم انقطاع الاتصال داخل المحكمة لأسباب تقنية، بما حال دون حضورهم الفعلي أو تواصلهم مع المحكمة.

كما أكد محامون بالجبهة المصرية أن المحتجزين يتم إخراجهم من عنابرهم منذ ساعات الصباح الباكر، ويُتركون لفترات طويلة داخل قاعة التجديدات دون طعام أو شراب إلى حين بدء الجلسات، وهو ما أدى إلى وقوع حالات إغماء متكررة بينهم.

وفي السياق ذاته، أفاد دفاع الصحفيين أحمد سراج وأشرف عمر، والناشط السياسي شريف الروبي، بأن الدوائر قامت في أكثر من مناسبة بتجديد حبسهم رغم عدم ظهورهم على شاشة العرض، وذلك على الرغم من طلب الدفاع تأجيل نظر الجلسات لحين حضورهم والاطمئنان عليهم، إلا أن هذه الطلبات قوبلت بالرفض.

ووفقًا لما أورده محامون، شهدت جلسة 12 يوليو انقطاع التيار الكهربائي داخل المحكمة، ما أدى إلى توقف جلسة التجديد. ورغم عودة التيار بعد نحو نصف ساعة، تجاهل القاضي استئناف الجلسة بحضور المحامين، وأصدر قرارات بتجديد حبس جميع المتهمين بشكل تلقائي، في غياب أي إجراءات تضمن حضورهم أو تمكين الدفاع من أداء دوره.

إجراء جلسات التجديد في قاعة غير مناسبة للمحكمة والدفاع
 أفاد محامون للجبهة بأن قاعة غرفة المشورة بمحكمة جنايات بدر ضيقة للغاية ولا تتسع للقضاة والمحامين، مما يضطر بعض المحامين للبقاء خارج غرفة المداولة، وهو ما يحدّ من قدرتهم على تقديم دفوعهم بفعالية.

وأشار المحامون إلى أن القاضي يعقد جلسات التجديد وفق ترتيب جغرافي مرتبط بمكان احتجاز المتهمين، بحيث يتم نظر جميع المتهمين المحتجزين في سجن معين في جلسة واحدة، مما يؤدي إلى اكتظاظ القاعة بشكل كبير، ويعوق سير الإجراءات بشكل عادل.

كما استمرت الدائرة الأولى في مباشرة جلسات التجديد على مدار العام بعضوين فقط، حيث كان عضو اليمين، غريب محمد عزت، يدير الجلسات منفردًا في ظل غياب رئيس الدائرة، المستشار محمد السعيد الشربيني، الذي كان يوقّع لاحقًا على قرارات الحبس. وقد رصدت الجبهة المصرية حضور رئيس الدائرة جلستين فقط خلال العام.

خاتمة
 على الرغم من توقف لجنة العفو عن أداء دورها خلال العامين الماضيين، وهو ما كان يُعزى إليه سابقًا تراجع دوائر الإرهاب في إصدار قرارات إخلاء السبيل، فإن استمرار هذه الدوائر في انتهاج النهج ذاته يكشف عن قدر من الرضا أو التواطؤ في الامتناع التام عن إصدار مثل هذه القرارات. فبعد مرور أكثر من عامين على توقف عمل اللجنة، لم تصدر دوائر الإرهاب قرار إخلاء سبيل واحد، الأمر الذي حوّل هذه الدوائر إلى أداة شكلية لتجديد الحبس بشكل تلقائي، دون فحص جدي لملفات المتهمين أو حتى ضمان حضورهم الجلسات.

وعلى الرغم من استمرار الانتهاكات الممنهجة التي ترتكبها هذه الدوائر، لا توجد أي مؤشرات على تحسن محتمل في أدائها. فقد باتت قراراتها تتعارض بشكل صارخ مع مبدأ افتراض البراءة، بما يؤكد أنها تُستخدم كأداة لإضفاء طابع قانوني على الاحتجاز التعسفي، دون اعتبار لحقوق المتهمين أو للضمانات القانونية الواجبة.

 

اترك تعليقاً