مرصد السجن المركزي بالإدارة العامة لقوات أمن الجيزة “سجن الكيلو عشرة ونص”

0

اعتمدت الجبهة المصرية لإنشاء هذه الصفحة على مقابلات شخصية مع أسر ومعارف محتجزين حاليين بالسجن، بالإضافة إلى مقابلة شخصية مع محتجز سابق، وكذلك على تقارير حقوقية ومصادر إخبارية.

بيانات السجن

نشأ سجن الكيلو عشرة ونص بالأساس كمعسكر لقوات الأمن المركزي، ثم تحول إلى سجن مركزي بمسمى “السجن المركزي بالإدارة العامة لقوات أمن الجيزة” بقرار وزير الداخلية رقم 2345 لسنة 2015. وقبل تحوله رسميا إلى سجن، اشتهر كمقر احتجاز غير رسمي للمسجونين على خلفية تهم سياسية وللقصّر، حيث كانوا يتعرضون للتعذيب أثناء تحقيقات ضباط الأمن الوطني (أمن الدولة سابقا) معهم. ويقع السجن بالكيلو 10.5 على طريق مصر-الإسكندرية الصحراوي.

يتكون السجن من مبنى واحد ذو ثلاثة طوابق، يأخذ شكل مربع وتتوسطه ساحة تستخدم للزيارات والتريض. يوجد بكل طابق حوالي عشرون زنزانة، 5 زنازين في كل “ضلع” من أضلاع المربع، يخصص بعضها للسجناء المحتجزين على خلفية تهم “سياسية”، وبعضها الآخر للمحتجزين على خلفية تهم “جنائية”. ولفترة بين عامي 2015 و2017، كانت بعض الزنازين تخصص للمحتجزين “الدواعش” أي الأعضاء بتنظيم داعش، لكن لاحقا لم تعد تخصص زنازين منفصلة للمحتجزين على خلفية تهم متعلقة بالتطرف أو العنف.

حسب المعلومات التي وثقتها الجبهة المصرية من خلال المقابلات الشخصية، فقد استمر سجن الكيلو عشرة ونص كمقر احتجاز غير رسمي ومقر احتجاز للقصّر حتى بعد تحوله إلى سجن رسمي. أولا، استمر ضباط الأمن الوطني بإجراء تحقيقات بالسجن على الأقل حتى عام 2016، وقد شمل ذلك عمليات ترهيب نفسي وتعذيب بالكهرباء واعتداءات جنسية. وبحسب إحدى الشهادات أيضًا فإن تعامل إدارة السجن مع ضباط الأمن الوطني كان يوحي بأن الإدارة لا تملك أية سلطة أو صلاحية للتدخل لمنع الانتهاكات التي تصدر عن ضباط الأمن الوطني بحق المحتجزين داخل السجن، على الرغم من مسؤوليتها الرسمية عن تلك الانتهاكات. ثانيا، استمرّ السجن في استقبال أطفال محتجزين لفترة بعد تحوله لسجن رسمي، وكان يُمارس ضدهم التعذيب مثلهم مثل البالغين ولا يراعى فصلهم عن البالغين في الزنازين. ثالثا، تعرضت نسبة كبيرة من المحتجزين بالسجن إلى فترات من الإخفاء القسري (والتعذيب) بمقرات الأمن الوطني قبل ظهورهم في هذا السجن،[1] وقد وثقت الجبهة المصرية حالة إخفاء قسري داخل السجن نفسه بين سبتمبر وأكتوبر 2020. أما حاليا فلا معلومات حول وجود أطفال أو مختفين قسريا أو تحقيقات للأمن الوطني داخل السجن.

حالة الزنازين والعنابر ومرافق السجن

 

التكدس والتهوية

تتفاوت مساحات الزنازين داخل السجن لتسع ما يتراوح بين أربعة محتجزين وخمسة وعشرين محتجزا دون تكدس. وفي أفضل الأحوال يكون لكل محتجز مساحة ثلاثة أشبار تقريبا للنوم، وقد تقل تلك المساحة بسبب التكدس لتصل إلى شبر ونصف. لكن أحيانا وبسبب زيادة عدد المحتجزين قد يتكدس حوالي ثلاثة عشر سجينا بالزنازين الصغيرة، وخمسون سجينا بالزنازين الأكبر حجما. يوجد بالسجن عنبر مخصص للإيراد تودع به الإدارة المحتجزين الجدد لمدد متفاوتة، إلا أنه غير مجهز للنوم أو المعيشة، فتوجد به “دكك” على شكل صبات إسمنتية تضطر المحتجزين للنوم بالتناوب ودون أية أغطية أو فرش.

وبشكل عام تعدّ الزنازين ضعيفة التهوية، ولا تسمح النوافذ بدخول أشعة الشمس بما يكفي لإضاءة الزنازين نهارا، لكن تتوفر بها مصابيح قوية. وبسبب وجود السجن في منطقة صحراوية، تشتد درجة البرودة بالزنازين، ويفاقم من ذلك خلوها من أي مصادر للتدفئة حتى أن المحتجزين يضطرون لتغطية فتحات الشبابيك السلك بـ”مشمّع” للحد من دخول الهواء البارد.

تغلق أبواب الزنازين على المحتجزين طوال اليوم، ولا يخرجون منها إلا أثناء الزيارات. وحسبما أفاد أحد المصادر للجبهة، فإن الإدارة تخرج المحتجزين للتريض في قفص الزيارات مرة كل ثلاثة أسابيع ولمدة 45 دقيقة فقط، وغالبا لا يكون القفص معرضا بشكل كافٍ لأشعة الشمس.

مرافق السجن

توجد حمامات أرضية “بلدي” داخل الزنازين، وتحتوي بعض الزنازين الأكبر حجما على حمامين. ويقوم المعتقلون بصنع ستائر للحمامات من الملايات أو الأقمشة التي تتوفر لديهم. تتوفر المياه بالسجن بشكل شبه دائم، كما توجد سخانات كهربائية، لكن المياه لا تصلح للشرب أو الطبخ، ويضطر المحتجزون المقتدرون لشراء المياه المعدنية. يتولى بعض المتصنعين من السجناء تنظيف الحمامات والزنازين يوميا، ويتحمل المحتجزون تكاليف ومهام صيانة مرافق الزنزانة كالحنفيات وغيرها. وأحيانا تتسرب المياه إلى الأرضيات القريبة من موقع الحمامات بالزنزانة، ما يؤدي إلى تبلل متعلقات المحتجزين والأغطية التي ينامون عليها.

لا تلتزم إدارة سجن الكيلو عشرة ونص بلائحة السجون فيما يخص طعام “التعيين” الذي يُقدم يوميا للسجناء. فبينما تقدم للسجناء في أغلب السجون وجبتان يوميا، يقدم سجن الكيلو عشرة ونص وجبة إفطار فقط تتكون من رغيف خبز، مع جبن أو مربى، كما يقدم في بعض الأيام بيض مسلوق وبرتقال. ويعتمد السجناء على الزيارات بشكل أساسي للحصول على الطعام، بالإضافة إلى الاستعانة بأمناء الشرطة لشراء وجبات ساخنة من مكان قريب من السجن، يُرجح أنه دار ضيافة لعساكر الأمن المركزي. ولا تطبق اللائحة كليا على دخول الطعام في الزيارة، فأحيانا يقوم بعض الأمناء بمنع مأكولات معينة من الدخول رغم دخولها أثناء ورديات ضباط آخرين.

الإجراءات العقابية ومعاملة المحتجزين بالسجن

تتراوح الإجراءات العقابية بالسجن ما بين التجريد وحرق المتعلقات الشخصية للمحتجزين، إلى التشريد إلى زنزانة أخرى، وأخيرا للضرب ولاعتداءات قد تصل إلى التحرش والاعتداء الجنسي. ولا يوجد بالسجن زنازين تأديب انفرادية. ولا تطبق قواعد واضحة وثابتة توازي بين فداحة المخالفات والجزاء الموقع على المحتجز، كما تعمم العقوبة غالبا على كل المتواجدين داخل الزنازين التي تقع بها المخالفة، خاصة في زنازين “الجنائي”.

بشكل عام يتعرض المحتجزون على خلفية تهم “جنائية” لسوء المعاملة بدرجة أكبر من غيرهم داخل السجن، وخاصة في “التشريفة” لدى دخولهم الأول إلى السجن، وأثناء التفتيش. وللتأكد من عدم تهريبهم للمواد المخدرة يخضعون لما يسمى بـ”التمام” حيث يجلسون في صف ويجبرهم الضباط على شرب ماء مخلوط بصابون أو مواد أخرى تدفعهم للقيء، كما يجبرون على قضاء حاجتهم أمام الضباط وأمام بعضهم البعض. وخلاف ذلك، تتعرض هذه الفئة من المساجين للإهانات اللفظية والجسدية بصفة مستمرة، قد تبلغ حد الاعتداء بالصواعق الكهربائية.

لا يتم إعلام المحتجزين لدى دخولهم إلى السجن بآليات تقديم الشكاوى إلى الإدارة أو إلى النيابة العامة، ولذلك يكون الإضراب عن الطعام أو الزيارة – أو التلويح بهما – هو وسيلة المحتجزين الوحيدة لمحاولة تحسين أوضاعهم داخل السجن. وبشكل عام، وثقت الجبهة تحسن معاملة الإدارة للمساجين نسبيا منذ عام 2016، حيث صارت أحرص على الاستجابة لمطالب المحتجزين وتصحيح الأوضاع التي أدت بهم للاحتجاج (وذلك بخلاف الإضراب الجماعي الذي قام به “معتقلو الأرض” عام 2016 احتجاجا على الأحكام الصادرة بحقهم، وليس للاعتراض تحديدا على وضعهم داخل السجن. يذكر أن تلك الفترة قد شهدت اعتداءات لفظية من قبل الإدارة بحق المحتجزين وذويهم أثناء قدومهم للزيارات، تصاعدت لدرجة ضرب الغاز المسيل للدموع على الأهالي ومنعهم من الزيارة).

وبحسب تقرير نشره مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان عن نمو التطرف داخل السجون المصرية وتمكنت الجبهة المصرية من التأكد من المعلومات الواردة بشأن سجن الكيلو عشرة ونص فيه، فإن إدارة السجن لا تفصل في الزنازين بين من يسمون بـ”الدواعش” والمحتجزين الآخرين – بل إنها أبقت على أطفال داخل الزنازين التي يتواجد بها الدواعش، كما استعملت التشريد إلى زنزانة الدواعش كإجراء عقابي بحق بعض السجناء. ولا تتخذ إدارة السجن أية إجراءات للتعامل مع التطرف أو الحد منه، بل حسب إحدى الشهادات، فإن ضباط السجن يتعاملون مع “الدواعش” بحذر وخوف أكبر لعلمهم باحتمالية دخولهم في مواجهات مع الضباط.

الزيارات

في الساحة التي تتوسط مبنى السجن، يوجد “قفص” سلك ينزل إليه المحتجزون لزيارة ذويهم، بحيث يكون المحتجزون داخله والأهالي في الممر المحيط الذي يقع بين القفص وجدار السجن. يترك الأهالي مستلزمات الزيارة على مكتب موجود على الناحية اليمنى من قفص الزيارة، وقد يسمح الضابط المناوب للمحتجزين بعناق ذويهم أو السلام المباشر عليهم أثناء تسلمهم تلك المستلزمات. وقد يتمكن السجناء من الجلوس مع ذويهم في غرفة مخصصة للزيارة إما عن طريق “الواسطة” أو باستخراج تصريح “زيارة غرفة” من النيابة.

تمنع الإدارة المحتجزين من إدخال المنتجات المتوفرة بكانتين السجن لإجبار المحتجزين على شرائها من الداخل. وبشكل عام تكون أسعار السلع بالكانتين أعلى من مثيلاتها بالخارج قليلا (بزيادة ثلاثة أو أربعة جنيهات على الأكثر)، باستثناء بعض المنتجات التي تباع بأسعار مبالغ فيها، فيباع كيلو السكر بكانتين السجن بـ100 جنيه تقريبا، ويباع كيلو العسل بـ160 جنيها. كذلك تمنع الإدارة أحيانا دخول مواد غير متوفرة من الكانتين، مثل زيت الطبخ والشامبو والتوابل.

بشكل عام لا يحتاج المحتجزون إلى الالتقاء بمحامييهم داخل السجن، حيث من الملاحظ في الآونة الأخيرة أن المحبوسين احتياطيا داخل السجن لا يعرضون على النيابة (خاصة في قضايا نيابة أمن الدولة العليا) لما يتراوح بين الثلاثة والخمسة أشهر إلى أن يحين موعد عرضهم على غرفة المشورة، وذلك على الرغم من انتقالهم في مواعيد تجديد الحبس الاحتياطي إلى النيابة ومكوثهم لساعات في “الحبسخانة” ثم إعلامهم بقرار تجديد الحبس أثناء عودتهم إلى السجن.

الرعاية الصحية

منذ إنشائه يخلو سجن الكيلو عشرة ونص من أي عيادة أو أطباء مقيمين أو صيدلية، ولا يزوره أي أطباء منتدبون من خارج السجن، وتعتمد إدارة السجن على الأطباء المتواجدين بين السجناء لتقديم الرعاية الصحية لمن يحتاجها، وأحيانا يتلقى السجناء الرعاية (كالإبر مثلا) عن طريق غير المتخصصين. وعلى الرغم من كون الزيارات السبيل الوحيد للحصول على الأدوية، إلا أن الإدارة أحيانا تمنع دخول بعض الأدوية الضرورية. وقد ذكر أحد الذين وثقت معهم الجبهة بأن السجن توجد به غرفة تسمى “العيادة”، إلا أنها كانت مغلقة وقد رأى المحتجزون الفئران تخرج منها. وقد أفاد أحد من وثقت معهم الجبهة المصرية أن السجن يخلو من أي آلية للتعامل مع الطوارئ الصحية، وأن حادثة وفاة بالإهمال الطبي وقعت أثناء تواجده بالسجن، حيث تدهورت الحالة الصحية لأحد السجناء ليلا ولم يتم إسعافه رغم استغاثات زملائه إلى أن توفى داخل زنزانته.

وبالإضافة إلى ذلك يساهم تعنت الإدارة في إدخال أدوات النظافة الشخصية والمنظفات (مثل الديتول) ومنع التريض والتعرض لأشعة الشمس، بالإضافة لسوء التغذية لمن لا يتمكنون من جلب الطعام في الزيارات، في رفع خطر العدوى وانتشار الأمراض بين المحتجزين. فمثلا تمنع الإدارة دخول أمواس الحلاقة أو قصافات الأظافر، وفي يوم واحد فقط بالأسبوع تمرّر الإدارة ماكينة حلاقة كهربائية واحدة على المحتجزين ليستعملوها سويا. ويضطر ذلك المحتجزين لاستعمال كريمات إزالة الشعر للنظافة الشخصية. كما تمنع الإدارة دخول الوسادات الطبية والمراتب.

لم تشهد حالة الإهمال الطبي داخل السجن أي تحسن منذ تحوله إلى سجن رسمي، فتستمر الإدارة في تعنتها إزاء طلبات إدخال الأدوية والنقل للمستشفى، ومؤخرا في التعامل الفعال مع جائحة كوفيد-19. فقد تواردت أنباء عن ظهور أعراض القيء وضيق التنفس وارتفاع درجات الحرارة على 24 محتجزا على الأقل، دون أن تستجيب الإدارة بإجراءات لفحصهم طبيًا، أو حتى إجراءات خاصة بالعزل والتعقيم.

التعليم والتواصل مع العالم الخارجي

حسب المعلومات التي وردت للجبهة من المقابلات الشخصية، يسمح للطلاب بإدخال بعض الملازم الخاصة بالدراسة، لكن يواجه بعضهم تعنتا في إدخال كافة مواد الدراسة وفي دخول الامتحانات. ولا تقام امتحانات داخل السجن، بل ينتقل الطلاب يوميا لأداء الامتحانات ويعودون في اليوم نفسه.

لا توجد بالسجن أجهزة تلفزيون أو راديو، وقد يسمح للمحتجزين بدخول بعض الروايات، لكن لا يسمح بدخول الجرائد والصحف.

[1] انظر أيضا تقرير “حصاد القهر في يناير 2016” مركز النديم، ص16، ص38، https://egyptsolidarityinitiative.files.wordpress.com/2016/02/d8a3d8b1d8b4d98ad981-d98ad986d8a7d98ad8b1-2016-nadeem.pdf.

Leave A Reply