منطقة سجون جمصة

اعتمدت الجبهة المصرية في إنشاء هذه الصفحة التعريفية على محادثة هاتفية عبر شبكة الإنترنت مع قريبة محتجز بسجن جمصة شديد الحراسة، ومحادثة أخرى مع محتجز سابق بسجن جمصة شديد الحراسة، بالإضافة إلى مصادر حقوقية وإخبارية أخرى.

تقع منطقة سجون جمصة في محافظة الدقهلية، وتضم سجنين هما ليمان جمصة وسجن جمصة العمومي شديد الحراسة. وقد أنشئ السجنان بموجب قرار وزير الداخلية رقم 1750 لسنة 2013، الصادر في 21 أغسطس، والذي نص على أن ينشأ بدائرة مديرية أمن الدقهلية ’ليمان جمصة‘ ليودع فيه الرجال المحكوم عليهم بعقوبتي السجن المؤبد والسجن المشدد، و’سجن شديد الحراسة‘ يودع به الأشخاص المذكورون بالمادة الثالثة من قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956. وحسبما تنشر وزارة الداخلية، فإن منطقة السجون توجد بها مستشفى عالية التجهيز ومكتبة ومدرسة تقدم خدمات محو الأمية، وتوجد أيضا ورش للنجارة ومعرض للمنتجات الزخرفية.

وعلى مسافة كبيرة من البوابة الخارجية لمنطقة السجون توجد حواجز تمنع دخول السيارات، ويضطر ذلك الأهالي إلى حمل كل متعلقات الزيارة لحين الوصول إلى بوابة المجمع، أو ركوب طفطف السجن. ولا يكون الطفطف متوفرا في كل الأوقات وغالبا ما تكون مساحته غير كافية لجلوس الأهالي وحمل متعلقات الزيارة في وقت واحد، خاصة بعد أن قلّصت الإدارة عدد العربات به من ثلاث عربات إلى عربة واحدة بها 12 مقعدا. ويدفع الأهالي تذكرة قيمتها 2 جنيه للمقعد الواحد في الطفطف، وتذكرة أخرى للعودة. وتنتشر ادعاءات بالتعذيب وسوء المعاملة والتكدير داخل سجن جمصة، خاصة لمن يتم تغريبهم إلى السجن من سجون أخرى.


سجن ليمان جمصة

لم تتمكن الجبهة المصرية من التوثيق مع أحد ممن كانوا محتجزين بليمان جمصة، ولكن حسب المعلومات التي تحصلت عليها الجبهة من خلال المقابلات التي أجريت لسجن جمصة شديد الحراسة، فإن أغلب السجناء الموجودين بليمان جمصة هم من “الجنائيين” ولا يوجد من “السياسيين” سوى عدد قليل محتجز على ذمة قضيتين فقط تقريبا. ولا يتم فصل “السياسيين” عن “الجنائيين” بالسجن.

ورغم ما تنشره وزارة الداخلية ومصلحة السجون عن جاهزية مستشفى سجن جمصة التي تفوق مستشفيات الشرطة ذاتها، فإن الأخبار التي تنتشر عن ليمان جمصة تشير لإهمال طبي يشكو منه المحتجزون بالسجن. وقد وثقت مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان تعرض الطالب ميسرة الشافعي لأمراض بسبب التكدس وسوء التهوية وعدم النظافة بالزنزانة، ورفضت إدارة السجن طلبات أسرته لنقله للمستشفى لتلقي العلاج.


سجن جمصة شديد الحراسة

وصف السجن

اتجهت الحكومة المصرية لإنشاء سجن جمصة عام 2010 أثناء حكم الرئيس السابق حسني مبارك، لكن توقفت عمليات البناء بعد ثورة 25 يناير. وفي 21 أغسطس 2013 أصدر وزير الداخلية قرارا بإنشاء سجن جمصة شديد الحراسة. افتتح السجن وبدأ في استقبال السجناء بين ديسمبر 2013 ويناير 2014 تقريبا. ويذكر أن السجن قد بدأ باستقبال السجناء حتى قبل أن تنتهي أعمال البناء وتجهيز المرافق. فبين عامي 2014 و2020 تمت إضافة أسوار داخلية وعدة بوابات للسجن، كما تمت تعلية الأسوار وأضيفت لها أبراج مراقبة إضافية.

يضم السجن محبوسين احتياطيا وآخرين صدر بحقهم أحكام قضائية، ولفترة طويلة لم يكن يتم فصلهم عن بعض في التسكين، وخلال السنوات الأخيرة وبعد ازدياد عدد المحتجزين الصادر ضدهم حكم بدأت الإدارة تخصص زنازين لكل فئة، لكن تظل كل العنابر مختلطة. يجمع السجن كذلك بين المحتجزين على خلفية تهم سياسية وغيرهم ممن هم على ذمة قضايا جنائية، وتجمع الزنازين بين الفئتين. وحسب التوثيق الذي حصلت عليه الجبهة المصرية، يبقى عدد غير قليل من المحبوسين احتياطيا بالسجن لفترات تتجاوز المدة القصوى المسموح بها قانونا للحبس الاحتياطي (سنتان)، وقد تصل مدة حبسهم احتياطيا داخل سجن جمصة شديد الحراسة حتى صدور الحكم الأولي عليهم إلى ما يقارب أربع سنوات في بعض الأحيان. ويوجد أيضا بالسجن محتجزون تجاوز عمرهم الستين والسبعين عاما.

يتوجه لسجن جمصة شديد الحراسة الكثير من السجناء الذين يتعرضون للتغريب من سجون أخرى، وتتوارد عدة أنباء عن تعرضهم لانتهاكات عند وصولهم للسجن، مثل مصادرة كافة متعلقاتهم الشخصية بما فيها الأغطية، والمنع من الزيارة والتريض واستلام الطعام في زيارات “الطبلية” ومنع دخول الأدوية حتى لأصحاب الأمراض المزمنة.

حالة الزنازين والمرافق

يمضي كل السجناء الجدد 11 يوما بالسجن دون زيارة وفي عنبر مخصص للإيراد. وتبلغ مساحة بعض الزنازين بالسجن حوالي ثلاثة أمتار في أربعة أمتار، وفي الظروف العادية يودع بها حوالي 27 سجينا، لكن ارتفع العدد مؤخرا لما يزيد عن الثلاثين محتجزا، ولا تكفي المساحة المتاحة بالزنزانة للنوم والحركة. لا توجد أسرة بالسجن، وينام المحتجزون على مراتب إسفنجية رفيعة. ولا تتعرض الزنازين لأشعة الشمس والتهوية بشكل كافٍ. لا تكفي الإضاءة الموجودة بالزنزانة للقراءة أو الدراسة، ولا يتمكن السجناء من التحكم في درجة التهوية أو الإضاءة، كما تفرض الإدارة على الزنازين غلق الأنوار في وقت معين، وتعاقب الزنازين التي تبقي الأنوار مضاءة أو تصدر منها ضوضاء بعد ذلك الوقت. يتولى السجناء مسؤولية تنظيف الزنازين بأنفسهم، لكن لا يتم توفير أدوات التنظيف لهم، ويتعين على السجناء شراء أكياس القمامة على نفقتهم الخاصة.

بعض الزنازين يوجد بها حمامان، والبعض الآخر لا توجد به أي حمامات وعلى نزلاء تلك الزنازين استخدام الحمامات الخارجية الموجود بالعنابر، والتي لا تكون متاحة في أي وقت، ويضطر السجناء لاستعمال تلك الحمامات على عجالة. ولا توجد بالحمامات مياه ساخنة، وعلى السجناء تسخين المياه بأنفسهم من أجل الاستحمام. كما أن المياه غير نظيفة وغير صالحة للشرب، وغير كافية للاستخدام اليومي. وفوق ذلك يتم التعنت مع السجناء في الانتقال بأدوات النظافة الخاصة بهم للحمام، ويتم التضييق في إدخال أدوات النظافة الشخصية بشكل عام.

يشكو السجناء من عدم نظافة وجبات التعيين وقلة الطعام المقدم فيها ورداءته، ويعتمدون بشكل أساسي على الطعام الذي يحضره الأهالي في الزيارات. ومنذ تعليق الزيارة بسبب وباء كوفيد-19 صاروا يعتمدون على شراء بعض الوجبات المتوفرة في الكانتين أو شراء بعض الأطعمة مجمدة وطبخها داخل الزنازين في أوعية طبخ كهربائية. وأحيانا قد تقدم لهم الإدارة مستلزمات التعيين (مثل الرز) ليقوم السجناء بطبخها بأنفسهم. ويعاني السجناء من ارتفاع أسعار المواد المتوفرة بكانتين السجن، كما أن الكانتين لا يفتح سوى لفترات قصيرة للغاية لا يتاح فيها لكل السجناء شراء ما يلزمهم.

لا تتبع الإدارة سياسة ثابتة فيما يتعلق بالملابس داخل السجن، فأحيانا تسمح بدخول كل ما يحضره الأهالي، وأحيانا تضع قيودا على كمية ما يدخل من ألبسة، وأحيانا تمنع دخول الملابس تماما فيما عدا الملابس الداخلية. ولكنها تمنع تماما الملابس الصوفية، بما في ذلك القبعات والقفازات. ولا تسمح الإدارة سوى بدخول بطانية واحدة ويشترط أن تكون ذات طبقة واحدة. ويُسمح للأهالي بإحضار البطانيات خلال ثلاثة أسابيع أو شهر واحد فقط في أول موسم الشتاء، ويمنع إدخال البطاطين قبل تلك الفترة أو بعدها بغض النظر عن تغير حالة الجو.

ويفترض على الأهالي قبل إحضار أجهزة مثل الغلايات “الكاتل” أو المراوح أو الراديو الحصول على تصريح مسبق من الإدارة، وأحيانا ترفض الإدارة إدخال هذه الأجهزة حتى بعد الحصول على التصريح، على الرغم من أن لائحة السجون تتيح دخولها. وكذلك قد تصادر الإدارة أو مصلحة السجون أجهزة الراديو أثناء التفتيش، أو تصادر أغلب الأجهزة وتترك جهازا واحدا ليتشاركه السجناء الموجودون بالزنزانة (وقد يصل عددهم إلى عشرين سجينا) – على الرغم من أن أجهزة الراديو ومشغلات الأغاني الـ”أم بي ثري” مسموح بها حسب اللائحة أيضًا.

لا تلتزم الإدارة بالمدة المحددة يوميا للتريض، ولا يتاح التريض للسجناء سوى لدقائق معدودة، حسب معلومات وردت للجبهة المصرية من المحادثات. وحتى المساحة المتاحة للتريض تكون مغطاة من الأعلى بسلك يعوق دخول الشمس بشكل مباشر. ولا يتاح للسجناء “السياسيين” العمل داخل السجن سواء للتكسب أو لملء وقت الفراغ.

الرعاية الصحية

يوجد طبيب بعيادة السجن، لكنه غالبا ما يتغيب عن الحضور، كما أن المستشفى تخلو من التجهيزات الضرورية للتدخل الطبي. يواجه المحتجزون صعوبة في الحصول على كشف أمام طبيب السجن، ويعتمدون بشكل أساسي – وباتفاق مع الإدارة – على الأطباء المحتجزين معهم، فيتولى هؤلاء مسؤولية الكشف على المرضى وكتابة الوصفات الطبية لكل نزلاء السجن، ولأعضاء إدارة السجن أحيانا. وحسب المعلومات التي وثقتها الجبهة المصرية، فإنه من غير المعلوم ما إذا كان يوجد بالسجن طبيب أو إخصائي نفسي أو اجتماعي. وفي حالة إصابة أحد المحتجزين باضطراب نفسي فإن الإدارة تكتفي بوضعه في قسم خاص داخل السجن.

لا تتدخل عيادة السجن بوصف أو صرف الأدوية للسجناء، وحتى حين يتم صرف الدواء فيصرف علاج واحد لكل المرضى دون تقييم كل حالة على حدة. ويطال الإهمال أيضا المضربين عن الطعام، حيث لا تعلّق لهم المحاليل الضرورية. وبشكل عام تتباطأ إدارة السجن في نقل المحتجزين للمستشفى، وفي حال تدهور صحة أحد المحتجزين تقوم بترحيله إلى سجن آخر.

لا تمر الأدوية على طبيب قبل دخولها إلى السجن، ويواجه أهالي السجناء صعوبات شديدة في الحصول على إذن من الأمناء لإدخالها. ولا يسمح السجن إطلاقا بدخول أدوية الأمراض النفسية أو العصبية مثل علاجات الأرق والتوتر، حتى وإن قدم أهل السجين أدلة على أنها موصوفة من قبل طبيب متخصص. تتوفر بالسجن صيدلية بها بعض الأدوية كالمسكنات والمضادات الحيوية، ومن الجدير بالذكر أن الأدوية المتوفرة بها تكون بمساهمات شخصية من أصحاب التخصصات الطبية المحتجزين داخل السجن وعلى حسابهم الخاص – وذلك حسب ما ورد في الشهادة التي وثقتها الجبهة المصرية.

لا تجرى أية تحاليل للمحتجزين داخل السجن، وفي حالة الاحتياج لإجراء تحليل دم أو غير ذلك يضطر الأهالي قبلها بأسابيع للاستئذان أولا في إدخال الحقن لسحب العينات، وعليهم التنسيق مع أحد أصحاب التخصصات الطبية بالسجن أو بين الزائرين ليتواجد في التوقيت نفسه لسحب العينة في قاعة الزيارة، ثم يتعين عليهم الانتقال سريعا بالعينة إلى أقرب معمل قبل أن تفسد – ويقع أقرب معمل إلى السجن على بعد حوالي عشرين إلى ثلاثين دقيقة، ما يؤدي في أحيان كثيرة إلى فساد العينات وعدم إمكانية إجراء التحاليل.

واستمر الإهمال الطبي بالسجن بعد انتشار وباء كوفيد-19، حيث لم يخصص السجن غرف عزل لمن تظهر عليهم أعراض الفيروس، ولا يتم عمل تحاليل أو مسحات للمشتبه بهم أو نقلهم للمستشفى.

وكان من أبرز حالات الإهمال الطبي إصابة المحتجز ’أحمد مسعود بدوي‘ بشلل نصفي نتيجة امتناع إدارة السجن عن تقديم العلاج اللازم له، ما أدى لاضطراره للخروج إلى الزيارات على كرسي متحرك. واشتهرت كذلك حالة المحتجز سعد أحمد ضياء الدين، الذي تقدمت المفوضية المصرية للحقوق والحريات ببلاغ نيابة عنه ضد مأمور السجن بسبب ما يلقاه من إهمال طبي، رغم إصابته بأمراض بالقلب وإلتهاب بالمفاصل وارتفاع في ضغط الدم والسكر. ولا يزال العديد من المحتجزين يعانون من الإهمال الطبي الشديد داخل السجن، وكانت الجبهة المصرية مؤخرا سلطت الضوء على حالة ’عبد الناصر مسعود سالم‘ أستاذ دكتور الرياضيات بكلية العلوم بجامعة طنطا، الذي يحتاج لإجراء عملية لتركيب دعامات بالقلب، كما يعاني من فقدان متكرر للوعي.

وقد حدثت عدة حالات وفاة بالإهمال الطبي داخل سجن جمصة شديد الحراسة، إما بسبب صعوبة دخول علاجات الأمراض المزمنة وتدهور الحالة الصحية نتيجة لذلك، أو بسبب أمراض أصيب بها السجناء بعد احتجازهم. وحسبما ورد في الشهادة التي وثقتها الجبهة المصرية:

“يعني ممكن نقول إنه حد كان جايله مشكلة صحية وممكن يتوفى في خلال 5 6 سنين هو ممكن يتوفى في سنة واحدة بسبب الوضع.”

ومن ضمن الحالات التي توفت بالإهمال الطبي: المحتجز العربي أبو جلالة الذي عانى من الإهمال الطبي بالسجن على الرغم من إصابته بسرطان الكبد، والمحتجز سعيد غباشي متأثرا بأعراض فيروس كوفيد-19، وقد تم نقله إلى غرفة العزل بالسجن دون توفير العلاجات أو التهوية الكافية، والمحتجز علي بحيري الذي ظل محتجزا بالسجن على الرغم من إصابته بجلطة في المخ وتجاوزه سن الستين، وعلى الرغم من تحذيرات منظمات حقوقية إلا أنه لم ينقل إلى مستشفى المنصورة العام إلا بعد تدهور حالته بشدة.

الزيارات والمراسلات

يمر الأهالي بمحطات عديدة قبل الوصول إلى قاعة الزيارة بسجن جمصة شديد الحراسة. فبعد دخولهم من باب جانبي صغير ببوابة مجمع السجون الخارجية، يمرون على سير التفتيش وغرفة التفتيش الذاتي للنساء. يخرج الأهالي من مرحلة التفتيش الأولى هذه إلى ساحة موصلة إلى قاعة انتظار مغلقة لزائري سجني ليمان جمصة وجمصة شديد الحراسة، وبتلك القاعة مخرجان يوصل كل منهما إلى أحد السجنين. يوجد بقاعة الانتظار دكك إسمنتية، وبها مراوح سقف عالية لكنها لا تكفي لتهوية المكان، خاصة في أيام الازدحام. توجد شبابيك سلك عالية في الغرفة، كما يوجد بها كانتين وغرفتان صغيرتان على يمين ويسار القاعة يجلس بها أمناء الشرطة المسؤولين عن تسجيل أسماء الزائرين. يدفع الأهالي مبلغ 15 جنيها في الزيارات الاستثنائية، وقد يضطرون في أحيان قليلة لدفع ما يفوق ذلك المبلغ لموظفي السجن.

يوجد بالقاعة أربع أو خمس دورات مياه، أحدها فقط مرحاض كرسي “إفرنجي”، لكنه دوما مغلق أو يخصص فقط للعاملة المسؤولة عن تنظيف الحمام. وفي أغلب الأوقات لا يتمكن الأهالي من استعمال دورات المياه بسبب مشاكل في الصيانة أو طفح في مياه الصرف الصحي.

قبل الدخول للسجن يقوم الأهالي بالتسجيل في دفتر الزيارة مع أمين الشرطة المعني في قاعة الانتظار، ثم بعد انتهاء التسجيل ينتقل الأهالي إلى ساحة أمام بوابة سجن جمصة شديد الحراسة. ينتظر الأهالي في هذه الساحة لفترات طويلة قد تصل إلى ساعتين بينما ينادي الضباط على الأسماء الموجودة بكشف الزيارة للتحقق من الهويات الشخصية والسماح لهم بالدخول إلى السجن. ولا توجد بهذه الساحة أية مقاعد أو مظلات.

بعد الدخول للسجن يمر الأهالي بمرحلة تفتيش أخيرة أدقّ من المراحل الأولى. وتتعرض النساء للمضايقات والتحرشات أثناء التفتيش الذاتي، وعلى الرغم من وجود جهاز للتفتيش عن بعد في السنوات الأخيرة، إلا أن الموظفة لا تستخدمه. ويتعرض المحتجزون أيضا قبل خروجهم لقاعة الزيارة لتفتيش يتخلله أحيانا إهانات وانتهاكات. تجري الزيارات في قاعة كبيرة بها كانتين وحمامات منفصلة للرجال والنساء. ولا يتم تنظيف الحمامات سوى بعد انتهاء كل الزيارات، ولذلك يعاني الأهالي الذين يدخلون الزيارة في آخر كشف من الحالة السيئة التي تكون عليها الحمامات. وبسبب تكدس القاعة في أغلب الأحيان فلا تكون التهوية والإضاءة بها كافية.

وتتم الزيارات على دفعات، وتكون آخر دفعة هي زيارات السجناء “السياسيين،” ويدخل معهم بعض زيارات “الجنائي” أحيانا. وحسب الشهادة التي حصلت عليها الجبهة المصرية، فإن بعض المحتجزين لا يتمكنون سوى من قضاء ربع المدة المقررة لهم قانونا في الزيارة.

لا يتم إعلام الأهل أو المحامين بترحيل ذويهم للسجن، والوسيلة الوحيدة هي أن يبلغ أهالي السجناء القدامى أهالي السجناء الجدد بمجيء ذويهم إلى السجن. وبشكل عام فإن وسيلة التواصل الأساسية بين المحتجز وذويه أو محاميه هي الزيارة، حيث تسمح الإدارة بالمراسلات في أحيان قليلة وتمنعها في الغالب. ولكي تدخل المراسلات بشكل عام فهي تمر بثلاث مراحل تفتيش – على البوابة الرئيسية للسجن، وأثناء التفتيش الذاتي، وأثناء تفتيش متعلقات الزيارة – وفي كل مرحلة يقرأ موظف مختلف الرسالة، ولكل منهم سلطة مطلقة في منع إدخال الرسالة أو السماح بها.

لا تحتسب إدارة السجن الأطفال الصغار (ممن هم في المرحلة الابتدائية مثلا) ضمن عدد زوار السجين المسموح به قانونا، لكن تحتسب من يبدو عليهم كبر السن (مثلا طلاب المرحلة الإعدادية) حتى وإن كانوا دون السن القانوني.

في السنوات الأخيرة ومع ازدياد الأعداد داخل السجن، زادت حدة تعامل إدارة السجن مع الأهالي، وبشكل أكبر مع الأطفال، كما زادت مراحل التفتيش التي يمرون بها. وتتعامل الإدارة مع الأهالي أثناء الزيارات بتعنت وتعسف شديد، وقد يصل ذلك لحد فرض قواعد جديدة غير منصوص عليها في لائحة السجون، مثل قصر عدد الزوار للسجين الواحد على شخصين بدلا من ثلاثة أشخاص كما تنص اللائحة (وذلك حتى قبل الإجراءات الخاصة بالتعامل مع وباء كوفيد-19). كذلك قد تقرر الإدارة منع المراسلات تماما في بعض الفترات. ومن الجدير بالذكر أن إدارة السجن تعلّق الكثير من اللوحات الإرشادية على بوابات السجن وداخل قاعة الزيارة تبيّن الممنوعات على السجناء وذويهم، ولكن لا توجد أي لوحات تبيّن مواد لائحة السجون والمسموح به قانونا للسجناء وذويهم. وبشكل عام وحتى عندما يعلم الأهالي بأن سياسات الإدارة تخالف لائحة السجون، فإنهم يمتنعون عن الشكوى بسبب الخوف من تعامل الإدارة الحاد والخوف من التضييق الإضافي عليهم في الزيارات. وحسب الشهادة التي حصلت عليها الجبهة المصرية:

“التعامل مع الأهالي حاد جدا من أصغر عسكري كلهم بيتكلموا بطريقة سيئة وبيزعقوا… بدون أسباب. آخر مرة مقعدتش في المكان غير ساعتين بس. ساعتين سمعت فيهم خمس ست جمل بايخة. كل ما أعدي على حد لازم يقول حاجة تضايق.. ممكن تكوني بتستفسري عن حاجة بمنتهى الأدب ف يترد عليكي بأسلوب وحش أو يتزعق لك. انت واقفة في مكانك وملتزمة بالقانون عادي جدا بس في حاجة بتتقالك.”

وحسب الشهادة أيضا، فإن تعامل الإدارة مع الأهالي بلغ في عدة مرات حد التحفظ على صاحب أو صاحبة الشكوى وفتح محضر بحقهم وعرضهم على النيابة – وفي بعض الحالات قامت النيابة بتجديد الحبس الاحتياطي عدة مرات قبل صدور قرار بإخلاء السبيل. وفي حالتين على الأقل كان سبب التحفظ على الأهل هو شك الإدارة في محتوى رسالة حاول الأهل إدخالها إلى السجين.

بشكل عام كانت تسمح الإدارة بدخول أغلب أصناف الطعام المطبوخ، لكن لا تسمح بدخول البهارات والمكسرات والشاي وغير ذلك من بعض المواد الغذائية، ويكون السبب إما لأنها متاحة في كانتين السجن، أو لأن إدارة السجن تعتبرها “رفاهيات” لا يحق للسجناء الحصول عليها. ولا يسمح سوى بدخول أعداد قليلة من الدفاتر والأقلام، ولا تدخل سوى الجرائد شبه الرسمية. وتمنع أغلب الكتب من الدخول، ويضطر الأهالي لاستئذان الضباط الأعلى رتبة في إدخالها. حسب الشهادة التي حصلت عليها الجبهة المصرية، فإن الموظفين الذين يقومون بالتفتيش كثيرا ما يأخذون من المسلتزمات التي يحضرها الأهالي للسجين، مثل العطور أو المكسرات. ولكن مؤخرا، صار يمنع دخول أغلب هذه المستلزمات.

وبالنسبة لمتعلقات الزيارة التي يمنع دخولها، فإنها تجمع كلها وراء الموظفين القائمين على التفتيش دون فصل لمتعلقات كل أسرة عن الأخرى، وكثيرا ما تضيع أو تتعرض للسرقة دون أن يتمكن الأهالي من استرجاعها. أما بالنسبة للأمانات التي يتركها الأهالي، فتسجل بدفتر للأمانات ولا يأخذون وصولات بها، ويضطر الأهالي لدفع 10 جنيهات تقريبا كرسوم على إيداع الأمانات.

وبعد قرار منع الزيارات بسبب وباء كوفيد-19، لم يسمح للمحتجزين بالمراسلات مع ذويهم على الإطلاق. ومنذ فتح الزيارات في أغسطس 2020، لا تتبع أية إجراءات للتعقيم أثناء الزيارات والتفتيش، ولا يرتدي الضباط الذين يتعاملون مع الأهالي أية كمامات. ويوجد فقط طبيب يقوم بقياس الحرارة عن بعد للأهالي بـ”ترمومتر جبهة.” وكانت الإدارة في بداية فترة منع الزيارات تمنع دخول أية مطهرات أو معقمات أو طعام أو أدوية، ولا تسمح للأهالي سوى بإيداع الأمانات فقط.

قامت الإدارة في ظل سياسة الزيارة الجديدة بوضع قفص سلكي داخل قاعة الزيارة يقف به السجناء، ويحيط به قفص سلكي آخر يقف وراءه الأهالي، وتفصل السلكين عن بعضها مسافة تزيد قليلا عن المتر. ويكون من الصعب عن الأهالي والسجناء رؤية وسماع بعضهم البعض، فعلى الرغم من أن فردا واحدا يدخل لكل سجين، إلا أنه كشف الزيارة الواحد يكون به حوالي 35 من الأهالي و35 من السجناء، ويضطرون جميعا لرفع أصواتهم للتحدث من وراء السلك.

المعاملة والإجراءات العقابية

تختلف معاملة السجناء الواردين على السجن حسب الشخصيات الموجودة بالإدارة (خاصة رئيس المباحث) وحسب ما إذا كانت هناك حالة من التوتر بينها وبين السجناء. فيتعرض السجناء الجدد أحيانا لحلق الشعر وإهانات لفظية وجسدية – بما في ذلك التعرية الجزئية – أثناء التفتيش. وبشكل عام يتعرض السجناء “الجنائيون” لمعاملة أسوأ بكثير أثناء التفتيش من “السياسيين.” وحسب المعلومات التي وردت للجبهة المصرية، فلا يطلع السجناء الجدد على إجراءات قيدهم بالسجن، أو تسجيل المتعلقات الشخصية التي تصادر منهم عند دخولهم إلى السجن. ولا يتم إعلام السجين عند دخوله بحقوقه وواجباته والنظم المتبعة داخل السجن.

قد يتعرض السجناء للإهانات اللفظية أو الاعتداء الجسدي من قبل محتجزين آخرين، وقد يتعرضون للابتزاز بالمال ليتمكنوا من استخدام مرافق الزنزانة أو الفرار من مضايقات السجناء الآخرين.

حسب الشهادة التي وثقتها الجبهة المصرية، فإن إدارة السجن لا تتبع الإجراءات المنصوص عليها في تسجيل شكاوى السجناء والرد عليها. وفي الوقت ذاته تتعامل بتعسف شديد مع أي محاولة من السجناء لتنظيم أنفسهم للمطالبة بتحسين أوضاعهم أو للتعبير عن أنفسهم. فمثلا في بداية انتشار فيروس كوفيد-19 في مارس 2020، تحدث بعض المحتجزين – ومن بينهم مسيرو العنابر – نيابة عن زملائهم إلى الإدارة وطالبوا بدخول المطهرات والمعقمات للوقاية من العدوى داخل السجن، حيث كانت الإدارة لا توفرها بالكانتين وتمنع دخولها مع مستلزمات الزيارات. وكان رد فعل الإدارة على مطالبات السجناء هو تغريب جزء من المسؤولين عن تنظيم المطالبات إلى سجن الوادي الجديد، ونقل جزء آخر إلى عنبر التأديب بصفة دائمة. كذلك وقعت حادثة أخرى عام 2019 في عقب إعدام بعض المحتجزين على ذمة قضايا عنف سياسي، حيث قامت الإدارة بتغريب ثلاثة أو أربعة سجناء إلى سجن العقرب بطرة بسبب أدائهم صلاة الغائب على من تم تنفيذ حكم الإعدام فيهم.

توجد زنازين انفرادية بالسجن بمكان يدعى “الدواعي“، وهي زنازين غير نظيفة وسيئة التهوية ومليئة بالحشرات. كما يوجد عنبر جماعي للتأديب يضمّ سجناء “جنائيين” وسجناء من أعضاء تنظيم “داعش،” ويكون إرسال السجناء إليه بمثابة تكدير، لعلم الإدارة بأنهم سيتعرضون لمضايقات إما من مخبرين بالعنبر، أو للتكفير من أعضاء “داعش.” يذكر أيضا أن الإدارة تستعمل هذا العنبر بمثابة عنبر “إيراد” لكل السجناء “السياسيين” القادمين حديثا إلى السجن. ويُحرم من يرسلون إلى الحبس الانفرادي من التريض والزيارة ومن استعمال الحمامات، ويتم تجاهل الاحتياجات الصحية للمودعين بالحبس الانفرادي، بل إن الإدارة قد ترسلهم لزنازين انفرادية رغم علمها بتدهور حالتهم الصحية.

ولا يتم إعلام السجناء بالسلوكيات التي تستوجب عقوبات بعينها، بل يخضع نوع العقوبة بشكل تام لتقدير الضابط، بغض النظر عن فداحة المخالفة التي ارتكبها السجين، أو ما إذا كانت مخالفة أصلا. وقد يتعرض السجناء للعقاب أو التهديد من أجل تلبية طلبات شخصية للمسؤولين بالسجن. وكان بعض السجناء قد دخلوا في إضراب مفتوح عن الطعام في فبراير الماضي بسبب قرار رئيس المباحث كلبشة المحتجزين الذين يخرجون للتريض، وبسبب تعدي الضباط بالضرب والسب وحلق الشعر على من اعترضوا على ذلك القرار، بالإضافة لإرسال أحدهم إلى التأديب.

التعليم والتواصل مع العالم الخارجي

لا تسمح الإدارة بدخول الكتب والملازم الدراسية إلا إذا كانت مختومة بختم المؤسسة التعليمية ومصحوبة بإثبات قيد السجين فيها. وبشكل عام ويواجه الأهالي صعوبات في إدخال الكتب الدراسية، وخاصة تلك المتعلقة بالعلوم السياسية تحديدا، ويضطرون للاستئذان بها عدة مرات قبل التمكن من إيصالها إلى السجين. ويواجه الطلاب تعنتا وإهمالا في أداء الامتحانات، سواء عقدت الامتحانات في السجن أو خارجه.

وحسب المعلومات التي وثقتها الجبهة المصرية، فلا يعلم السجناء بوجود مكتبة في السجن، وتمنع كل الأوراق أو الكتب. كما لا يتاح للمحتجزين أية وسائل ترفيه كالتلفزيونات. ولا يسهل على السجناء مقابلة الرموز الدينية أو الاحتفال بالمناسبات الدينية.