“تعذيب.. فحبس.. فمحاكمة”: تقرير تحليلي حول أبرز الانتهاكات التي تعرض لها المتهمين في مرحلة ما قبل المحاكمة في القضية 95 لسنة 2022 المعروفة إعلاميًا بـ “قضية محتجزي قسم السلام”

ملخص تنفيذي 

تصدر الجبهة المصرية لحقوق الإنسان بشكل منتظم تقارير تحليل القضايا المنظورة أمام المحاكم المصرية منطلقة من مبادئ ومواثيق حقوق الإنسان العالمية التي وضعت ضمانات ومعايير للمحاكمة العادلة. تحقق الجبهة المصرية في مدى تطبيق جهات الدولة المختصة لتلك المعايير والضمانات وأيضا مدى التزامها بالدستور المصري والقوانين الوطنية لضمان عدالة الأحكام الصادرة بحق المتهمين في القضايا ذات الطابع السياسي، والتي زادت وتيرتها بشكل كبير عقب تولي الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي للحكم في 2014.

يتناول هذا التقرير بعد عرض وقائع القضية الانتهاكات التي تعرض لها المتهمون خلال مرحلة التحقيق والتي تتمثل في تعرض بعض المتهمين للاختفاء القسري والتعدي عليهم داخل قسم شرطة السلام أول وتعذيبهم، والتحقيق معهم كمتهمين لا كمجني عليهم، ثم المماطلة في الإحالة للطب الشرعي لإثبات إصابات المتهمين، ثم انتهاك حق جميع المتهمين في الحصول على دفاع أصيل ومتناسب مع حجم التهم المنسوبة إليهم، وينتهي التقرير بانتهاك نيابة أمن الدولة العليا لقانون الطفل وإيداع أحد القصر مع بالغين.

تعتمد منهجية هذا التقرير على دراسة الأوراق الرسمية للقضية 95 لسنة 2022 حصر أمن دولة عليا، والتي تمكنت الجبهة المصرية من الحصول على نسخة ضوئية منها، وتشمل تلك الأوراق محاضر الضبط، ومحاضر تحقيقات النيابة والتحقيقات مع ضباط كشهود إثبات وتقارير الطب الشرعي وكذا تقارير الفحص الفني. ويرصد هذا التقرير الانتهاكات الواقعة بحق المتهمينات من خلال تحليل محتوى أقوالهم المثبتة في محاضر تحقيقات النيابة، والتي تعتبرها الجبهة المصرية مصدر أولي للمعلومات التي يدلي بها ضحايا الانتهاكات بشكل مباشر.

هذا وتستخدم الجبهة المصرية محاضر الضبط لمقارنة تواريخ الضبط وفقًا لرواية أجهزة الأمن، وتواريخ الضبط وفقًا لأقوال المتهمين في محاضر تحقيقات النيابة، وبالتالي تحديد إذا ما تعرض المتهمين للاختفاء القسري. ويتخذ التقرير من دليل المحاكمة العادلة الصادر عن منظمة العفو الدولية مرجعا لمراقبة المحاكمة، وكذلك الدستور المصري وبعض القوانين الوطنية من أجل الوقوف على الانتهاكات التي تخل بضمانات المحاكمة العادلة في القضية محل التقرير، وبالتحديد في مرحلة التحقيق أو مرحلة ما قبل المحاكمة.

المحتويات 

منهجية التقرير 

خلفية حول واقعة القضية 

انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة أثناء مرحلة التحقيق 

أولا: الاختفاء القسري 

ثانيا: التعذيب

ثالثا: مماطلة الإحالة للطب الشرعي 

رابعا: عدم تمكين المتهمين من الحصول على دفاع حقيقي 

خامسا: إيداع طفل داخل أماكن احتجاز بالغين 

 

منهجية التقرير 

تعتمد منهجية هذا التقرير على دراسة الأوراق الرسمية للقضية 95 لسنة 2022 حصر أمن دولة عليا، والتي تمكنت الجبهة المصرية من الحصول على نسخة ضوئية منها، وتشمل تلك الأوراق محاضر الضبط، ومحاضر تحقيقات النيابة والتحقيقات مع ضباط كشهود إثبات وتقارير الطب الشرعي وكذا تقارير الفحص الفني  . ويرصد هذا التقرير الانتهاكات الواقعة بحق المتهمين من خلال تحليل محتوى أقوالهم المثبتة في محاضر تحقيقات النيابة، والتي تعتبرها الجبهة المصرية مصدر أولي للمعلومات التي يدلي بها ضحايا الانتهاكات بشكل مباشر. هذا وتستخدم الجبهة المصرية محاضر الضبط لمقارنة تواريخ الضبط وفقًا لرواية أجهزة الأمن، وتواريخ الضبط وفقًا لأقوال المتهمين في محاضر تحقيقات النيابة، وبالتالي تحديد إذا ما تعرض المتهمين للاختفاء القسري. ويتخذ التقرير من دليل المحاكمة العادلة الصادر عن منظمة العفو الدولية مرجعا لمراقبة المحاكمة وكذلك الدستور المصري وبعض القوانين الوطنية من أجل الوقوف على الانتهاكات التي تخل بضمانات المحاكمة العادلة في القضية محل التقرير، وبالتحديد في مرحلة التحقيق أو مرحلة ما قبل المحاكمة.

 

خلفية حول واقعة القضية 

في الرابع والعشرين من شهر يناير 2022 نشرت جريدة الجارديان البريطانية تقريرا عن تعرض عدد من سجناء قسم شرطة السلام أول للتعذيب على يد رجال الشرطة بالقسم، واستندت في تقريرها على فيديوهات مصورة قررت عدم نشرها وقتها. أظهر أحد هذه الفيديوهات التي قامت مواقع أخرى بنشرها فيما بعد محتجزين اثنين معلقين من أذرعهما على شبكة معدنية وظهر صوت مصور الفيديو ليفيد بتعليقهم لمدة 13 ساعة، فيما أظهر الفيديو الآخر عدد من السجناء داخل حجز قسم شرطة السلام يظهرون كدمات متفرقة في أجسادهم العارية من الأعلى متهمين ضباط وأفراد قسم شرطة السلام بإحداث تلك الإصابات. 

في اليوم التالي مباشرة أصدرت وزارة الداخلية على لسان مصدر أمني بها تكذيبا لهذه الفيديوهات، وقال المصدر إن هذه الفيديوهات مفبركة بهدف نشر الشائعات والأكاذيب وأن من قام بنشرها أحد الموالين لجماعة الإخوان. 

في 15 فبراير 2022 أصدرت النيابة العامة بيانا انتهى إلى عدم صحة تعرض هؤلاء المتهمين للتعذيب وأنهم هم من أحدثوا هذه الإصابات في أجسادهم بأنفسهم. وأشار البيان إلى أن النيابة طلبت تحريات الشرطة التي من المفترض أنها الطرف الخصم في هذه الواقعة، وأكدت هذه التحريات التي أجرتها وحدة مباحث القسم وقطاع الأمن الوطني على  نفس رواية النيابة العامة بأن هؤلاء المحتجزين قاموا بتصوير هذه الفيديوهات مدعين تعذيبهم بناءً على تحريض من آخرين داخل البلاد وخارجها بهدف نشر الشائعات وإحداث زعزعة داخل البلاد. فيما لم يصدر أي بيان من قبل النيابة العامة حتى كتابة هذه السطور يفيد بفتح أي تحقيقات مع ضباط وأفراد قسم شرطة السلام أول كمتهمين بالتعذيب. 

بدأت نيابة أمن الدولة العليا التحقيق مع عدد من المتهمين في 13 فبراير 2022 ممن ظهروا في الفيديوهات داخل حجز قسم شرطة السلام أول، بناء على كونهم متهمين بنشر أكاذيب وافتعال الإصابات بأنفسهم وليس كمجني عليهم أو للوقوف على صحة ادعائهم بتعرضهم للتعذيب. لم توجه النيابة للمتهمين خلال التحقيقات أي أسئلة من شأنها أن تفيد في تقصي حقيقة الاعتداء عليهم بل جاءت التحقيقات جميعها على النحو الذي يؤكد أفتعالهم لهذه الإصابات وكونهم متهمين بمشاركة جماعة إرهابية.

لم تتوقف نيابة أمن الدولة العليا عند التحقيق مع من ظهروا في هذه الفيديوهات، بل وسعت دائرة الاتهام والاشتباه لتشمل كل من أرسلت لهم هذه الفيديوهات، والأشخاص الذين كانوا متواجدين داخل نفس الحجز وقت تصوير الفيديوهات، بعضهم كان تم إخلاء سبيله قبل فتح التحقيقات في هذه القضية.  

وفي سياق توسيع دائرة الاتهام والاشتباه، حققت نيابة أمن الدولة العليا واتهمت في محضر الإحالة للمحكمة المتهم ناصر سيد أحمد عمران. كان ناصر قد حصل على إخلاء سبيل في قضية أخرى جنائية في 31 يناير 2022 وأثناء خروجه سلمه أحد المتهمين أحد الهواتف المحمولة التي صور بها مقاطع الفيديوهات ليرسلها لأحد الأشخاص. احتفظ ناصر بهذا الهاتف إلى أن ألقي القبض عليه من جديد على ذمة القضية موضوع التقرير ليتهم بتمويل إرهابي بمقطع مرئي على الرغم من أنه لم يفتح هذا الهاتف ولم يرسل أي محتويات لأي أحد، وذلك بحسب إفادته امام النيابة. 

وفي سياق سياسة مصر المستمرة في الانتقام من المعارضين بالخارج، تم تدوير والد المتهم الأول على ذمة القضية  93/2022 بتهمة الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة في فبراير 2022 وذلك بعد نشر نجله المقيم في الولايات المتحدة لبعض الفيديوهات موضوع القضية، وكان والد المتهم الأول محبوس على ذمة قضية أخرى منذ أكثر من عام على خلفية نشاط نجله في إثارة ملفات سياسية وموضوعات حول حقوق الإنسان. 

استمرت التحقيقات في نيابة أمن الدولة العليا لمدة شهرين فقط وسرعان ما أحيلت القضية للمحاكمة في 13 أبريل 2022، اتهمت نيابة أمن الدولة العليا 23 متهما من بين من باشرت معهم التحقيقات – بعد أن استبعدت آخرين – بعدد من الجنايات والجنح المنصوص عليها في قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 وقانون الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 المعدل بالقانون رقم 15 لسنة 2020 وقانون السجون رقم 396 لسنة 1956 والمعدل بقانون رقم 106 لسنة 2015 و بعض مواد قانون الطفل. 

انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة أثناء مرحلة التحقيق 

أولا: الاختفاء القسري 

“الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق. ويجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فوراً، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته…” المادة 54 من الدستور المصري المعدل عام 2019

يحدث الاختفاء القسري عند القبض على الأشخاص واحتجازهم من قبل القائمين على ضبطهم مع عدم الاعتراف بتواجدهم داخل مقار الاحتجاز المختلفة، وعادة ما يشمل التحقيق معهم بشكل غير قانوني وعدم إبلاغ أي طرف ثالث بمكان وجودهم. عرفت الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري في مادتها الثانية الاختفاء على أنه “الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون.” 

وينطوي الاختفاء القسري، بجانب كونه جريمة خطيرة في حد ذاتها، على عدة جرائم أخرى عادة، من أهمها عدم الاعتراف بالشخصية القانونية والاكراه على الاعتراف، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو الاإنسانية.

وبحسب تحليل الجبهة المصرية لحقوق الإنسان لأوراق القضية ومقارنة تواريخ الضبط الرسمية الصادرة من وزارة الداخلية بتواريخ الضبط التي أفاد بها المتهمون في التحقيقات، تبين تعرض 3 متهمين للاختفاء القسري من قبل القائمين على الضبط، وحرمانهم من التواصل مع العالم الخارجي أو إبلاغ محاميهم أو أي طرف ثالث بتواجدهم قيد الاحتجاز، والمتهمون الثلاثة هم:

  • سامح نادي سعد سيد، ألقت قوات الشرطة القبض عليه في 14 فبراير 2022 بحسب إفادته في التحقيقات أمام نيابة أمن الدولة العليا، بينما جاء  محضر الضبط بتاريخ 26 فبراير 2022 أي بعد مرور 13 يوما من تاريخ الضبط المزعوم من قبل المتهم تم فيهم الإبقاء عليه قيد الحجز التعسفي داخل قطاع مباحث شرق\مصر الجديدة. 
  • ناصر سيد أحمد عمران وشهرته ناصر شنب، أفاد في التحقيقات مع نيابة أمن الدولة بأنه ألقي القبض عليه بتاريخ 9 فبراير 2022 بينما جاء محضر ضبط الشرطة مؤرخ بتاريخ 20 فبراير وعرض على نيابة أمن الدولة العليا في ذات تاريخ الضبط أي بعد مرور 11 يوما من تاريخ الضبط المزعوم من قبل المتهم. 
  • رحاب نبيل محمد مجاهد، ألقت قوات الأمن القبض عليها بتاريخ 6 فبراير بحسب إفادتها في تحقيقات النيابة وجاء محضر الضبط الرسمي بتاريخ 26 فبراير، وعرضت على نيابة أمن الدولة العليا في 27 فبراير أي بعد مرور 20 يوما على إلقاء القبض عليها حسب روايتها.

*صورة.1 نسخة من سؤال النيابة العامة لأحد ضباط الأمن الوطني حول إلقاء القبض على المتهمة رحاب نبيل وبيان تاريخ الضبط الرسمي.  

*صورة.2 نسخة من أحد محاضر التحقيق مع المتهمة رحاب نبيل تفيد خلاله بتاريخ القبض عليها. 

وعلى الرغم من أن أقوال المتهمين الثلاثة أفادت بتواريخ مغايرة لتواريخ الضبط الرسمية المؤرخة في محاضر الشرطة، لم تحقق نيابة أمن الدولة العليا في هذا الأمر للوقوف على صحة هذه الأقوال.

ثانيا: التعذيب 

“لا يجوز لأي موظف من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يقوم بأي عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو أن يحرض عليه أو أن يتغاضى عنه، كما لا يجوز لأي من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية كحالة الحرب، أو التهديد بالحرب، أو إحاقة الخطر بالأمن القومي، أو تقلقل الاستقرار السياسي الداخلي، أو أية حالة أخري من حالات الطوارئ العامة، لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.”  المادة 5 من مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين

تُتهم وزارة الداخلية بممارسة التعذيب الممنهج عبر قطاع الأمن الوطني وداخل أقسام الشرطة منذ سنوات عديدة ولديها سجل حافل بحالات موثقة تعرض للتعذيب، لكن عادة لا تقوم النيابة العامة بمباشرة تحقيقات جدية في ادعاءات المواطنين بتعرضهم للتعذيب. وفي هذه القضية بالتحديد، انحازت النيابة العامة لرواية وزارة الداخلية وروايتها المتمثلة في تحرياتها، ولم تحقق مع المتهمين باعتبارهم مجني عليهم بل اعتبرتهم متهمين بنشر أخبار كاذبة وتمويل إرهابي. 

وتظهر الأوراق الرسمية بعد تحليلها أن بعض المتهمين قد أفادوا بتعرضهم للضرب على يد ضباط قسم شرطة السلام أول أثناء احتجازهم على ذمة قضاياهم الجنائية قبل اتهامهم في القضية موضوع التقرير، وأن هذا الاعتداء هو ما دفعهم لتصوير أحد الفيديوهات، وذلك بحسب شهادة المتهم أحمد رمضان سيد محمود في التحقيقات أمام نيابة أمن الدولة العليا.

وفقًا لشهادة رحاب نبيل محمد مجاهد في التحقيق معها امام نيابة أمن الدولة العليا، تعرضت رحاب للتعذيب على يد ضباط قسم شرطة السلام أول عقب القبض عليها وفي أثناء اختفاؤها قسريا.

“أخذوني على قسم أول السلام وبعدها غمو عنيا وحكيت لهم كل حاجة زي ما حكيت في التحقيق وضربوني في رجليا الاتنين بالشلاليت في فخد رجلي الشمال واليمين حصل فيهم كدمات وعضمي لحد دلوقتي بيوجعني” 

وعلى الرغم من هذه الشهادات لم تأمر نيابة أمن الدولة العليا بفتح تحقيق واحد مع هؤلاء المتهمين كمجني عليهم، كما لم تحقق مع ضباط القسم كمتهمين بالتعذيب.

ثالثا: مماطلة الإحالة للطب الشرعي  

وفقًا لقانون رقم 96 لسنة 1952 بشأن تنظيم الخبرة أمام جهات القضاء، تختص مصلحة الطب الشرعي التابعة لوزارة العدل المصرية في مثل هذه القضايا بتوقيع الكشف الطبي على المتهمين بطلب من النيابة العامة أو جهة قضائية أخرى وكتابة رأيها الطبي والشرعي في آثار الإصابات الموجودة وبيان كيفية إصابتها وتاريخ الإصابة. وعادة ما تتورط مصلحة الطب الشرعي في الكثير من القضايا ذات الطابع السياسي والمحالة من قبل نيابة أمن الدولة العليا، وتنحاز بشكل واضح لجهاز الشرطة، وتنتهي إلى كتابة تقارير فضفاضة أو إبداء رأيها الفني في الوقائع بالانحياز لرواية الشرطة والنيابة. 

وفقًا للأوراق الرسمية للقضية، أجري أول تحقيق في القضية في يوم 10 فبراير 2022 وقامت مصلحة الطب الشرعي بمشاهدة الفيديوهات المرسلة من النيابة العامة في يوم 23 من نفس الشهر. أفاد تقرير المصلحة المبدئي بناء على مشاهدة تلك الفيديوهات بأن “الإصابات جائزة الحدوث وفق التصوير الوارد على لسانهم بالتحقيقات(إحداثهم إصاباتهم بإستخدام عملة معدنية)”، وهو بالتحديد نفس ما انتهت إليه رواية النيابة وتحريات الشرطة، وهو ما يشكك بشدة في نية المصلحة في أن تقوم بإجراء بفحص موضوعي دون تحيز، أم أنها أجرت الفحص بغرض التأكد من رواية الجهات الرسمية والتي من الممكن أن تكون مغلوطة في المقام الأول.

قامت المصلحة بتوقيع الكشف الطبي على عدد من المتهمين على دفعات، الدفعة الأولى كانت في 27 فبراير 2022 وتم فيها توقيع الكشف الطبي على 6 متهمين، تم التحقيق مع هؤلاء المتهمين في أيام 13 و15 من نفس الشهر. ثم قامت بتوقيع كشف آخر بتاريخ 28 من نفس الشهر على 6 متهمين آخرين، كان قد تم التحقيق معهم في أيام 15 و16 و20 من نفس الشهر. قامت المصلحة بتوقيع كشف ثالث بتاريخ 1 مارس 2022 على 3 متهمين آخرين كان قد تم التحقيق معهم بتواريخ 10 و13 و20 فبراير 2022. جاء توقيع الكشف الأخير بتاريخ 16 مارس 2022 على 3 متهمين آخرين رغم التحقيق معهم أول مرة في تاريخ 13 مارس 2022. 

تظهر تواريخ توقيع الكشوفات الطبية إن هناك فاصل زمني بين التحقيق الأول وتوقيع الكشف يتراوح بين 3 أيام على الأقل إلى 20 يوم على الأكثر، يمثل هذا الفاصل الزمني مدة من الممكن أن تكون في بعض الحالات كافية لزوال الدليل الشرعي على الإطلاق، أو تغيره على أقل تقدير. 

ومن الملفت أن إفادات تقارير مصلحة الطب الشرعي بعد الكشف على 18 متهم، انتهت إلى نفس الإفادة والمعنى على النحو التالي “آثار الإصابات الموصوفة قد تغيرت معالمها الأصلية بفعل ما طرأ عليها من تطورات التئامية وعوامل شفاء وبمضي الوقت، بالإضافة الى عدم وجود ثمة أوراق طبية تصف تلك الإصابات وقت حدوثها فمن ثم يتعذر لنا من الوجهة الطبية الشرعية تحديد تاريخ حدوثها على وجه يقيني قاطع وكل ما يمكن قوله فنيا انها اصابات قطعية ورضية قديمة، لم تتبين عليهم ثمة معالم او اصابات مشتبه ظاهرة تشير الى استعمال قسوة و التعدي البدني على أي منهم”

ومن الملفت أن آخر تحقيق للنيابة مع المتهمين، وأيضًا آخر توقيع للكشف الطبي من مصلحة الطب الشرعي، الإثنين وقعا على المتهمين الثلاثة الذين أفادوا لاحقا في التحقيقات بتعرضهم للضرب الشديد على يد ضباط شرطة قسم السلام أول.

*صورة.3  نسخة من أقوال المتهم أحمد رمضان بتعرضه للضرب مع آخرين على يد ضباط قسم شرطة السلام .

*صورة.4  نسخة من تقرير الطب الشرعي لبعض المتهمين. 

رابعا: عدم تمكين المتهمين من الحصول على دفاع حقيقي 

” لكل شخص الحق في طلب المساعدة من محام يختاره بنفسه لحماية حقوقه وإثباتها، وللدفاع عنه في جميع مراحل الإجراءات الجنائية.” المبدأ 1 من المبادئ الاساسية الخاصة بدور المحامين 

“يجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فوراً، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته…” المادة 54 من الدستور المصري المعدل في 2019 

تتمثل أهمية الاستعانة بمحامي في مرحلة ما قبل المحاكمة وتحديدا في جلسات التحقيق الأولى في حماية المتهمين من الإدلاء باعترافات تدينهم، كما تضمن حقهم في الطعن على مشروعية الاحتجاز ومراجعة إجراءات الضبط وتقديم دفاع حقيقي بالنيابة عنهم. كما يوفر هذا الحق للمتهمين حماية من التعرض للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية ويمكن أيضًا أن يحمي المتهمين من التعرض للاختفاء القسري.

وبدراسة وتحليل الأوراق الرسمية للقضية يتضح أن نيابة أمن الدولة العليا لم تمكن أحد من المتهمين من الحصول على محامي أصيل، بل تعمدت مباشرة التحقيقات مع جميع المتهمين في جميع مراحل التحقيقات بوجود محامين منتدبين من نقابة المحامين. تكرر اسم محاميين اثنين في أغلب التحقيقات، مما ساهم في عدم وجود دفوع حقيقية وقوية في جلسات التحقيقات الأولي للمتهمين. ويظهر بشكل جلي توافق روايات جميع المتهمين وتكرارهم لرواية واحدة للأحداث بل ووصل الأمر إلى تكراراهم لذات الصياغات في بعض الأحيان، وهو ما يدفع إلى التشكيك في جدية هذه التحقيقات وأنها قد تم تلقينها للمتهمين تحت التهديد والضغط في أوقات سابقة.

خامسا: إيداع طفل داخل أماكن احتجاز بالغين  

“لا يجوز احتجاز الاطفال أو حبسهم أو سجنهم مع غيرهم من البالغين في مكان واحد، ويراعى في تنفيذ الاحتجاز تصنيف الأطفال بحسب السن والجنس ونوع الجريمة. ويعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن سنتين وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز خمسة الاف جنية أو بإحدى هاتين العقوبتين كل موظف عام أو مكلف بخدمة عامة احتجز أو حبس أو سجن طفلا مع بالغ أو أكثر في مكان واحد.” القانون رقم 126 لسنة 2008 بتعديل بعض أحكام قانون الطفل رقم 12 لسنة 1992 

*صورة.5 نسخة رسمية من تحقيقات النيابة مع المتهم الطفل تامر خالد عبد العزيز تفيد بتاريخ ميلاده. 

بحسب الأوراق الرسمية للقضية انتهكت نيابة أمن الدولة العليا حقوق الطفل تامر خالد عبد العزيز بعد أن أمرت باحتجازه مع بالغين رغم معرفتها بكونه لم يجاوز الثامنة عشر من عمره وهو ما يجعله بحسب قانون الطفل رقم 12 لسنة 1992 والمعدل بقانون رقم 126 لسنة 2008 طفلا. لا يجوز بحسب المادة 112 من نفس القانون احتجاز طفل أو حبسه أو سجنه مع بالغين. 

وبحسب تحقيقات النيابة، أفاد تامر في أقواله بأنه محبوس في قسم السلام أول داخل حجز رقم 4 وهو ذات الحجز الذي وقعت به أحداث تصوير الفيديوهات مع بالغين آخرين، وهو الأمر الذي يعد جريمة يعاقب عليها القانون بالحبس ويجب التحقيق مع مرتكبها بحسب القانون المصري. لكن نيابة أمن الدولة العليا لم تلتفت لهذا الانتهاك الخطير وباشرت تحقيقاتها مع الطفل تامر في واقعة الفيديوهات وأمرت بحبسه خمسة عشر يوما على ذمة التحقيقات دون نقله من مكان احتجازه لأحد دور الرعاية المخصصة لاحتجاز الأطفال، وفي النهاية أحالته للمحاكمة في 13 أبريل 2022. 

*صورة.6 نسخة رسمية من تحقيقات النيابة مع المتهم الطفل تامر خالد تفيد بحجزه مع بالغين داخل حجز قسم شرطة السلام. 

خاتمة 

يعاني ملف حقوق الإنسان في مصر من الانتهاك الممنهج على يد المؤسسات الأمنية بالشراكة مع مؤسسات القضاء، وزادت وتيرة هذا الانتهاك في أعقاب تولي الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية في عام 2014، ومحاولاته الحثيثة للقضاء على المجال العام وتجفيف منابع العمل الحقوقي والعمل على إرساء السلطوية وغياب الشفافية والمسائلة. في هذه المساعي تم تطويع مؤسسات الدولة عموما والمؤسسات القضائية خصوصا بغرض ممارسة القمع السياسي تحت ستار الحرب على الإرهاب. 

تأتي القضية محل التقرير للتأكيد على التواطؤ الحادث والمستمر بين المؤسسة الأمنية ومؤسسة النيابة وانحياز الأخيرة في جميع بياناتها الصادرة للمؤسسة الأمنية دون إجراء تحقيقات جادة وشفافة ونزيهة. ففي هذه القضية كونت النيابة  عقيدتها وآرائها بناء على محاضر تحريات الشرطة، المتهمة بالتعذيب من الأساس، وتسترت على إخفاء وتعذيب المواطنين، ولم تفتح أي تحقيقات مع ضباط قسم السلام أول حول ادعاءات التعذيب، بدلا من ذلك، اتهمت المبلغين عن الانتهاكات بنشر الأخبار الكاذبة والإرهاب.

يتسبب هذا الانحياز الصريح من قبل النيابة العامة للشرطة في ترسيخ الثقة لدى ضباط وزارة الداخلية في إفلاتهم وتحصينهم المستمر من المساءلة والعقاب في كل ما يصدر منهم من انتهاكات صريحة للدستور والقانون ومواثيق حقوق الإنسان الدولية، ويؤدي إلى المزيد من ضياع حقوق الضحايا وزيادة انعدام ثقة المواطنين في مرفق العدالة من جهة أخرى.

تعليق واحد

  1. Pingback: مصر: ورقة موقف مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان حول الحوار الوطني - Cairo Institute for Human Rights Studies

ضع ردا