إخضاع القضاء للاختيار والتدريب العسكري: مزيد من عسكرة الدولة وانتهاك للمتبقي من استقلال القضاء في مصر

0

تٌندد الجبهة المصرية لحقوق الإنسان بالطرح الذي قدمته السلطة التنفيذية مؤخرا لإسناد اختيار وتعيين وكلاء النيابة إلى الأكاديمية العسكرية بدلا من هيئة التفتيش القضائي والمكاتب القضائية المختصة بالتعيينات، وتْطالب بإنهاء الهيمنة التنفيذية الواقعة بالفعل على تعيينات القضاة منذ ثلاث سنوات، والتي تُلزم القضاة بالحصول على دورات في الأكاديمية العسكرية لإتمام تعيينهم. وكلها خطوات تدفع في اتجاه تقويض استقلالية القضاء وحياديته بما يؤثر على ثقة المواطنين في نزاهته وسبلهم في الإنصاف والعدالة.

مع قرب الإعلان عن تعيينات دفعة 2024 لوكلاء النيابة واعتمادها من رئيس الجمهورية، أطلعت رئاسة الجمهورية ممثلي الجهات القضائية عن قرارها المستقبلي بإحالة شؤون التعيين والترقية للأكاديمية العسكرية بالكلية بدلا من تولي هيئة التفتيش القضائي ومكتب تعيين القضاة التابع للنائب العام لهذه المهمة. وعلى أثر ذلك الإعلام أعلنت الجماعة القضائية عن اعتراضها عبر نادي قضاة مصر، وانعقاده الدائم لنظر هذا التحدي الجسيم، والدعوة لجمعية عمومية طارئة بتاريخ 6 فبراير 2026 لبحث هذه الأزمة والتعامل معها والتي تُهدد استقلال القضاء المصري.

يأتي عزم رئاسة الجمهورية لإسناد شأن داخلي للقضاء مثل التعيين والترقية إلى الأكاديمية العسكرية كاستمرار لمسيرة السلطة التنفيذية لتقويض استقلال القضاء والتي بدأت منذ عام 2015 لضمان توافق السلطة القضائية مع توجهات السلطة التنفيذية. كانت أولى محاولات التقويض في عام 2017 بإصدار تعديلات لقانون تنظيم السلطة القضائية والتي أعادت هيكلة العلاقة بين السلطتين القضائية والتنفيذية لصالح هيمنة الأخيرة. تضمنت التعديلات استحداث مجلس أعلى للقضاء برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية رؤساء الجهات والهيئات القضائية، وهو المجلس الذي يتولى النظر في شؤون التعيين والترقية والندب للقضاة، وهو ما يعني خضوع رؤساء الجهات القضائية لمساءلة رئيس الجمهورية مباشرة.

كذلك شملت تعديلات القانون طريقة اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية: وهي مجلس الدولة، والنيابة الإدارية، وهيئة قضايا الدولة، والنيابة العامة، بإعطاء دورا لرئيس الجمهورية فيها، عبر اختياره عضوا من المرشحين الذين تطرحهم هذه الهيئات لشغل رئاستها، بعد ما كان الاختيار محكوما بمبدأ الأقدمية المطلقة. أدى ذلك التعديل لتهميش دور الجمعيات العمومية القضائية، والتي كانت تعمل على تحضير أسماء مرشحين لرئاستها بناء على فرز طبيعي ذاتي تقوم به الجماعة القضائية داخل كل جهة وهيئة. ولم تُصاحَب هذه الصلاحية الجديدة لرئيس الجمهورية بتحديد معيار اختيار رئيس الجهة القضائية من ضمن الأسماء المطروحة، والذي يعني عمليا خضوع الاختيار لمحددات الولاء للسلطة التنفيذية والمكافأة على تماهيهم مع الخط السياسي في عملهم القضائي.

وفي سعي للاعتراض على هذه التعديلات، طعن بعض أفراد الهيئات والجهات القضائية أمام المحكمة الدستورية استنادا لتنافي هذه التعديلات مع نصوص الدستور الضامنة لاستقلال القضاء وحياديته. وللالتفاف على هذه المحاولة، قامت السلطة التنفيذية بتحصين هذه الترتيبات الجديدة دستوريا عبر تعديل الدستور المصري في عام 2019، ليُصبح تدخل رئيس الجمهورية في تعيينات رؤساء الجهات القضائية نصا دستوريا -المادة 185- والذي شمل التأكيد على أن يكون أي قرار صادر عن المجلس في شؤون التعيين والندب والنقل للقضاة  بالأغلبية شرط أن يكون منها رئيس المجلس/ أي رئيس الجمهورية. كما شملت التعديلات الدستورية التدخل كذلك في اختيار رئيس المحكمة الدستورية العليا من ضمن خمس أسماء تطرحها الجمعية العمومية للمحكمة الدستورية، وفقا للمادة 195. ووفقا للمادة 190 المعدلة في 2019، فقد تم تقليص اختصاصات مجلس الدولة بما يمنع المجلس من الرقابة على أعمال الحكومة على أثر وقائع حاد فيها المجلس في أحكامه عن توجه السلطة التنفيذية في قضايا حكم فيها بعدم شرعية قرارات السلطة التنفيذية سواء في نطاق الحرب على الإرهاب أو رفض قرار السلطة التنفيذية بالتنازل عن السيادة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير.

وفي عام 2023، أصدر رئيس مجلس الوزراء قرارا يُلزم القضاء -ضمن جهات الدولة الأخرى- بأن يجتاز المعيّنين الجدد دورات تدريبية بالأكاديمية العسكرية، والتي تشمل اختبارات بدنية ورياضية يخضع لها الملتحقون بالخدمة والوظائف العسكرية، وتشمل كذلك مقررات عن حروب الجيل الرابع والخامس. وبرغم اعتراض القضاة على هذا الشرط الجديد، إلا أنهم تراجعوا عنه لاحقا ظنا بأن هذا الشرط تكميلي فقط. وفي يناير 2026 أعربت السلطة التنفيذية لجهات القضاء عن نيتها البدء في تفعيل سياسة إسناد شؤون التعيين والترقية، والتدريب واختبارات ومقابلات القبول للمناصب القضائية إلى الأكاديمية العسكرية بالكلية دون تدخل من القضاء بداية من عام 2027.

وتُعد سياسة التعيين المنتظرة، تكملة لمحاولات زحف السلطة التنفيذية والعسكرية – وفقا لسياسة التعيين المطروحة- على القضاء الحادثة بالفعل، حيث شملت تعيينات الدفعة محل الخلاف الحالي نسبة 30% من أبناء القيادات العسكرية. وقد عبر المجلس الأعلى للقضاة في وقت سابق من بداية هذه الأزمة عن عدم مسؤوليته عن أي تغيير بكشوف التعيينات، في إشارة لعدم تورطه في الترتيب الجديد الذي ترغب به مؤسسة الرئاسة، إضافة لما تواتر عن محاولة المجلس لوقف أثر القرار المنتظر لكي لا يشمل بأثر رجعي دفعات قضائية سابقة ونقض أسس تعيينها. ووفقا لسياسة التعيين المقترحة، فمن شأن الأكاديمية العسكرية تولي مهام استقبال طلبات التقديم، وإجراء اختبارات التقييم المختلفة، وتولي التدريبات الإلزامية لهم. كما كان من المقترح أن يشمل القرار إلغاء سلطة المجلس الأعلى للقضاء على تعيين أعضاء الجهات والهيئات القضائية، وإلغاء إدارة التعيينات بمكتب النائب العام.

يطرح محتوى الدورات أسئلة حول علاقة هذه الدورات ومحتواها بالمهام المطلوبة من المعيّنين كما في الوظائف القضائية، ويُعد تزّيدّا في شروط التعيين المحددة في قانون تنظيم السلطة القضائية، وتُعد تعقيدا إضافيا لشروط التعيين الحالية الإشكالية بالفعل والتي تلي النجاح في الاختبار ومقابلة التعيين، وهي موافقة الأمن السياسي ممثلا في جهاز الأمن الوطني على تعيين الشخص، وهو قرار يرتبط بمحددات سياسية وطبقية.

وبعد أيام من التعتيم الإعلامي والتشويه على اعتراض ومطالب القضاة، أعلن المجلس الأعلى للقضاء عن انفراجة في هذه الأزمة على إثر مفاوضات قادها المجلس الأعلى للقضاء مع القضاة ونادي قضاة مصر في القاهرة والأقاليم من جهة، ومؤسسة الرئاسة من جهة أخرى، وبالتبعية تعليق عقد الجمعية العمومية الطارئة، حيث أعلن المجلس الأعلى للقضاء عن بقاء سلطة التعيين في يده، “وهو ما يتوافق مع توجهات رئيس الجمهورية باعتباره رئيس المجلس الأعلى للقضاء” لضمان استقلال القضاء.

لا يدفع الإعلان عن الانفراجة في هذه الأزمة ونجاح مفاوضات القضاة في بقاء سلطة التعيين في يد المجلس الأعلى للقضاء للتفاؤل، حيث تبقى حقيقية رئاسة المجلس لرئيس الجمهورية، والتي تحمل احتمالات قوية باستمرار الرئيس في التدخل في صياغة مسائل التعيينات والترقيات بفعل توازن القوى الفعلي لصالحه. كذلك لا تنفي هذه الانفراجة واقع سياسة التعيين الحالية، والتي تٌلزم المعينين بالنجاح في دورات الأكاديمية العسكرية لضمان سريان قرار التعيين، حيث يُستبعد القضاة والخريجين الذي يفشلون في اجتياز الدورة أو يؤجل تعيينهم إلى حين. كذلك لم يلبث الإعلان عن نهاية الأزمة أياما قليلة حتى أعلن رئيس الجمهورية عن  المضي قدما في تلقي القضاة لتدريبات الأكاديمية العسكرية كغيرهم من مؤسسات الدولة، مع التأكيد على امتثال الأكاديمية العسكرية “لمعايير دقيقة في الانتقاء والتقييم” في إشارة لتولي الأكاديمية لعملية الاختيار والتقييم وهو ما يفتح الباب مستقبلا لعودة هذا الطرح. وتزداد فرص هذا السيناريو في ظل ما تضمنته المفاوضات بين القضاة والرئاسة من إبقاء الوضع على ما هو عليه، وترك المسألة للمستقبل لتٌحال للبرلمان للمناقشة والإقرار.

لذلك ترفض الجبهة المصرية هذا التوجه -برغم توقفه مرحليا- وتٌحذر من محاولة طرحه مجددا في المستقبل والذي سيأتي على ما تبقى من استقلال وحيادية السلطة القضائية في مصر، ويهدم ما استقرت عليها التقاليد القضائية في مصر من اختصاص القضاء بإدارة شؤونه عبر أندية القضاة والجمعيات العمومية للجهات القضائية والتي كانت قادرة على فرز قيادات طبيعية داخل المؤسسة لتصعيدها، ويمثل هدرا لتقاليد التعيين والاختيار التي استقر عليها القضاء لسنوات.

وفي السياق ذاته، وفي سبيل استعادة استقلالية القضاء وحياديته، تُطالب الجبهة المصرية بإيقاف تدخل الأكاديمية العسكرية بالكلية في عملية تعيين القضاة وتدريبهم واشتراط حصولهم على تدريب الأكاديمية للتعيين في وظائفهم على النحو الذي بدأ منذ عام 2023، وفتح الباب أمام تطلع السلطة الأخير باستبعاد المؤسسات القضائية الداخلية من عملية اختيار وتدريب أفرادها. وكذلك تٌطالب البرلمان بالتدخل عبر إعمال أدواته الرقابية سواء كانت في شكل مناقشة، أو استجواب أو طلب إحاطة أو سؤال لمعرفة دواعي مثل هذا القرار، ومآلاته بالنسبة لاستقلالية القضاء المصرى وحياديته، والتي تمس المواطنين كافة. وتٌطالب الجبهة المصرية البرلمان المصري بعدم التورط في أي محاولة مستقبلية لتقنين مسؤولية الأكاديمية العسكرية عن عملية اختيار وتدريب القضاة بإصدار قانون لصالح ذلك الاتجاه، باستغلال تكوين البرلمان الحالي الموالي للأجهزة الأمنية، وهو السيناريو الذي أٌلمح له أثناء عملية التفاوض بين القضاة وبين مؤسسة الرئاسة في سبيل احتواء غضب القضاة بالدعوة لترك الأمر لدراسته وإقراره في البرلمان لاحقا. وتُطالب الجبهة أندية القضاة باستمرار المطالبة باستعادة صلاحية السلطة القضائية في القيام على شؤونها واستمرار أنشطتها التي كفلت فرز طبيعي لقيادات القضاة لسنوات.

اترك تعليقاً