يتجدد الحديث عن الإشراف القضائي في ظل عقد الانتخابات الحالية وفي ظل ما يُفترض أن يكون نهاية الإشراف القضائي التقليدي على صناديق الانتخابات -عام 2024- وتولي الهيئة العليا للانتخابات الإشراف عليها بالكلية وفقا لنص الدستور. يبقى الإشراف القضائي أحد أهم الضمانات التي تتمسك بها القوى السياسية والحزبية لضمان نزاهة الانتخابات والتنافس الحر فيها وتعبير النتائج النهائية عن إرادة الناخبين في ظل ضعف المقومات الأخرى. وقد كان لكفاءة القضاة في إدارة الانتخابات البرلمانية في عامي 2000 و2005 وفقا لاعتبارات النزاهة والاستقلالية دورا في تعزيز وعي القوى السياسية والمدنية بأهمية دور القضاء من ذلك الحين فصاعدا في إجراء الانتخابات، كضمانة لتقليل محاولات التزوير والانتهاك، وهو ما ترك أثره بالطبع على نتائج هذه الانتخابات، من تزايد الأصوات المعارضة في البرلمان للحزب الوطني.
تتتبع هذا الورقة مسار قضية الإشراف القضائي على الانتخابات في مصر وتحولاتها الممتدة بوصفها إحدى القضايا التي تجاوزت كونها مجرد ترتيبات فنية لتنظيم الاقتراع، لتصبح ساحة صراع دستوري وقانوني وسياسي بين السلطات، ومجالا لإعادة تأويل مفهوم «الإشراف القضائي» ذاته، وحدود دور «الهيئات القضائية» في إدارة العملية الانتخابية. ينطلق المقال من أن الإشراف القضائي لم يكن تطورا إداريا محضا، بل أصبح عملية مركبة تتداخل فيها اعتبارات الشرعية الدستورية وتوازنات السلطة وأدوات الهيمنة التنفيذية، بحيث شكل كل تحول في نظام الإشراف إعادة صياغة لحدود هيمنة السلطة التنفيذية على عملية إنشاء الهيئة التشريعية.
وتخلص الورقة إلى أن هذا المسار—الذي بدأ بمحاولات بتهميش كامل للدور القضائي، الذي بلغ ذروة دوره مع حكم المحكمة الدستورية العليا عام 2000 بترسيخ مبدأ «قاضٍ لكل صندوق»، قبل أن يشهد تراجعا بعد دستور 2014، لينتهى إلى واقع جديد استعادت فيه السلطة التنفيذية هيمنتها على عملية الإشراف، ولكن عبر أدوات دستورية ومؤسسية وقانونية مختلفة، حسمت من خلالها تأويل جوهر الإشراف القضائي وحدود اختصاص الهيئات القضائية لصالحها، بصورة أعادت ضبط المجال الانتخابي بما يخدم توازنات السلطة القائمة.
الهيمنة التنفيذية على العملية الانتخابية قبل عام 2000
تعاني العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في مصر من خلل عميق في توازن القوى بينهما، حيث عملت الأنظمة المتعاقبة منذ نظام الضباط الأحرار 1952 على تعميق هذا الخلل بما يجعل السلطة التنفيذية الفاعل الرئيسي في إنتاج الهيئة التشريعية كما عكست ذلك الدساتير المتعاقبة منذ ذلك الحين، وتعزز ذلك بصدور قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لسنة 1956، والذي أسند إلى وزارة الداخلية مهمة إعداد جداول الناخبين والإشراف الكامل على الانتخابات التشريعية، بما يشمل تشكيل اللجان العامة والفرعية وتعيين رؤسائها من بين القضاة أو أعضاء النيابة العامة أو أعضاء مجلس الدولة أو الموظفين العموميين ويكون تعيينهم بقرار من وزير الداخلية. وبهذا باتت وزارة الداخلية — بوصفها إحدى أدوات السلطة التنفيذية — صاحبة السيطرة الفعلية على عملية إنتاج الهيئة التشريعية. استمر هذا النمط خلال دستور 1971 الدائم إذ حافظ النظام السياسي على أغلبية لا تقل عن 80 في المئة من المقاعد لصالح الحزب الحاكم – باستثناء انتخابات عام 1987 التي حصل فيها على 78 بالمئة – فيما تجاوزت النسبة في دورات 1971 و1979 و1984 و1990 و1995 حاجز 90 بالمئة. وبقيت عملية تشكيل الهيئة التشريعية خاضعة مباشرة للأجهزة الحكومية بشقيها المدني والأمني، حتى صدور حكم المحكمة الدستورية العليا عام 2000 والذي شكل بداية تحد لهذا النمط من السيطرة التنفيذية على المجال التشريعي.
بداية الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات في عام 2000
مثل حكم المحكمة الدستورية العليا رقم 11 لسنة 13 قضائية، الصادر عام 2000، نقطة تحول جوهرية في مسار إعادة توزيع سلطة تنظيم العملية الانتخابية وانتزاعها من الهيئات التنفيذية وأجهزة الدولة الإدارية. أرسى الحكم مبدأ الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات تحت شعار «قاض لكل صندوق»، فقد نص حكم المحكمة المقدم على عدم دستورية نص قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية فيما نص على جواز تعيين رؤساء اللجان الفرعية من غير أعضاء الهيئات القضائية مع جعل وجود القضاة وجوبي فقط في اللجان العامة، وهو ما يُهدد شفافية ونزاهة الاقتراع الفعلي الذي يتم في اللجان الفرعية. وقد شكل ذلك قطيعة -ولو نظريا- مع النمط السابق من هيمنة الجهاز الإداري التابع للسلطة التنفيذية على مجريات التصويت.

وقد سعت السلطة التنفيذية إلى الالتفاف على فكرة الإشراف القضائي الكامل حتى قبل صدور حكم المحكمة الدستورية العليا بأشهر؛ إذ رفضت الحكومة، ممثلة في وزير العدل أثناء مناقشة تعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية، إدراج نص يقر بالإشراف القضائي الكامل على العملية الانتخابية، مبررة ذلك بعدم توافر العدد الكافي من القضاة لتولي تلك المهمة. حيث زعمت توافر 5,661 قاضيا فقط من أصل 9,949 قاض للإشراف على الانتخابات، وبموجب التعديلات التي أدخلها الحزب الوطني الحاكم آنذاك كان القاضي الواحد يشرف على ما بين 6 إلى 8 لجان فرعية. كما قدمت تفسيرا ضيقا لعبارة «الإشراف» الواردة في الدستور، باعتبارها لا تعني الإدارة المباشرة أو التواجد في مقار الاقتراع، وإنما تنصرف فقط إلى معناها اللغوي بوصفها «رقابة من أعلى»، في محاولة لتقليص الدور القضائي في العملية الانتخابية وحصره في المتابعة الشكلية دون الاضطلاع بالإشراف الفعلي.
ربط هذا الحكم من المحكمة الدستورية شرعية مجلس الشعب لممارسة وظائفه التشريعية والرقابية بصحة وشرعية التكوين التي لا تستقيم دون استقلال الهيئة التشريعية عن تأثيرات السلطة التنفيذية والحزب الحاكم، وبالتبعية أصبح الإشراف القضائي ضمانة دستورية لاستقلال الإرادة الشعبية عن نفوذ السلطة التنفيذية.
وقد كانت انتخابات مجلس الشعب في نوفمبر 2000 هي أول انتخابات تُعقد بإشراف قضائي كامل وفقا لمتطلبات حكم الدستورية بعد تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية وفقا لذلك. وقد عُقدت الانتخابات على ثلاث مراحل مع دمج اللجان الفرعية لضمان توافر قاض لكل لجنة فرعية.
نظرا لالتزام معايير النزاهة والاستقلالية من القضاة، فقد قُيدت ممارسات التزوير التقليدية في مراكز الاقتراع كتسويد البطاقات. ومع تطبيق التصويت العقابي ضد مرشحي الحزب الوطني، فقد خسر الحزب الحاكم بشكل ملحوظ بما فيه شخصياته البارزة. في المقابل فازت المعارضة بأكبر عدد مقاعد منذ سنوات بواقع 52 مقعد موزعة بين تيارات المعارضة المختلفة. في المقابل عمدت الأجهزة التنفيذية لتعويض هذه الفجوة بالتدخل الأمني المباشر لمنع الناخبين أمام مقرات اللجان من التصويت للمستقلين والمعارضين.
أفرزت انتخابات عام 2000 جدلا داخل النخب القانونية ومؤسسات الدولة حول مفهوم «الهيئة القضائية» التي أوجبت المادة (88) من دستور 1971 أن تجري عملية الاقتراع تحت إشرافها. فقد أصبح تحديد الإطار الدستوري للهيئات القضائية سؤالا محوريا في أي نقاش يتناول الإشراف القضائي، باعتباره ليس مجرد مسألة إجرائية، بل قضية تتصل بمدى استقلال العملية الانتخابية عن السلطة التنفيذية. حدد دستور 1971 السلطة القضائية على سبيل الحصر في المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وفقا للمادة 165، وكذلك مجلس الدولة وفقا للمادة 172، والمحكمة الدستورية العليا وفقا للمادة 174. ويرتبط هذا التحديد بواقع الممارسة حيث أن ندب القضاة للعمل في الجهات التنفيذية داخل الحكومة يُفقد العضو صفته القضائية طوال فترة الندب لارتباطهم بالسلطة التنفيذية وخدمة مصالحها حينها وليس السلطة القضائية.
في المقابل، سعت السلطة التنفيذية في انتخابات مجلس الشعب 2000، لإعادة تعريف الهيئات القضائية عبر التوسع فيه، فاعتبرتا أعضاء هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة جزءا من الهيئات القضائية، رغم أن أعضاء هيئة قضايا الدولة يعملون كمحاميّ الحكومة والمدافعين عن مصالحها أمام القضاء، ورغم أن أعضاء النيابة الإدارية يمارسون التحقيقات الإدارية لحساب السلطة التنفيذية؛ وهو ما يعني عمليًا إدخال جهات تابعة للحكومة في صلب العملية الانتخابية، وقد جرى بالفعل إشراكهم في إدارة بعض لجان الاقتراع. وقد صححت ذلك محكمة النقض بإبطال الانتخابات في أحد الدوائر لعدم استيفاء شرط الإشراف القضائي فيها، لوجود منتمين للهيئتين في الإشراف على الانتخابات بها.
محاولات استعادة السيطرة التنفيذية على العملية الانتخابية
تلى هذه الانتخابات تصاعد التوتر بين السلطة القضائية والتنفيذية، على خلفية مطالب باستقلال القضاة والمساومة بعدم الإشراف على الانتخابات في حال رفضها. حينها سعت السلطة التنفيذية لتقييد الإشراف القضائي لما أثبته من إمكانية تغيير معادلة الانتخابات، والذي تكرر مرة أخرى على نطاق أوسع عندما أتيح للمرة الأولى فوز 88 مرشحاً من جماعة الإخوان المسلمين في عام 2005، والذي دفع الأجهزة الأمنية للتدخل المباشر لعرقلة التصويت بشكل أعنف حيث أسفرت عن مقتل 8 مواطنين. سعت دوائر الحكم للتحايل على تحدي الإشراف القضائي بإقرار تعديل تشريعي جوهري لقانون مباشرة الحقوق السياسية عبر القانون رقم 173 لسنة 2005، الذي نص على تشكيل لجنة عليا لإدارة الانتخابات برئاسة وزير العدل وعضوية ممثل لوزارة الداخلية، مانحا الطرفين معا سلطة تشكيل اللجان العامة والفرعية دون النص صراحة على ضرورة إشراف أعضاء من الهيئات القضائية على عملية الاقتراع.

وفي عام 2007 التفت السلطة التنفيذية على مسألة الإشراف القضائي عبر تعديل دستوري مستهدف للمادة (88)، نص على إنشاء هيئة عليا للإشراف على الانتخابات تضم أعضاء من الهيئات القضائية الحالية والسابقة إلى جانب شخصيات عامة من خارج السلطة القضائية، في محاولة لإحداث نموذج غير قضائي لإجراء الانتخابات على غرار بعض الدول للخروج من مأزق الإشراف القضائي البحت، ماكرس عمليا تجاوز الحكم الدستوري لعام 2000. كما جاءت التعديلات اللاحقة على قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية لتقصر دور القضاة على اللجان العامة، مع إعادة السيطرة على اللجان الفرعية إلى موظفي الدولة المدنيين. مثلت هذه التعديلات تراجعا واضحا عن مبدأ الإشراف القضائي الكامل، وعودة لصيغة تخضع عملية إنتاج الهيئة التشريعية لمعادلة النفوذ التنفيذي ومتطلبات الأمن، ما أدى إلى تعطيل المسار الدستوري الذي كان يهدف إلى ضمان استقلال السلطة التشريعية وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات.
ثورة يناير واستعادة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات
مع قيام ثورة يناير 2011، توافقت القوى السياسية على عودة الإشراف القضائي على أي انتخابات مقبلة، خاصة في ظل تغير المشهد الأمني والسياسي الذي يسمح بإجراء انتخابات في مناخ من الشفافية والحياد والانفتاح السياسي، وبوجود إشراف ورقابة من المجتمع المدني والقوى السياسية على مجريات العملية الانتخابية.
نظم الإعلان الدستوري الصادر في 20 مارس 2011 عملية الانتخابات، وجعلها خاضعة بالكامل لإشراف الهيئات القضائية. فقد نصت المادة (39) على إنشاء لجنة عليا ذات تشكيل قضائي خالص تتولى الإشراف على الانتخابات والاستفتاءات، كما أعاد الإعلان الإشراف على عمليتي الاقتراع والفرز إلى أعضاء الهيئات القضائية الذين ترشحهم مجالسها العليا. وقد انعكس ذلك على التعديلات التي طالت قانون مباشرة الحقوق السياسية في مايو من العام نفسه، إذ أعاد القانون تنظيم اللجنة العليا للانتخابات برئاسة رئيس محكمة استئناف القاهرة وعضوية أقدم القضاة من محكمة النقض ومجلس الدولة ومحاكم الاستئناف، منتزعًا من وزير العدل سلطة اختيار أعضاء اللجان، ومُعيدًا هذا الحق إلى المجالس العليا للهيئات القضائية، على أن تخطر تلك المجالس وزير العدل بأسماء من تمت الموافقة عليهم.
كما حصر القانون مشاركة أعضاء هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة في اللجان الانتخابية بالمحافظات فقط، وأسند رئاستها إلى أحد رؤساء محاكم الاستئناف. ونصت التعديلات على أن تُشكَّل اللجان العامة برئاسة أحد نواب رئيس محكمة النقض، واللجان الفرعية برئاسة أحد أعضاء الهيئات القضائية، مع السماح بأن يرأس القاضي أكثر من لجنة فرعية بحد أقصى ثلاث لجان في مقر واحد، بما يتيح له الإشراف الفعلي عليها جميعا. كما نص القانون صراحة على منع دخول رجال السلطة العامة إلى قاعات الانتخاب إلا بطلب من رئيس اللجنة، الذي أُنيطت به مهمة حفظ الأمن داخل اللجنة، وهو ما منح القضاة سلطة مباشرة في إدارة العملية الانتخابية، متجاوزاً حدود الإشراف الفني إلى السيطرة الفعلية على مجرياتها. كما نص القانون صراحة على منع دخول رجال السلطة العامة إلى قاعات الانتخاب إلا بطلب من رئيس اللجنة، الذي أُنيطت به مهمة حفظ الأمن داخل اللجنة، وهو ما منح القضاة سلطة مباشرة في إدارة العملية الانتخابية، متجاوزاً حدود الإشراف الفني إلى السيطرة الفعلية على مجرياتها.
الهيئة الوطنية للانتخابات بعد 2014
مع مظاهرات 30 يونيو وتغير المشهد السياسي وتوازن القوى، ألقت تركيبة الحكم الجديدة وتغليب الاعتبارات الأمنية ظلالها على باقي الملفات، والتي أدت في جانب منها لاستعادة السلطة التنفيذية السيطرة على هندسة المجال التشريعي.
يمثل دستور عام 2014 نقطة تحول حاسمة في مسار الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات في مصر، إذ تجاوز عمليا ما أقره دستور 1971، وما كرسه حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر عام 2000 من حيث تأكيده مبدأ الإشراف القضائي الكامل على جميع مراحل العملية الانتخابية. فقد تبنى الدستور الجديد نهجا مختلفًا يقوم على تفكيك الإشراف القضائي بصورة دستورية تدريجية تمتد لعقد كامل ينتهي في عام 2024، بحيث يتم الانتقال من الإشراف القضائي المباشر إلى نموذج إدارة انتخابية دائمة تتولاها هيئة وطنية حكومية مستقلة شكليا، ومنفصلة عن القضاء مؤسسيا.
نصت المادة (208) من الدستور على إنشاء الهيئة الوطنية للانتخابات كهيئة مستقلة تختص دون غيرها بإدارة الانتخابات والاستفتاءات، متولية مهام إعداد وتحديث قاعدة بيانات الناخبين، واقتراح تقسيم الدوائر، وتنظيم إجراءات التصويت والفرز، وحتى إعلان النتائج النهائية. أما المادة (209) فقد عهدت بإدارة الهيئة إلى مجلس مكون من عشرة أعضاء ينتدبون ندبا كليا من بين نواب رئيس محكمة النقض، ورؤساء محاكم الاستئناف، ونواب رئيس مجلس الدولة، وهيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية، لمدة ست سنوات غير قابلة للتجديد. و يختارهم مجلس القضاء الأعلى الذي يرأسه رئيس الجمهورية، وذلك وفق تعديلات دستور 2019، إلى جانب المجالس الخاصة للهيئات القضائية التي بات رئيس الجمهورية يختار رؤسائها بموجب القانون رقم 13 لسنة 2017.
وفي محاولة للخروج من مأزق التفسيرات الدستورية حول مفهوم الإشراف، أجاز الدستور للهيئة أن تستعين بمن تراه من الشخصيات العامة، والمتخصصين، وذوى الخبرة في الشأن الانتخابي دون أن يكون لهم حق التصويت. كما نصت المادة (210) على أن إدارة الاقتراع والفرز تتم بواسطة أعضاء تابعين للهيئة تحت إشراف مجلس إدارتها، مع جواز الاستعانة بأعضاء من الهيئات القضائية، والتي هي بحسب الفصل الخامس من الدستور الحالي هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة. وألزم الدستور بأن تٌجرَى الانتخابات خلال السنوات العشر التالية لإقراره تحت إشراف قضائي كامل من أعضاء الجهات والهيئات القضائية المختلفة.
وقد أدى هذا الجمع الدستوري بين الجهات (كالقضاء العادي ومجلس الدولة والمحكمة الدستورية) والهيئات القضائية (كالنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة) إلى تمكين وجهة نظر السلطة التنفيذية بشأن إشراك الهيئتين الأخيرتين في الإشراف على الانتخابات في العشر سنوات المنصوص عليها في الدستور، رغم أنهما لا تمثلان هيئات قضاء بالمعنى الموضوعي؛ فالأولى تختص بالتحقيقات الإدارية، والثانية تمثل الحكومة أمام القضاء. وكان هذا الدمج امتدادًا لما ورد لأول مرة في دستور 2012 الذي نصّ على إدراجها تحت باب “الهيئات القضائية”، وهو ما حافظ عليه دستور 2014 بعد خلافات بين الهيئات القضائية حول طبيعة هذا الإدراج.
وقد تٌرجم هذا الإشراف القضائي المختلط في قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 45 لسنة 2014، الذي حافظ على تشكيل اللجنة العليا للانتخابات بتكوين قضائي برئاسة رئيس محكمة استئناف القاهرة، وعضوية أقدم نواب رئيس محكمة النقض، ومجلس الدولة، لكنه أدخل أعضاء هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة في لجان انتخابات المحافظات، ونص في المادة (40) على جواز أن يرأس أحد أعضاء “الجهات أو الهيئات القضائية” اللجان العامة والفرعية، وهو ما فتح الباب فعليًا لمشاركتهما في إدارة العملية الانتخابية.
غير أن القانون رقم 198 لسنة 2017 الخاص بإنشاء الهيئة الوطنية للانتخابات كشف عمليا عن الطابع التنفيذي الحكومي للهيئة، إذ أجاز انتداب العاملين المدنيين في الدولة وغيرهم لإدارة الاقتراع والفرز، وهو ما يعيد الدور البيروقراطي للجهاز الإداري في صميم العملية الانتخابية، ويستدعي صور التلاعب التي كانت سائدة في فترات سابقة. كما قصر إعلان النتائج النهائية على مجلس إدارة الهيئة دون سواه، مما قلص من مبدأ الشفافية والرقابة القضائية المباشرة.
وأظهر القانون أيضا أن الجهاز التنفيذي للهيئة يملك فعليا معظم صلاحياتها، بما في ذلك إعداد التنظيم الإداري والمالي والفني ومشروع الموازنة العامة، فضلا عن إعداد قاعدة بيانات العاملين الذين يجوز ندبهم لإدارة عمليات الاقتراع والفرز. وقد أسندت إدارة هذا الجهاز إلى مدير تنفيذي، وثلاثة نواب يختارهم رئيس الجمهورية من بين مرشحين يرشحهم مجلس إدارة الهيئة من العاملين بالجهاز الحكومي أو الهيئات القضائية أو من ذوي الخبرة، لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد.
وبذلك، أصبح لرئيس الجمهورية دور مباشر في تعيين مجلس إدارة الهيئة والجهاز التنفيذي الذي يتولى فعليا إدارة الانتخابات، مما يعني أن من يشرفون على العملية الانتخابية هم موظفون إداريون تابعون للجهاز الحكومي، لا قضاة مستقلون.

هذا التحول الدستوري، الذي جرى تقديمه بوصفه خطوة نحو “الاستقلال الدائم للإدارة الانتخابية”، أدى في الواقع إلى إعادة إنتاج السيطرة التنفيذية على العملية الانتخابية عبر آليات دستورية وقانونية جديدة هذه المرة، الأمر الذي مهد الطريق — في الممارسة الفعلية — لانحياز الهيئة الوطنية للانتخابات للأحزاب الموالية للسلطة التنفيذية، فقد أدارت الهيئة الوطنية الانتخابات في السنوات الماضية بشكل جعل من السهل الحفاظ على النسب التاريخية للسلطة التنفيذية بما يتيح لها تمرير الإجراءات والقوانين العادية والاستثنائية وتعديل الدستور وإعادة ترشيح رئيس الجمهورية، بما أعاد صياغة التوازن بين الدولة وصندوق الاقتراع في اتجاهٍ يُكرّس مركزية الدولة ويُقيد إمكانات التنافس السياسي الحقيقي.
انعكس أداء الهيئة الوطنية للانتخابات التمييزي لصالح السلطة التنفيذية والأمنية، في انتخابات 2020 حيث جاء البرلمان بأغلبية لصالح الأحزاب التابعة للنظام والأجهزة الأمنية مثل حزب مستقبل وطن في مقابل تراجع مقاعد المستقلين والمعارضة، ما أسفر عن هيئة تشريعية خاضعة بالكامل للسلطة التنفيذية، تعكس سيطرة الأجهزة الأمنية على العملية السياسية.
على مستوى انتخابات الرئاسة، شهدت الأعوام 2018 و2024، فقد انخرطت الهيئة في خروقات لصالح رئيس السلطة التنفيذية، إذ تم اعتقال أو تحييد المرشحين الجادين من قبل السلطات الأمنية والعسكرية، ورفضت الهيئة الوطنية للانتخابات الاعتراف بالانتهاكات المتعددة التي شابت العملية الانتخابية. وفي انتخابات الرئاسة لعام 2024، وصل الأمر إلى مستويات غير مسبوقة من التواطؤ، حيث تحالفت الهيئة الوطنية مع حزب “مستقبل وطن”، ووزارة الداخلية خلال مرحلة جمع التوكيلات لمنع أنصار المرشح أحمد الطنطاوي من ممارسة حقوقهم، مع رفض السماح لممثلي حملته بتقديم شكاوى، وهو ما وثقته عدة فيديوهات، مما أثر سلبًا على ثقة الجمهور والأطراف السياسية في نزاهة العملية الانتخابية.

كما شكلت انتخابات مجلس الشورى التي عقدت في أغسطس من العام الحالي المحطة الأولى لتطبيق النظام الجديد للإشراف على العملية الانتخابية، إذ جرى تنظيمها للمرة الأولى دون مشاركة القضاء العادي أو قضاة مجلس الدولة في الإشراف المباشر على اللجان. وبدلا من ذلك، أوكلت مهمة الإشراف إلى أعضاء هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، حيث أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات تولي نحو 10,600 عضو من هاتين الهيئتين مهام الإشراف بعد إخضاعهم لبرامج تدريبية نفذت عبر تقنية الفيديو كونفرانس.
وفيما يتعلق بانتخابات مجلس النواب الجارية حاليا، امتنعت لجان فرعية في عدة دوائر عن تسليم مندوبي المرشحين المحاضر الرسمية المختومة بنتائج الفرز، تنفيذا لتوجيهات صادرة عن الهيئة الوطنية للانتخابات. كما شابت العملية الانتخابية حالات تلاعب في الأعداد المعلنة للأصوات بين اللجان الفرعية واللجان العامة، وجرى التلاعب لصالح مرشحين محسوبين على أحزاب الموالاة.
وتعد واقعة لجنة مدرسة مصطفى مشرفة بمحافظة الإسكندرية أبرز هذه الخروقات خلال المرحلة الأولى، إذ نشر أحد المرشحين مقطع فيديو يوثق شروع القاضي المشرف على اللجنة في فرز الأصوات قبل انتهاء المدة القانونية للتصويت. ويكتسب هذا الحدث دلالة خاصة بالنظر إلى أن القاضي المكلف بالإشراف ينتمي إلى هيئة قضايا الدولة.
خاتمة
يحول النص الدستوري دون العودة للإشراف القضائي بصورته الكلاسيكية، بعد نجاح محاولات السلطة التنفيذية المتواصلة لإلغائه التي امتدت لما يقرب من ربع قرن. في الوقت الراهن، تدار الانتخابات من قبل هيئة حكومية تحت سيطرة السلطة التنفيذية، وتتمثل مهمتها الحقيقية في ضمان بقاء مخرجات التمثيل السياسي لصالح هذه السلطة، وربما يكون من الأجدر التركيز على تعزيز عمل هذه الهيئة. وعلى الرغم من المطالب الدولية بإنشاء هيئات مستقلة لإدارة الانتخابات—حيث تعتمد نحو 75% من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على مثل هذه الهيئات—إلا أن تحقيق عملية انتخابية حقيقية ونزيهة يتطلب أكثر من مجرد الاستقلال الإجرائي أو الشكلي؛ إذ يتطلب الاستقلال المؤسسي الفعلي الذي يمنح هيئة إدارة الانتخابات القدرة على التحكم الكامل في العملية الانتخابية، ومنع تدخل المؤسسات الأمنية والتنفيذية والمال السياسي، ذلك أن القيمة الحقيقية التي مكنت القضاء سابقا من إدارة الانتخابات لم تكن مجرد الصفة القضائية، بل بما يتمتع به من الاستقلال المؤسسي النسبي الذي حافظ عليه لعقود، وهو ما تفتقر إليه الهيئة الوطنية للانتخابات في صيغتها الحالية. ولذلك توصي هذه الورقة بتوفير مناخ داعم لاستقلالية ونزاهة عمل الهيئة الوطنية للانتخابات عبر:
- توفر إرادة سياسية واضحة للتحول إلى نموذج إدارة انتخابية مستقل عن السلطة التنفيذية، عبر إدخال تعديلات دستورية وتشريعية تضمن استقلالا فعليا وحقيقيا للهيئة الوطنية للانتخابات، بحيث تصبح جهة منفصلة مؤسسيا وإداريا عن الحكومة وأجهزتها.
- حظر تدخل الأجهزة الأمنية في العملية الانتخابية، بما في ذلك منع أي تواصل بينها وبين المرشحين أو العاملين في اللجان الانتخابية، وقصر دورها على مهام التأمين الخارجي وضبط النظام العام فقط دون الاقتراب من إدارة العملية أو التأثير في سيرها.
- توسيع نطاق الرقابة الانتخابية المستقلة من خلال تسهيل اعتماد منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية، وإزالة القيود الأمنية والإدارية على عملها، وتمكينها فعليا من الوصول إلى مراكز الاقتراع والفرز ومتابعة جميع مراحل العملية الانتخابية.
- اختيار العاملين والإداريين داخل اللجان الانتخابية من كوادر غير تابعة للجهاز التنفيذي للدولة، مع إنشاء برامج تدريب متخصصة تشرف عليها الهيئة الوطنية للانتخابات لضمان مهارات مهنية محايدة، بعيدا عن نفوذ الوزارات والجهات الحكومية.

