تصدر محكمة جنح القاهرة الجديدة غدًا حكمها في القضية رقم 4894 لسنة 2026، والمتهم فيها الكاتب والناشط السياسي أحمد دومة بتهمة نشر أخبار كاذبة. ويأتي ذلك بعد احتجازه لما يقرب من شهرين، خضع خلالهما للتحقيق على خلفية كتاباته وآرائه السياسية، فضلًا عن تناوله أوضاع الاحتجاز والسجون في مصر.
تُعد هذه القضية جزءًا من نمط مستمر من الملاحقات القضائية ذات الدوافع السياسية التي تستهدف دومة بسبب ممارسته السلمية لحقه في حرية الرأي والتعبير. فمنذ الإفراج عنه بموجب عفو رئاسي في أغسطس 2023، أُحيل دومة إلى سبع قضايا مختلفة تضمنت اتهامات متشابهة، قبل أن يُخلى سبيله فيها لاحقًا.
وترى الجبهة المصرية لحقوق الإنسان أن الاتهامات الموجهة إلى أحمد دومة ترتبط بشكل مباشر بممارسته المشروعة لحقه في التعبير عن آرائه ونقد السياسات العامة، وهو حق يكفله الدستور المصري والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
وتطالب الجبهة السلطات المصرية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن أحمد دومة، وإسقاط جميع الاتهامات ذات الطابع السياسي الموجهة إليه. كما تؤكد أن أي حكم يقضي بسجنه في هذه القضية سيمثل انتهاكًا صارخًا لحرية الرأي والتعبير، واستمرارًا لاستخدام التشريعات الجنائية كأداة لمعاقبة الأصوات المعارضة السلمية وترهيب المنتقدين، بما يسهم في تكريس مناخ من الخوف وتقويض المجال العام وحقوق المواطنين في التعبير والمشاركة في الشأن العام.
أولًا: خلفية حول واقعة القضية
في السادس من أبريل 2026، أُلقي القبض على أحمد سعد دومة من داخل مقر نيابة أمن الدولة العليا، عقب انتهاء التحقيق معه في القضية رقم 4894 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا. وقد قررت النيابة حبسه لمدة أربعة أيام على ذمة التحقيقات.
وكان دومة قد تلقى استدعاءً من نيابة أمن الدولة العليا بتاريخ 2 أبريل 2026 للمثول أمامها في 6 أبريل 2026. وتركزت التحقيقات حول نشره منشور وكتابته مقالًا على موقع “العربي الجديد” بعنوان: (من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن)، والمنشور بتاريخ 25 مارس 2026.
وتناول المقال انتقاد أوضاع الاحتجاز داخل السجون، لا سيما استمرار الإضاءة داخل الزنازين على مدار اليوم، وما يترتب على ذلك من آثار نفسية وجسدية على المحتجزين، معتبرًا أن تلك الممارسات تمثل شكلًا من أشكال التعذيب الممنهج.
ثانيًا: قائمة الاتهامات الواردة في قرار الإحالة
قيدت نيابة القاهرة الجديدة أوراق القضية باعتبارها جنحة مؤثمة بالمادتين 80 (د) و102 مكرر من قانون العقوبات، على أساس أنه في غضون الفترة من 25 مارس 2026 وحتى تاريخ إحالة القضية، أذاع عمدًا بالداخل والخارج أخبارًا كاذبة حول الأوضاع الداخلية للبلاد.
وجاء في أوراق القضية أنه نشر بتاريخ 25 مارس 2026 مقالًا بعنوان: (من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن) عبر موقع “العربي الجديد” الإلكتروني، وأعاد نشره بتاريخ 28 مارس 2026 عبر حسابه الشخصي على منصة “سبستاك”، كما روّج له عبر نشر الرابط على حسابه بموقع “فيسبوك” بتاريخ 28 مارس 2026، والذي تضمن – بحسب ما ورد بأوراق القضية – أخبارًا كاذبة، من بينها ادعاؤه ترهيب مؤسسات الدولة لمواطنيها، والتنكيل ببعضهم، واستخدام مراكز الإصلاح والتأهيل كأداة في ذلك.
ثانيًا: أذاع عمدًا بالداخل والخارج أخبارًا كاذبة حول الأوضاع الداخلية للبلاد، بأن نشر بتاريخ 29 مارس 2026 عبر حسابه الشخصي على موقع “فيسبوك” منشورًا تضمن – بحسب الاتهامات – خبرًا كاذبًا ادعى فيه تعرض المودعين بمراكز الإصلاح والتأهيل في البلاد للتعذيب من قبل القائمين عليها.
التسلسل الزمني للقضية
- استدعاء نيابة أمن الدولة: 2 أبريل
- التحقيق والقبض: 6 أبريل
- الإحالة: 27 أبريل
- الجلسة الأولى: 29 أبريل
- الجلسة الثانية: 13 مايو
- جلسة الحكم: 3 يونيو
ثالثًا: انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة
شهدت جلسات المحاكمة تواجدًا أمنيًا مكثفًا داخل المحكمة وداخل قاعة الجلسة، حيث قامت قوات الأمن بتسجيل بيانات جميع الحاضرين بالمحكمة، كما مارست تضييقات على المحامين الحاضرين، وقامت بإخراج جميع المتواجدين داخل قاعة المحكمة باستثناء هيئة الدفاع، فضلًا عن التحفظ على كارنيهات المحامين بزعم إثبات الحضور.
كما مُنعت عائلة أحمد دومة من حضور جلسات المحاكمة، بما يمثل انتهاكًا لمبدأ علانية الجلسات، وهو أحد الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، والذي يقتضي تمكين الجمهور وأقارب المتهم من حضور المحاكمة، إلا في أضيق الحدود ووفق مبررات قانونية واضحة ومعلنة.
وخلال الجلسات، طلب الدفاع التأجيل للاطلاع على أوراق القضية وإعداد دفاعه، إلا أن المحكمة رفضت الطلب وأصرت على سماع مرافعة النيابة العامة قبل تمكين الدفاع من الاطلاع الكامل على ملف القضية. وقد اعترض الدفاع على ذلك، مؤكدًا أن مباشرة النيابة لمرافعتها في ظل عدم إطلاع الدفاع على أوراق الدعوى يُخل بمبدأ المساواة بين طرفي الخصومة، وينتهك حق المتهم في إعداد دفاعه إعدادًا كافيًا وفعالًا.
ورغم اعتراض الدفاع، أصرت المحكمة على موقفها، وسمحت للنيابة بالمرافعة، والتي استخدمت خلال مرافعتها عبارات وتوصيفات تجاوزت ما ورد بأمر الإحالة، من بينها اتهام أحمد دومة بـ“الخيانة”، الأمر الذي أثار اعتراض هيئة الدفاع، باعتبار أن تلك العبارات تنطوي على مساس بقرينة البراءة وتجاوز لنطاق الاتهامات الواردة رسميًا بأوراق الدعوى.
كما رفضت المحكمة تمكين الدفاع من الحصول على صور من أوراق القضية، واكتفت بالسماح لهم بالاطلاع عليها فقط، وهو ما قيد بصورة جوهرية قدرة الدفاع على دراسة ملف القضية وإعداد دفوعه بشكل مناسب، بالمخالفة للضمانات الأساسية لحق الدفاع والمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، التي تكفل للمتهم ومحاميه الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع.
الخاتمة
تعكس هذه القضية استمرار النهج القائم على استهداف المعارضين والنشطاء السياسيين والحقوقيين بسبب آرائهم السلمية وممارستهم لحقهم في حرية التعبير، في سياق يتسم بتضييق متزايد على المجال العام وفرض قيود أمنية وقضائية تحد من حرية الرأي والتعبير والعمل العام في مصر.
كما تكشف الانتهاكات التي شابت إجراءات التحقيق والمحاكمة عن نمط من الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك تقييد حق الدفاع، والحد من علانية الجلسات، والتوسع في الملاحقات المرتبطة بالتعبير السلمي عن الرأي.
كما أن استمرار ملاحقة أحمد دومة على خلفية كتاباته وآرائه يمثل انتهاكًا لالتزامات مصر الدستورية والدولية المتعلقة بحماية حرية التعبير وضمان الحق في محاكمة عادلة، ويؤكد الحاجة الملحة إلى وقف استخدام القوانين الجنائية وأجهزة العدالة كأدوات لتقييد العمل العام وإسكات الأصوات المنتقدة.

