قسم شرطة قصر النيل

 

اعتمدت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان في كتابة هذه الصفحة التعريفية بقسم شرطة قصر النيل في الإطار الزمني من عام ٢٠١٦ حتى عام ٢٠٢١ على محادثات صوتية عبر شبكة الإنترنت مع محتجز سابق ومحتجزة سابقة تواجدوا بالقسم خلال هذه الفترة، هذا بالإضافة لما تم رصده من الأخبار والبيانات حول القسم من منصات صحافية أو منظمات حقوقية.

بيانات عامة حول القسم

يتواجد القسم بمحيط شارع قصر النيل بوسط القاهرة، وطبقًا لرواية محتجزين سابقين يتكون مبنى القسم من طابقين علويين، وطابق تحت الأرض. الطابق الرئيسي هو الأول علوي، يضمّ الاستقبال، وغرفة معاون الضبط، ومكتب المأمور، والإداريين، أما الثاني هو الخاص بالمباحث، مكتب رئيس المباحث، ومكتب لضباط وأمناء المباحث، ومكتب للأمن الوطني. الطابق المتواجد تحت الأرض، يعد مثل ساحة انتظار السيارات ينزل لها المحتجزون بسلم خاص في الطابق الأول. ويضم هذا الطابق المتواجد تحت الأرض غرف احتجاز منقسمة إلى ٥ غرف، غرفتين للسيدات تضم محتجزات على ذمة قضايا جنائية وسياسية، وغرفتين رجال على ذمة قضايا جنائية والأخيرة على قضايا لها خلفية سياسية. وفيما يخص حراسة غرف الاحتجاز، فهي مهمة أمناء الشرطة، ولا يرى المحتجزون ضباط القسم إلا في حالات قليلة جدًا، كالتحقق من أعداد وبيانات المحتجزين أثناء ترحيل البعض أو نقلهم لجلسات النيابة.

 

أوضاع الاحتجاز داخل القسم

اختلفت روايات المحتجزين حول أوضاع الاحتجاز بغرف القسم، أوضح أحدهم طبقًا لتجربته الشخصية أن الغرف المخصصة للمحتجزين الجنائيين مساحتها أكبر، لكنها مكدسة، بعكس غرفة السياسيين الذين يكون عددهم أقل نسبيًا ومساحة الغرفة أصغر. وأوضح محتجز سياسي سابق أن الغرفة المخصصة لهم كانت تضم عدد قليل من المحتجزين الجنائيين، وذلك يرجع لتحسن أوضاع غرفتهم مقارنة بالآخرين، فكان من لديه المقدرة المالية من الجنائيين يدفع رشاوي لأمناء الشرطة ليتم نقله بها. تبلغ الطاقة الاستيعابية للغرفة حوالي ١٣ فرد، إلا أن العدد الفعلي يتجاوز ٢٥ شخص، ونظرًا لطبيعة الاحتجاز غير المستقرة بالقسم فيتم نقل وترحيل الكثير منهم، كذلك قد يستقبل القسم الكثير من الأعداد، لذلك فقد تأتي أيام تكون لهم مساحة جيدة وأيام أخرى يتبادلون الوقوف والجلوس فيما بينهم لعدم وجود مساحة كافية.

تنقسم غرفة السياسيين إلى جزئين، ممر، وبعده مساحة أكبر داخل الغرفة حيث كان الوضع أفضل نسبيًا مقارنةً بالممر، إذ توجد بتلك المساحة الأكبر مروحة وجهاز تكييف. وكان عادةً ما يجمع النبطشي ١٥٠ جنيه من الفرد الواحد ليتمكن من النوم بالداخل، وإذا لم تكن لديه مقدرة فكان يجلس في الممر الذي هو أيضًا بمقابل ولكن أقل نسبيًا من هذا المبلغ، وإذا لم يكن المحتجز لديه أموال فيتم نقله إلى غرف الجنائيين حيث وضع معيشي أكثر سوءاً، أو يظل في الممر بالتراضي مع النبطشي، إلا إذا تعنت معه أمناء الشرطة.

لا تحتوي غرفة السياسيين على أية شبابيك أو منافذ للتهوية من الخارج ولا تصلها إضاءة الشمس، كما كانت الإضاءة من المصابيح خافتة. أما عن دورة المياه، فكانت مساحة صغيرة جدًا تحتوي على صنبور مياه للاستحمام و«حمام بلدي»، إلا أنه كان صغيرًا وغير كافيًا لهذا العدد الكبير. أما عن التعيين، فلا يوجد في هذا القسم أية وجبات يقدمها للمحتجزين به، لذا فالاعتماد يكون إما على الزيارات القادمة من الخارج أو في حال كان المحتجز يملك نقود فكان يتمكن من طلب إحضار طعام له من الخارج، وكذلك الحال بالنسبة للمشروبات فكان ممنوع دخول جهاز تسخين المياه ليضطر المحتجزون لطلب مشروبات من كافيتريا القسم ذات الأسعار المرتفعة مقارنة بالخارج. بجانب ذلك أشار محتجز سابق إلى وجود الكثير من أسلاك الكهرباء المكشوفة داخل الغرفة والتي قد تهدد من سلامتهم.

بينما أوضحت ناشطة نسوية أن غرف الاحتجاز الخاصة بالسيدات غاية في السوء، حيث حكت بأنها علمت بوجود غرفة، كانت في الأصل قديمًا قبل تحويل المكان لقسم شرطة مخصصة للغسيل، كانت الغرفة مليئة بأنابيب الغاز ولا يوجد بها أي مصدر للتهوية، وبالتالي كانت الرائحة بالداخل حسب ما وصفته شديدة السوء كأنها مقبرة. وكانت النساء لا تتحملن أن يغلق عليهن باب هذه الزنزانة، وكثيرًا ما وقعت حالات اختناق داخل الغرفة نظرًا للتكدس الشديد وانعدام التهوية، وكان يوجد بالقسم أنبوبة أكسجين لمن تفقد القدرة على التنفس، وكان هذا الأمر شائعًا جدًا بين محتجزات هذه الغرفة. كما أشارت المحتجزة السابقة إلى أن دورة المياه داخل هذه الغرفة شديدة الصغر ولا تتحمل عدد المحتجزات، بالإضافة إلى أنه لا يوجد ستارة أو باب يحجب رؤية من بداخل بدورة المياه. أيضًا كانت توجد مروحة في السقف داخل الغرفة ولكنها محطمة مما كان يهدد سلامة المحتجزات بالداخل. وبسبب هذا التكدس، كانت المحتجزات مقسمات على مجموعات يتناوبن النوم بعد مرور ٢٤ ساعة، لأنه لا يمكن لهن جميعًا النوم في وقت واحد، لذا المجموعة التي نالت قسطًا من النوم تظل لمدة يوم كامل مستيقظة لتتمكن من النوم ثانيةً. ورغم محاولة النساء الحفاظ على نظافة الغرفة قدر الإمكان، إلا أنها كانت ممتلئة بالحشرات الزاحفة. بجانب ذلك، أوضحت الشهادات أن الممر الذي يتواجد فيه غرف الاحتجاز يوجد به ساحة، يتم إيداع العابرين والعابرات جنسيًا بها، فلا يتم وضعهم في زنازين الرجال أو النساء.

الزيارات

يسمح القسم بالزيارات لمن يكون وضعهم القانوني معروف وممن لا يحاول القسم أن يخفي حقيقة تواجدهم بالداخل، وهي يوميًا من الساعة السابعة إلى الحادية عشر مساءً، تتراوح مدتها من خمس إلى عشر دقائق. وأوضح محتجز سابق أن الأدوية يمكن دخولها عدا الأدوية المهدئة والمتعلقة بالأمراض النفسية والمنومات، لكن حسب تجربة محتجزة سابقة أوضحت أن الكثير من الأدوية ممنوعة. وكان دفع الرشاوى هو المنهج المتبع دائمًا في التعامل بين أهالي المحتجزين والقسم بخصوص الزيارة، ومن الممكن منع الزيارة أو الاستيلاء على محتوياتها أو حتى التعنت مع المحتجز نفسه في حال لم يقم أهله بدفع رشاوى لأفراد القسم.

الرعاية الصحية

«لو حالة خطيرة، عندك برد أو أعراض غريبة أو تعبان بشكل مزمن مفيش مشكلة، بس لو هتموت ممكن يتصرف يوديك أي مكان»

طبقًا لشهادة محتجز سابق، فإن القسم لا يوجد به أي رعاية صحية أو متابعة دورية من طبيب أو غير ذلك. ولا يتدخل القسم في تقديم الرعاية الطبية لمحتجز إلا إذا ثبت لهم أن الحالة شديدة الخطورة وقد تنهي بحياته، فيتدخلوا حمايةً لوضعهم الشخصي وتجنب تحمل المسئولية. بجانب ذلك توصلت الجبهة المصرية إلى أن أوضاع النساء الصحية بالداخل شديدة السوء، وطبقًا لشهادة محتجزة سابقة كانت توجد حالات لسيدات مصابة بأمراض خطيرة مثل سرطان الثدي ولم يكن يُسمح لهن بدخول الأدوية أو الكشف عليهن من قبل طبيب أو مسعف، حتى أن أحدهن نزفت في مرة دم من ثديها. هذا بجانب الطالبة مريم حبشي، التي عانت داخل عدة أماكن الاحتجاز، ومن ضمنها قسم قصر النيل، من الإهمال الطبي. وكانت تعاني من مرض الذئبة الحمراء والتهاب رئوي وآخر على صمام القلب الثالث، ومياه على القلب، وفشل كلوي، حتى أنه بعد إخلاء سبيلها بفترة قصيرة قد توفت إثر معاناتها مع المرض في ديسمبر ٢٠٢٠. رصدت الجبهة المصرية أيضًا معاناة كثير من المحتجزات أثناء فترة الدورة الشهرية والتي تتمثل في عدم قدرتهن على شراء الفوط الصحية، مما يجعل أرضية الغرفة مليئة بالدماء لمجرد قدوم الدورة الشهرية لعدد من النساء في وقت واحد وهو أمر مرجح حدوثه نظرًا لتكدس عدد المحتجزات في غرفة واحدة، أو تعاني المحتجزات خطورة استمرار ارتداء نفس الفوطة الصحية لمدة طويلة لعدم مقدرتهن على شراء ما يكفيهن.

معاملة المحتجزين والمحتجزات داخل القسم

أفادت الشهادات التي وثقتها الجبهة المصرية انتشار سياسة سوء المعاملة بشكل فج من العاملين بالقسم للمحتجزين داخله، بدايةً من أمناء الشرطة واعتداءاتهم لفظيًا وبدنيًا على المحتجزين، والتعنت معهم في حالة عدم مقدرتهم على دفع رشاوي، ووصولًا إلى حدوث وقائع تعذيب بحق بعض المحتجزين. من ضمن تلك الوقائع تعرّض شاب فلسطيني تم القبض عليه لعدم تجديد إقامته إلى الضرب المبرح عدة مرات، فكان يتم استدعاءه من قبل ضباط الأمن الوطني كل يومين وحين يعود لغرفة الاحتجاز يجده زملائه تعرض لضرب شديد في مختلف أنحاء جسمه. كما تعرّض محتجز قد قبض عليه لكون مظهره يبدو إسلامي وملتحي للضرب العنيف من قبل ضباط المباحث، ولم يتم عرضه على النيابة إلا بعد مرور شهر تقريبًا لتلتئم وتتعافى آثار العنف الذي تعرّض له. كذلك تتعرّض النساء لإهانات لفظية واعتداءات جسدية أحيانًا من قبل أمناء الشرطة، هذا بالإضافة لسوء المعاملة من قبل ضباط الشرطة الذين يتعاملون معهن بدونية واحتقار. ويتعرض العابرين والعابرات جنسيًا بالقسم للاضطهاد والعنف من قبل العاملين، وبصورة خاصة من قبل أمناء الشرطة، وكذلك من المحتجزين بالقسم.

وقد سبق وتعرّض الصحفيين محمد حسن حمدي الزعيم وأسامة البشبيشي للضرب والصعق بالكهرباء من قبل ضباط الأمن الوطني داخل قسم شرطة قصر النيل. وأوضحت شقيقة محمد حسن المحامية أنه أنهم انهالوا على شقيقها بالضرب بقوة وأدى ذلك لإصابات بالغة في رأسه وظهره، وذلك بعدما تم القبض عليه بمحيط نقابة الصحفيين في سبتمبر ٢٠١٦.

بجانب ذلك يتعرّض المحتجزون على ذمة قضايا سياسية لعنف وترهيب من قبل المحتجزين الجنائيين، كما كانوا يتعرضون أحيانًا داخل غرفة الاحتجاز لسرقة متعلقاتهم الشخصية وما يُسمح بدخوله لهم أثناء الزيارة. وقد سبق وتداولت الصحف خبر الحكم على مسجل خطر بتهمة قتل محتجز داخل قسم قصر النيل. كما كانت هناك مخاوف طيلة الوقت من وجود أشخاص يراقبون طبيعة الأحاديث التي تدور داخل غرف الاحتجاز، وحسب رواية محتجزة سابقة فإن الإرشاد يكون لاعتبارات مختلفة، منها حصول المحتجز على بعض من حقوقه، أو كيلا يتعرض للضرب والإهانة، أو لتهديد أمناء أو ضباط الشرطة له وإجباره على إخبارهم بمعلومات عن المحتجزين معه.

المراقبة

تعرّض المحتجز عبد الرحمن طارق الشهير بـ«موكا» للاعتداء من قبل ضابط شرطة أثناء فترة المراقبة اليومية له بالقسم، وذلك أثناء تواجده بالمكان المخصص للمراقبين، حيث تعدّى عليه الضابط بالضرب والسب وأجبره على الوقوف المتواصل لأربع ساعات، وبعدها تم نقله لحجز عبارة عن غرفة صغيرة بلا مصدر تهوية سوى الباب، ولا يوجد به مياه أو دورة مياه، وأخبره القسم بأنه تم احتجازه ليتم عرضه على النيابة على ذمة قضية جديدة. وفي صباح اليوم التالي، أخبره أفراد القسم بأن يعود لمنزله بعد أن صادروا بطاقته الشخصية.

انتهاكات إضافية للقانون

أوضح أحد المحتجزين السابقين أنه ظل ما يزيد عن ١٠ أيام داخل القسم حتى تمت إحالته للنيابة العامة على ذمة قضية، وقد تواجد معه أعداد من المحتجزين في نفس وضعه، ويقضي المحتجزون هذه الفترة من الاحتجاز غير الرسمي حتى يصدر قرارًا من الأمن الوطني بعرضهم على النيابة، أو بإطلاق سراحهم من القسم إذا ارتأى لضباط الأمن الوطني أنهم غير مشتبه بهم على ذمة قضايا سياسية، وهذا وضع متعارف عليه خاصةً في الفترات المرتبطة بأحداث يناير أو سبتمبر وحملات القبض العشوائي وإيقاف المارين في الشوارع التي يقوم بها أفراد الأمن وقتها. في خلال هذه المدة من الاحتجاز يحرص أمناء الشرطة على عدم تواصل المحتجزين مع ذويهم بالخارج بطرق مشروعة أو غير مشروعة كالتواصل عن طريق الهواتف المحمولة التي يحصل عليها المحتجزون داخل القسم بدفع الرشاوى، هذا بالإضافة إلى الإنكار المستمر لوجودهم بالقسم في حال قام ذويهم أو محاميهم بالسؤال عنهم. وفي هذه الحالة، يحاول المحتجزون الاتصال بالخارج من خلال إبلاغ بياناتهم وبيانات ذويهم أو محاميهم لمن يقومون بزيارة أهاليهم ممن وضعهم القانوني أصبح معروفًا، وفي بعض الأحيان بعد مرور عدد من الأيام يسمح لهم بمهاتفة ذويهم للإبلاغ عن مكانهم وذلك بطريقة غير مشروعة وبمقابل مادي. وهذا ما سبق وتعرّض له عبد الرحمن طارق، حينما تم القبض عليه أثناء أداء فترة المراقبة المقررة له بالقسم، وأنكر القسم وجوده حين السؤال عنه وأوضح أنه لم يأتِ لأداء المراقبة اليومية، ليجدوا أسرته بعد ذلك أنه تم توجيه اتهامات له على ذمة قضية جديدة.

زيارات رسمية

سبق وقام وزير الداخلية في يونيو ٢٠١٨ بزيارة قسم قصر النيل، وذلك ضمن جولة تفقدية للنقاط الأمنية والارتكازات بالميادين، إلا أنه لم يتم نشر أية نتائج أو معلومات حول هذه الزيارة.