مقر قطاع الأمن الوطني بشبرا الخيمة محافظة القليوبية

 

تنويه

تجب الإشارة بادئ ذي بدء إلى أن الاحتجاز داخل مقار الأمن الوطني هو بالأصل احتجاز خارج نطاق القانون حيث أنه لا يتم إستناداً إلى قرار من جهة قضائية، كما لا تتطرق أي نصوص قانونية لتنظيمه بشكل مباشر، وتتخلله جملة من انتهاكات القوانين التي تنظم الإجراءات القانونية للاحتجاز، مثل التحقيق في وجود محامٍ، وإعلام المحتجز بالتهم الموجهة إليه، وإعلامه بمكان تواجده،….إلخ. كما أنه لا تتوفر فى هذه المقار  أياً من الحقوق التي كفلها الدستور  والقانون لكل من تصادر حريته من قبل الدولة، حيث يسود مناخ من اللاقانونية الصرفة داخل تلك المقار، علماً أن كل من يتم إحتجازهم داخل مقار الأمن الوطني يكونوا في عداد المختفين قسريا والمعزولين عن العالم الخارجي؛ بل إن بعضهم يقضي فترة اختفائه كاملة داخل المقر دون أن يعلم أين هو، ناهيك عن ذويه، ولذلك وجب التنويه إلى أن كل ما سيلي ذكره من تفاصيل لملابسات الاحتجاز  والتحقيق والمعيشة داخل تلك المقار يحدث في إطار من الإخفاء القسري والاحتجاز بخلاف القانون. فمحاولة رسم صورة عن معيشة المحتجزين داخل المقار لا يجب أن يمثل شكلا من التطبيع مع وجودهم بداخلها في المقام الأول، كما أن الحديث عن أي انتهاكات تتخلل التحقيقات أو المعاملة اليومية لا يجب أن يصرف النظر عن كون التحقيقات وسلطة الضباط وأفراد الشرطة ذاتها على المحتجزين مفتقرة إلى أي صفة قانونية.

مقدمة

اعتمدت الجبهة المصرية في إنشاء هذه الصفحة التعريفية لمقر جهاز الأمن الوطني بمنطقة شبرا الخيمة على مقابلة هاتفية عبر شبكة الإنترنت مع أحد المحتجزين السابقين الذين مروا على المقر  أكثر من مرة فى غضون الفترة من 2016 وحتى 2022م، إضافةً إلى أقوال ستة محتجزين من واقع التحقيقات التي تمت معهم لدى نيابة أمن الدولة العليا خلال الفترة من 2020 وحتى 2023. وقد أفادوا أنهم تعرضوا للإخفاء القسري داخل المقر، ولقد تراوحت فترات الإختفاء التي وثقتها الجبهة بين عدة أيام وبضعة أشهر، كما حاولت الجبهة جمع المشاهدات التى وثقتها ورصد تجارب محتجزين آخرين تواجدوا مع من تم توثيق حالاتهم في نفس الفترة بالمقر.

ومن الجدير بالذكر أن الجبهة المصرية قد واجهت العديد من الإشكاليات والعقبات والتحديات وهى بصدد كتابة هذه الورقة، ولعل من أبرزها صعوبة التوثيق مع مصادر مرت على هذا المقر سيئ السمعة خاصةً فى ظل عدم إصدار أى قرارات من القضاء أو النيابة العامة بإطلاق سراح المحبوسين إحتياطياً الذين لم يتم إحالتهم إلى المحاكمة الجنائية منذ حوالى أربع سنوات، وكذلك لخشية معظم المصادر الذين تواصلت معهم الجبهة من الحديث عن تجربتهم فى المقر إما لأسباب نفسية لصعوبة التجربة وعدم رغبتهم فى إستحضار تفاصيلها، وإما لأسباب ترجع إلى خشيتهم من التحدث لأسباب أمنية، لذلك فقد حاولت الجبهة جاهدةٔ رسم الصورة قدر المستطاع فى ضوء ما وثقته أو رصدته من شهادات عن هذا المقر.

 

ملابسات الاعتقال

تتنوع ملابسات القبض على المحتجزين السياسيين بشكل عام بين من يتم القبض عليه من مقر عمله، أو من مكان عام، أو من داخل مسكنه. وبشأن الحالات التي وثقتها الجبهة أو رصدتها من واقع التحقيقات فمنهم من تم القبض عليه من محل إقامته، أو محيطه، وآخرين قُبض عليهم من مكان عام. المُلاحظ في الحالات الموثقة أن القوات الأمنية لم تقم بإبراز أية أوراق رسمية، في أي حالة، أو تشير لوجود تصريح قضائي مُسبق بالقبض على المُحتجز أو إفصاح عن هويات القائمين علي واقعة الضبط والجهات الأمنية التى يتبعوها، ولهذا لم يتمكن أى من المحتجزين السابقين وقت إلقاء القبض عليه من معرفة ما إذا كانت القوة القائمة على ضبطه تابعة بأكملها للأمن الوطني أم أن من بينها أفراد تابعين لأقسام الشرطة التابع لها محل سكنهم.

قد يتغير الأمر فيما بعد حيث قد يكتشف المحتجز وقت التحقيق معه فى المقر أن هناك تشابه أو تطابق فى الأصوات بين أحد القائمين على ضبطه، والقائم بالتحقيق معه خاصةً أن الوضع الغالب الجاري عليه العمل؛ أن الأمر طالما كان متعلقاً بضبط محتجز ذي خلفية سياسية فلا بد أن تتضمن القوات بالتبعية ضباط وأمناء تابعين للأمن الوطني، ولهذا فإن الحالة التى وثقتها الجبهة أوردت في شهادتها أنه قد تبين لها فيما بعد أن الظابطين القائمين على واقعة الضبط كانا من العاملين في المقر، وتم التحقيق معها بمعرفتهما.

“أنا أول ما اتحقق معايا أدركت من الصوت أن الضابط اللى حط الطبنجة فى جنبى هو اللى كان بيحقق معايا وبيكهربنى بنفسه. وهو شخص عنيف جدا جدا وجه أكتر من مرة البيت عندى بعد كدا بنفسه، وعرفت بعد كدا ان اسمه اللى مشهور بيه فى الجهاز عمرو المهدى، واسمه الحقيقى مصطفى داوود وهو برضوا اللى رقمه فى الجهاز هناك السيد 23. وكان الضابط التانى اللى معاه وقت القبض عليا اسمه فى الجهاز حسام النجار، ودا معرفش اسمه الحقيقى، ورقمه هناك السيد 97 بس هو محققش معايا إلا كام مرة، وهو ميفرقش كتير عن الاولانى وفى واحد كمان كان هناك اسمه في الجهاز محمد خفاجى، واسمه الحقيقى محمود محمد وهو معملش معايا حاجة غير تهديدات وكان اسلوبه هادى عنهم شوية”. 

كذلك لا يتم إعلام المحتجزين أثناء القبض عليهم بالأسباب القانونية لهذا القبض، أو طبيعة التهم الموجهة إليهم، وفى بعض الحالات التي وثقتها ورصدتها الجبهة، قد يطال هذا القبض أصدقاء أو أفراد من العائلة لمجرد تواجدهم عرضاً مع  الشخص المطلوب للأمن الوطني. وقد يستمر التحفظ على هؤلاء بناءاً على هذا السبب لفترات طويلة لفحصهم أمنياً أو الضغط بهم على الضحية، مما قد ينتهي معه الأمر إلى إطلاق سراحهم أو الزج بهم فى قضايا. وحسبما وثقت الجبهة فإن عملية القبض يتخللها تهديدات وتعليقات من قبل الضباط والأفراد القائمين على الضبط توحي بتبنيهم آراءً مسبقة تُدين من يتعرض للاعتقال، مثل التلويح بأنهم “إرهابيون” أو “قتلة”. كما أفاد شاهد أن عملية الضبط تخللتها إهانات وسب وقذف، وأفاد أحد الشهود إن وقت القبض عليه قام أحد الضباط بوضع السلاح فى جنبه عندما سأل عن سبب القبض عليه.

“هو خدنا أنا وصاحبى من الشارع تحت البيت، ومكنتش شايفهم أصلا فجاءة لقيت اتنين جم مسكونى وقال لى أنت (XX) قولت له ايوه أنا وأنا كل دا مفكرهم بيهزروا، وجه واحد تانى شتمنى وحط سلاحه فى جنبى وواحد مسكني من دراعي، وقالي امشي معانا، ومش عايز اسمع صوتك وفى نفس الوقت مجموعة تانية شالوا صاحبي من على الأرض وجريوا بيه، وأول ما طلعت من المنطقة عندنا على الشارع الرئيسى لقيتهم رموا صحبي على وشه وبطنه وحطوا السلاح على رأسه، وكلبشوه خلفى ولقيت عربيات شرطة كتيرة جدا جدا ومدرعات، وناس بلاسلكى ولابسين ميرى وملكى وبيقولوا للناس ابعدوا ومحدش يجى هنا … وبعد كدا عرفت أنهم اخدوا ابن عمتى، وأولاد خالاتى من البيت وسابوهم بعدها ولما اخويا … جه يسأل عليا فى المقر اخدوه هو كمان، وسمعته معايا فى الحجز وفضل مختفى فى المقر حوالى 3 شهور ونزلوه على قضية مع أن الضابط كان مفهمنى أنه هيمشى لما سألته عليه”.

أما بالنسبة لمشهد انتقال القوات الأمنية للقبض على المُحتجزين من منازلهم، أفاد الرصد والشهادات السابقة إلى أنها كثيرا ما تتم  في ساعات متأخرة من الليل أو قرابة الفجر، ويكون خلالها الترهيب عنصرا رئيسيا ومتعمدا وتقوم به القوات كعامل ردع لكسر أي مقاومة محتملة، أو لسد الباب أمام طرح أى أسئلة من أهل أو جيران الضحية؛ ثم يُحاصر المنزل ومحيطه بأعداد كبيرة من العساكر وقوات الأمن المدججة بالسلاح، وبعدها يتم مداهمة المنزل بقوات مسلحة غالباً ما يرافقها ضابط وأمناء من الأمن الوطنى. وتتباين معاملتهم مع سكان المنزل، فأحيانا يتعمدون الحركة بعنف مثل كسر أبواب الغرف حتى وإن كانت الأبواب مفتوحة، واستعمال القوة لتثبيت الشخص حتى وإن لم يحاول المقاومة، وتدمير بعض محتويات المنزل وإتلافها، وفي بعض الأحيان قد  يُظهروا الحرص على عدم إزعاج باقي سكان المنزل.

وبالنسبة للأدوات الشخصية أو المنقولات والأجهزة الإلكترونية التي تكون بصحبة الشخص حال ضبطه سواء في منزله أو خارجه مثل حافظة النقود، ومتعلقاته الشخصية، وأوراق هويته، وبطاقات البنوك خاصته، وهاتفه المحمول إلخ …؛ فقد أفاد الشهود بأن القوات الأمنية تستولي عليها حيث لا يتم مواجهتهم بها بعد ذلك، أو عرضها وتحريزها رفقتهم وقت التحقيق أمام النيابة، بما يعنى أنه يتم سرقتها والاستيلاء عليها من القوات القائمة على الضبط.

“بعد كدا طبعاً فتشونى واخدونى  وراحوا هما على البيت بس انا مكنتش معاهم بس عرفت انهم كسروا البيت كله حتى الشقق الخاصة بالسكان لان البيت كله بتاعنا واحنا مسكنين ناس فيه بالايجار  واخدوا من كل الشقق حاجات كتير جدا ودهب وفلوس وأوراق ومفيش حاجة منها رجعت بعد كدا لان الحملة كانت كبيرة جدا وانا كل اللى كان معايا المفاتيح ومحفظتى وورقى الشخصى وطبعا كل دا اخدوه”. 

وفور الضبط يتعرض المحتجز للتفتيش، والتغمية، والتقييد بالكلابشات أثناء انتقاله للمقر، حتى وإن كان على مرأى ومسمع من مواطنين آخرين حال القبض عليه من مكان عام. وفي حال القبض على أكثر من شخص سويا قد يتم تفريقهم على أكثر من سيارة؛ ثم يتم وضع المحتجزين محاطين من الجانبين بعساكر أو أمناء شرطة، بما في ذلك النساء. وقد يُجبر المحتجزون على الانحناء ووضع وجوههم في الأرض، وأحيانا تتعمد القوات الانتقال بالسيارة إلى أكثر من مكان قبل الاتجاه لمقر الأمن الوطني حتى لا يتعرف المحتجز على الطريق من خلال تقدير المسافات أو الاتجاه. ووفقا للشهادة التي حصلت عليها الجبهة فإن الضحية فور وضعه فى السيارة التي تنقله للمقر ضُرب على رأسه بواسطة خزنة السلاح الذي كان بحوزة أحد الضباط.

“بعد كدا جت عربية تويوتا ميكروباص وازارها فاميه وفيها ستاير رمونا فيها واول ما دخلت لقيت الضابط اللى كان حط السلاح فى جنبى فك الخزنة وضربني بيها على دماغي جامد وقال لي قتلتوا الراجل يا اولاد … وانا ساعتها قولت انهم هيصفوني على الكلام اللى بيتقال دا وانا مليش اى علاقة بالكلام دا خالص”.

لدى وصول المُحتجز للمقر، يتعرض لجملة من الانتهاكات تبدأ أولاً بأخذ بياناته الشخصية كاملةً، هو وأسرته. وقد يمتد الأمر ليشمل أفراد عائلته؛ ثم يٌعاد تفتيشه ذاتيا والذي يتضمن هذه المرة إجبار المحتجز على خلع ملابسه، بما في ذلك الملابس الداخلية، و يتعرض من يرفض ذلك للضرب، وتُصادَر أيضاً من المُحتجز قبل تسكينه فى الحجز الأحزمة وأربطة الأحذية، وفي بعض الأحيان الأحذية. ويرقى ما يتم فى التفتيش إلى التحرش الجنسي حيث يطال التفتيش تجويفات الجسم بذريعة  التأكد من عدم تهريب المحتجز لممنوعات؛ لكن لم تتوصل الجبهة لنساء تعرضن لمثل ذلك التفتيش لتوثيق تجاربهن، كذلك يتعمد الضباط والأمناء ترهيب المحتجز أثناء دخوله.

 

“أول ما وصلت المقر بتاع الأمن الوطنى فى شبرا الخيمة لقيت العربية نزلت بينا فى مكان تحت الأرض وواحد جه أخد منى كل بياناتى وعنوانى اللى انا قاعد فيه … ودخلونى قوضة وعلقونى وبعد حوالى ساعتين او تلاتة كدا سمعت صوت صريخ  شديد جدا جدا جدا ووقتها قولت أكيد هما مشغالين فيلم أو حاجة فيها صوت صريخ عشان يرهبونا وخلاص وفجاءة سمعت صحبى اللى مسكوه معايا وهو نازل وبيقول اه ومش قادر يتكلم من التعب وساعتها التليفون رن وعرفت كدا انهم هيطلبونى وفعلا دا اللى حصل لان وقت ما اخدوا صحبى التلفون كان رن”. 

ظروف المعيشة

يُحاط المقر بالكامل من الخارج بسور واسع ومرتفع، ولهذا السور بوابتين، أولهما مخصصة لدخول الأفراد والمتابعات وتؤدى إلى بوابة ثانية بمدخل المبنى، والثانية بوابة خاصة بدخول السيارات ويتم من خلالها إدخال المحتجزين حتى بدروم المبنى مباشرة حيث مكان الحجز.

ويتكون مبنى المقر والمعروف بين المحتجزين السابقين بإسم (الفيلا)، من دور سفلى تحت الأرض، ودور أرضى وعدد أربعة أدوار علوية. ويقع المكان الرئيسي للاحتجاز بالطابق السفلي (البدروم)، وهو عبارة عن ممر بطول المبنى يبلغ عرضه حوالي 2 أمتار، وبه أربع غرف حجز موزعة على اليمين واليسار. وتوجد بوابات حديدية على طرفي الممر يتواجد فى داخل إحداها المنطقة التي يتناوب بها أمناء الشرطة المسؤولين عن حراسة منطقة الحجز والتواصل مع الضباط بالطوابق الأعلى، وفي الطرف الآخر من الممر يوجد سلم يؤدى إلى داخل المبنى حيث الطوابق العليا التى يجرى بها التحقيقات، وكل الغرف والطرقة مراقبة بكاميرات طوال الوقت.

تتقارب مساحات غرف الحجز من حيث المساحة، وتتسع الواحدة منها لحوالي ستة أشخاص، وإلى جانب الاحتجاز بالغرف فقد يتم وضع المحتجزين على جانبى الممر أيضاً، ولا يوجد أى منافذ تهوية بالحجز؛ ولكن هناك شفاط هواء فى كل غرفة مع فتحة صغيرة حوالى 10 سم فى جدار الحمامات. وحسب المعلومات التي جمعتها الجبهة فإن النساء لا يتم تسكينهن في منطقة الحجز بالطابق السفلي؛ بل على الأغلب تُخصص لهن غرفة أو أكثر بالطوابق الأخرى بعيدا عن منطقة الحجز.

يوجد حمام داخل كل غرفة حجز بما يعنى أربع حمامات، ويُضاف لهم حمام خامس فى الممر. وفى كل واحد منها حوض للغسيل، ودورة مياه؛ لكن قد تكون إحداها خارج الخدمة في بعض الأحيان. ويغيب عنها بشكل دائم النظافة، وأدوات الغسيل، والتعقيم، والتطهير، ويُسمح للمحتجزين بدخول الحمامات من مرة إلى مرتين يوميا حسب صرامة التعليمات التي تعطيها الإدارة في أي فترة من الفترات. ويتم أحيانا فك القيود قبل دخول الحمامات حسب الأحوال؛ ولكن فى جميع الأحوال لا يتم رفع الغمامة عن العين، وفي حال طلب بعض المحتجزين الدخول للحمام مرة إضافية خلال اليوم، يضطرون لمناداة الأمناء عدة مرات، والانتظار لفترات طويلة حتى يستجيبوا لهم. وكثيرا ما يقابلون بالتعنت، ويسبب ذلك صعوبات إضافية لمرضى السكر، وغيرهم من أصحاب الحالات المرضية التي تستلزم الدخول المتكرر للحمام، وقد يُسمح بالوضوء والصلاة لبعض المحتجزين حسب الأحوال؛ ولكن يُمنع من ذلك المصنفين من الفئة الخطرة حسب التصنيف الأمنى لهم بذلك.

عند دخول المحتجز للمقر، يُسلَم بطانية أو اثنتين يفترش بها الأرض، وحسب ما رصدت الجبهة فإن الأغطية كانت شديدة الاتساخ ومليئة بالحشرات وغير كافية للوقاية من البرد.

“الفرش كان وسخ جدا جدا وفيه حشرة منتشرة اسمها بق او جرب الفرش بتأكل فى جسمنا أكل انا كنت بحس ان جلدى بيتقطع حرفيا والمشكلة مفيش علاج ولا عارف اخد دش والحمد لله لان الوقت اللى انتشرت فيه بزيادة الحشرة دى انا كنت خلاص ماشي من المقر وبعدها فعلا اتعرضت على النيابة”.

تختلف طريقة ” الكلبشة ” بين حين وآخر، والمُتبع فى المقر أن من تم احتجازهم في وقت معاصر ويجرى معهم التحقيق؛ فهؤلاء يٌعلقوا بكلابش فى حلقة في جدار الزنزانات ارتفاعها حوالى 2 متر، وبالتالى يكون المحتجز مُعلق بشكل كامل ولا يمس الأرض. أما من يجري التحقيق معهم فيتم كلبشتهم من الخلف حتى لا يستطيعوا توقى الإعتداء الواقع عليهم أثناء التحقيق. وأخيرا من يتم انتهاء التحقيقات معهم فيتم كلبشتهم من الأمام، وفى جميع الأحوال يكون المُحتجز مغمى العينين.

تقدم للمحتجزين ثلاث وجبات يوميا، ويقدم الطعام في أواني بلاستيكية، ولا تقدم معه ملاعق فيضطر المحتجزون للأكل بأيديهم. عادة يقدم في وجبة الفطور فول، وحلاوة طحينية، أو مربى مع رغيف خبز أو اثنين. وفي العشاء رغيف خبز مع قطعة جبن صغيرة؛ أما الغداء فتقدم فيه قطعة دجاج (بحجم فخذة دجاجة صغيرة مثلا) أو قطعة لحم صغيرة جافة وسيئة الجودة، ويفرض على المحتجزين الأكل، ويراقبهم الحراس للتأكد من تناولهم للطعام كاملا. أما مياه الشرب، فتكون من زجاجات بلاستيكية موجودة بمنطقة الحجز يملؤونها من صنابير الحمام، وحسب المحتجزين السابقين، فالوجبات تكون في العموم باردة وسيئة الجودة، وغير مشبعة، والخبز دائما جاف.

“الأكل كان سيئ جدا لدرجة انى مره اثناء التحقيق بقول للضابط ليه الاكل هنا وحش كدا انا كنت فى العباسية الأكل حلو فضحك وقال لى عشان احنا مش عندنا ميزانية زيهم دول الفرع الرئيسى، بس طبعا الموضوع مش كدا خالص القصة كلها ان الفرع دا فيه أسوء أمناء شرطة ممكن تتعامل معاهم فكانوا بياخدوا الأكل كله ويبعتوا لينا الباقى منهم بخلاف العباسية احنا كان لينا اكل خاص بيجى لنا مخصوص محدش بيقرب منه”.

أيضاً لا يتم مراعاة أصحاب الحالات المرضية وتوفير الطعام المناسب لهم، حيث رصدت الجبهة تواجد محتجز بالمقر كان قد خضع لجراحة أزال خلالها جزء من المعدة، ولم يهتم الظباط، أو الأمناء بتوفير الطعام المناسب مما أدى به للشكوى لأحد الظباط بأنه قد يموت بسبب ذلك، وأنه لا يستطيع أكل التعيين، ويحتاج إلى سوائل فاشترى له الضابط كيس شعرية سريعة التحضير (أندومي)!

الرعاية الصحية

لا يُسأل المحتجزين عما إذا كانوا يعانون من أمراض مزمنة عند دخولهم للمقر، والفرصة الوحيدة لطلب الرعاية الصحية هي أثناء التحقيق إن كان تعامل الظابط المحقق يسمح بمثل ذلك الطلب، والذي غالباً ما يُقابل باستخفاف من الضباط، أو الأمناء. كما أشارت الشهادات المختلفة إلى غياب تام لتقديم أي نوع من أنواع الرعاية الطبية، أو الصحية أو حتى تواجد للأدوية أو السماح به فى المقر.

“أنا أول ما دخلت محدش سألنى عن أي حاجة متعلقة بحالتي الصحية، وكان جه على وقت بموت حرفيا لأنهم قبضوا على بعد كدا وكنت لسه عامل عمليه كبيرة، وكانوا رمينى فى الحجز وكل اللى هاممهم ليه مش باكل. ولما الضابط بعت لى قولت له أنا بموت، ومش قادر أكل فهو كدا عرف أنى مش عامل اضراب، فسبنى وبالعافية سمح لى أنى أخد من الأدوية اللى كانت معايا، ولكن مش الجرعة كاملة. ومش فاهم ليه مع انهم كانوا شافوا كل التحاليل والإشاعات وتقارير العمليات التي تثبت كلامي”. 

كما تؤدى قلة التهوية مع اتساخ الفراش، ووجود الحشرات به إلى إصابة المحتجزين بأمراض جلدية ما تلبث أن تتفشى بينهم دون علاج. يخرج المحتجزون من المقر إلى النيابة مقيدين، ومعصوبي العين بمعرفة مأمورية خاصة تتبع إدارة الترحيلات التابعة لمصلحة السجون، تحوطها السرية الشديدة حتى لا يتم تسريب معلومة أن المحتجز سيجري عرضه على النيابة، مما قد يمكن ذويه أو محاميه من الحضور معه. وهو الأمر الذى قد يُشجع المحتجز  على تسجيل الانتهاكات التى تعرض لها بشكل مفصل أمام النيابة، أو حتى يدعمه نفسياً بحيث لا يتم الانفراد به، وتوجيهه من النيابة العامة وقت إجراء التحقيق.

 

أنماط الانتهاكات (المباشرة + المشاهدة على محتجزين آخرين)

كما سبقت الإشارة، فإن جميع المحتجزين الذين مروا على المقر من المُختفين قسرياً، ولم ترصد أو توثق الجبهة أي استثناءات على ذلك، حيث تعددت وتباينت مدد اختفائهم التي رصدتها الجبهة، فمن واقع أقوال ست حالات في تحقيقات النيابة العامة، بالإضافة لحالة وثقتها الجبهة مباشرة، فقد جاءت المدد كما يلي:

أكثر من أسبوع حتى شهر: ثلاث حالات.

من شهر إلى شهرين: حالة.

أكثر من ثلاثة أشهر: ثلاث حالات.

لا توجد أي احتمالية لإبلاغ الأهالي بمكان تواجد المحتجز، ولا عن طريق رشوة أحد الأمناء الذين يتم اختيارهم بعناية فائقة، مع إغراقهم بالعطايا، والمنح المادية والمعنوية حيث يكون لهم حظوة كبيرة فى أى إدارة تابعة للشرطة أو حتى مؤسسة تابعة للدولة، ولهذا فهم شديدو الحرص على إظهار الطاعة، وتقديم فروض الولاء للاستمرار في عملهم بالأمن الوطنى، وعدم ارتكاب أي أخطاء قد تُخرجهم من العمل به؛ بل وقد يصل الأمر إلى الزج بهم فى قضايا.

“احنا عندنا أمين شرطة تابع للمقر اسمه أسامة الجزار كل شبرا الخيمة تعرفه ومفيش حد يتقبض عليه إلا عن طريقه لأنه يعرف كل الناس وبيوتهم، وكمان هو اللى كان بيجى لى عشان أروح المتابعة لو هما قرروا يطلبونى في غير مواعيدها، أو حتى من باب أنه يجى يشوف أنى لسه فى نفس المكان، والراجل دا الناس لما تشوفه فى الشارع تقوم تقف له من كتر خوفهم ورعبهم منه”.

فى بعض الأحوال  يكون المحتجزون على علم بتواجدهم في أحد مقرات الأمن الوطني من باب العلم العام المُنتشر بممارسات الجهاز فى مصر؛ إلا أن السبيل الوحيد لمعرفة المقر المُحدد الذي يتجهون إليه في بعض الحالات هو بتقدير اتجاه سير السيارات التي تقتادهم للمقر، والمسافات التي تقطعه، حيث يكونوا مغمين أثناء الاقتياد للمقر. وفي حالات استثنائية، قد تفصح القوة القائمة على ضبط المحتجز عن المكان الذي سيتوجه إليه، خاصة إن كانت هناك أوامر من الضابط المسؤول عن ملف ذلك المحتجز بذلك، أو كان هو المقر الوحيد فى النطاق الجغرافي الذى يتم اقتياد المحتجز إليه.

ومما سرده المحتجزون السابقون ورصدته الجبهة عن سير التحقيقات، يتضح أن الظباط يستغلون جهل المحتجز بمكان تواجده، وعدم وجود أى وسيلة للتواصل مع ذويه كنقطة ضعف للتوكيد على سلطتهم المطلقة عليه، واستطاعتهم الإتيان بأفعال ضده دون حسيب أو رقيب، حيث سٌئل أكثر من محتجز في التحقيق عما إذا كان يعلم بمكان تواجده، ليُقابل تخمينه أحيانا بالتهكم من قبل الظابط.

“أنا أول ما دخلت التحقيق لقيت الضابط خد نفس كدا من سيجارته وقال لى ازيك يا (XX) نورت أمن الدولة وبعدها أمرهم يقلعونى كل هدومى، وفى ثوانى لقيت نفسي عريان، وفضل بنفسه يعذبنى بالكهرباء بشكل بشع فى كل حتة فى جسمى، ويقول لى أنت في أمن الدولة عارف يعنى ايه أمن الدولة … وأنا مش فاهم هو عايز إيه، وفضلت فى الوضع دا يومياً لمدة 4 أيام … أنا من كتر التعذيب والكهرباء دى، أنا فعلا مكنتش في وعيي، وكنت منهار وأحيانا أعيط أو أصرخ، وكان بيجى لى تهيؤات لدرجة أنى كنت بكلم نفسى أو بحس أنى بكلم أمي، وكان الأمناء يشوفوا دا، ويضحكوا أحيانا، وفى مرة جه واحد منهم ضربنى عشان بيتهيأ له أنى بمثل”.

وبسؤال المحتجزين السابقين عن مشاهداتهم داخل المقر، أفادوا بأنهم شاهدوا وقوع حالات إخفاء قسري لمحتجزين آخرين، وتتراوح الحالة القانونية لهؤلاء المختفين قسريا بين من تم القبض عليهم للمرة الأولى (دون إذن قضائي)، ومن انتهت محكومياتهم لكن لم يصدر الأمن الوطني “تأشيرة” خروجهم بعد، والحاصلين على قرارات قضائية بإخلاء السبيل على ذمة قضايا. وهاتان الفئتان الأخيرتان هم غالبا من يتعرضون للتدوير، والزج بهم في قضايا جديدة، علماً أن من يتعرضون للتدوير بعد خروجهم من السجون، تُجلب لهم ملابس “ملكي” قبل خروجهم للعرض على النيابة مباشرة، حتى لا يظهروا أمام النيابة بملابس السجن البيضاء.

  • التحقيق في غياب محام ودون إذن قضائي

لا توجد قواعد واضحة تنظم سير التحقيقات داخل المقر، ولا توقيتها، أو مدتها. ففي كثير من الأحيان لا يتم “تسكين” المحتجز في مكانه مباشرة؛ بل يُقتاد للطوابق العليا التي تجري فيها التحقيقات فور دخوله للمبنى، أو عقب ذلك بساعات قليلة حسب أهمية حالته، وتصنيف الأمن لسبب إحضاره، والقبض عليه. ووفقا لما وقفت عليه الجبهة، فلا يُسأل المحتجزون عما إذا كانوا بحاجة للطعام، أو الماء، أو دخول الحمام؛ على الرغم من أن بعضهم تم اصطحابه إلى المقر في ساعات متأخرة من الليل، واستمر التحقيق معه لساعات.

وبخلاف من يأخذون للتحقيق مباشرة فور وصولهم للمقر، قد ينتظر البعض عدة أيام حتى يُعرض على ظابط التحقيق، ووفقا لمشاهدات المحتجزين السابقين، فإن بعض المحتجزين يقضون كامل فترة اختفائهم داخل المقر دون أن يمثلوا للتحقيق أمام الظابط ولو مرة واحدة. وقد تصل تلك المدة لأكثر من شهرين حسب ما ورد في أقوال محتجز أثناء عرضه على النيابة، أما زمن التحقيق فيتفاوت بين ساعات متأخرة من الليل، أو بعد الفجر، أو وسط اليوم. وتتراوح مدته بين عدة دقائق، وعدة ساعات، وأفاد أكثر من محتجز سابق بأنهم تعرضوا لجولات تحقيق متكررة، قد تكون بمعدل تحقيق واحد في اليوم لعدة أيام على التوالي، أو تحقيقات عدة خلال اليوم الواحد.

أفاد أحد الشهود أن التحقيقات تجري في الطوابق العليا، ويتم الإبقاء على المحتجزين خارج أوقات التحقيق في الحجز الكائن بالطابق السفلي؛ إلا أنهم يسمعون أصوات التعذيب التي تجري في الطابق الأول (ومن بينها تعذيب بالكهرباء)، ولا يتم التفرقة فى التعذيب حيث أفاد الشاهد أنه سمع تعذيب وصراخ لسيدة؛ إلا أنه لم يراها.

قبل الدخول إلى التحقيق، قد يٌجبَر المحتجز على الوقوف لفترات طويلة في بهو خارج غرفة التحقيق، وقد تتخلل هذه الفترة مضايقات، وإهانات، وأحيانا تحرش من العساكر.

“النظام هناك إن الأمناء فى الحجز، والضابط يكلمهم ويبعت العسكرى بتاعة ياخد المحتجز، وساعتها وقفت شوية منتظر وأنا متغمى، وكان وقتها شعري طويل، وأنا عموما شعرى ناعم لقيت عسكرى بيقول لى شعرك حلو أوى زى شعر الستات، وقال كلام وحش، وأنا صراحة مستحملتش عسكري يعمل كدا، وفضلت أزعق لحد ما الضابط أخد باله واستدعى الأمين المسئول عن العساكر عشان يتصرف معاه”.

من بين ما رصدته الجبهة، أفاد بعض من تم التوثيق معهم، أو رُصدت حالتهم بأنهم قد اُحتجزوا بسبب وجودهم مع أحد المطلوبين للأمن بشكل عرضي، ودون علمهم بذلك. أما التهم التي وُجهت إليهم لاحقا أمام النيابة، فالسواد الأعظم منها مرتبط باستخدام المحتجزين لحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء كان نشاطهم مرتبطا بالشأن العام أم لا، وتم إدراجهم بسبب ذلك في تهم انضمام، وتمويل، ونشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، ولم توثق الجبهة سوى بعض الاستثناءات على ذلك.

لا يواجه المحتجز أثناء التحقيق بتهم واضحة؛ بل يبدأ التحقيق دوما بسؤال مفتوح عن نشاطاته منذ فترات طويلة أحيانا “من ساعة الولادة”. ويُطالَب المحتجز بسرد كافة التفاصيل عن حياته الشخصية، ومجال دراسته، أو عمله وسبب اختياره له، وأفراد أسرته الممتدة وبيانات حول وظائفهم، وعلاقاتهم الاجتماعية، ومحال سكنهم. كما ورد بالكثير من الشهادات قيام المحققين بالسؤال بشكل خاص عن نشاط المحتجز أثناء أحداث ثورة 25 يناير، وأحياناً حراك 30 يونيو، ومدى مشاركته فى التصويت المتعلق بالإنتخابات النيابية والرئاسية، أو الإستفتاء على التعديلات الدستورية، والعلاقات التي تربطه بالنشطاء، والرموز السياسيين، أو الإعلاميين الذين كان لهم نشاطا بارزا سواء كان نطاقه وطنيا أو محليا. كما تتضمن التحقيقات بشكل أساسي أيضا سؤال المحتجزين عن علاقتهم بجماعة الإخوان المسلمين، أو حزبها السياسي تحديدا، سواء كانت تربطهم بالفعل علاقات شخصية، أو علاقات عمل بأعضاء بها أم لا، أو حتى مجرد التصويت لصالحها فى أى إنتخابات.

“طبعا هما أول ما خدونى فى العربية الضابط كان بيقول لى قتلتوا الراجل، ولكن فى التحقيق مكنش في أي سيرة للموضوع دا لأنهم أكيد عارفين أني مليش أى علاقة بالعنف، أنا أخري شوية منشورات ساخرة على الفيس، ومع ذلك أنا فضلت متعلق 4 أيام، ويتحقق معايا خلال الأيام دى، وسؤالى عن كل حاجة من يوم ما اتولدت، والمشكلة الضابط كان يفضل يعمل فى اتصالات، ويقول لي أنت ليك ملف قبل كدا، وعارفين عنك كل حاجة بس مش فاهم طالما هما كدا بيرجع يسألنى ليه عن كل الحاجات دى، وكما برضوا لما انتوا مراقبيني وعارفين كل حاجة يبقى أكيد هما فاهمين كويس أني مستحقش اتحبس أصلا”.

وكثيرا ما يتخلل التحقيق إدعاءات من الظابط أنه يعلم كل شئ عن الضحية مع الاستعانة بأوراق يجرى تقليبه، وكأن المحتجز لديه بالفعل ملف بالأمن الوطنى وذلك من باب حثه على الإدلاء بأى معلومات. ويُصاحب التحقيق تهديدات أو تعبيرات توحي بالإدانة، أو افتراض الضابط ارتكاب المحتجز جرما يستحق وجوده في مقر الأمن الوطني، فمن وجهة نظر الأمن الوطنى أنه طالما وقع الشخص تحت أيديهم فلا بد من أنه قد فعل شئ يستدعي ذلك، وأحيانا يتضمن التحقيق ضغطا صريحا ليعترف المحتجز على نفسه بتهم كبيرة متعلقة بالعنف أو التهديد المباشر للأمن القومي، وإيهام المحتجز بأن لدى الأمن الوطني أدلة تدين الشخص أو أحد أفراد أسرته.

ومن الممارسات المشهورة فى التحقيق هو سؤال المحتجزين عن بعضهم البعض خاصة إذا كانوا من منطقة جغرافية واحدة، أو هناك معرفة بينهم أو صلة قرابة. ووفقا لشهادة حصلت عليها الجبهة كان الظابط يستغل هذا الأمر لمحاولة تشكيك من يتم التحقيق معه فى أقواله حتى لو لم يكن بالفعل حصل على معلومات جديدة مستغلاً جهل المحتجز بما يدور في غرف التحقيق.

“مره حد يعرفنى لما نزل من جلسة التحقيق على الحجز كان اتعذب بشكل بشع، ونازل بيعيط، وتعبان جدا، ورجله كأنها متقطعة من كتر الكهرباء فيها، وبيتكلم بالعافية ولقيته بيقول لى يا … هما سألونى عليك، بس والله ما قولت عليك حاجة غير أني عارف أنك فى حالك فأنت خلى بالك لو الضابط بعت لك، وقال لك أني قولت عليك حاجة غير كدا، يبقى بيكذب وفعلا بعدها الضابط استدعانى، وحقق معايا وكان بيحاول يفهمني أنه وصل له معلومات جديدة بشأني على أساس لو أغير كلامي”.

تتفاوت المعاملة أثناء التحقيق على حسب الظابط الذي يجري التحقيق، وحسب التصنيف الذي يُعطيه للمحتجز الموجود أمامه. ويمارس الظباط أثناء التحقيقات عددا من الألاعيب؛ كاتهام المحتجز بالكذب، والتشكيك فى كل ما يذكره. كما يتخلل التحقيق تجريد ملابس الضحية بشكل تام، مع اعتداءات بدنية مهينة كالضرب بالأيدي والأحذية، والصعق بالكهرباء. كما أن أسلوب خطاب المحققين يتعمد إذلال وتعنيف المحتجزين في أغلب الأحيان.

في حال خلت التحقيقات من التعذيب الجسدي المباشر، فإنها تعتبر الفرصة الوحيدة أمام المحتجزين للحصول على معلومات أو تقديم طلباتهم للظباط سواء كانت مطالبات بتبليغ أهاليهم بمكان تواجدهم، أو بالحصول على أدوية أو غير ذلك، أو طعام مناسب لحالتهم الصحية وقد يستغل الضباط ذلك بإيهام المحتجزين بأنهم سيخرجون قريبا من المقر (خاصة إن كانوا قد قضوا فترة اختفاء طويلة داخله)، أو بأن الظباط سيقومون بإبلاغ أهاليهم بمكان تواجدهم، دون أن يقوموا بفعل ذلك في الحقيقة. وأحيانا يُصرح الظباط برغبتهم في “تعاون” المحتجز معهم بعد خروجه.

  • التعذيب

أفاد أغلب الحالات التي وصلت لها الجبهة أنهم قد تعرضوا بشكل مباشر ودائم للتعذيب بالصعق الكهربائى في كل أنحاء الجسد، والأعضاء التناسلية بسلك كهرباء، أو صاعق كهربائى مع الضرب المبرح، مما يؤكد أنه أمر شائع، وعموما يكون التعامل عن طريق التعذيب هو الأساس حيث يُستخدَم التعذيب كأداة أساسية في التحقيق، ولا يكون في العموم مطلوبا لذاته خارج إطار أهداف التحقيق.

“أنا فضل يعذبنى بالكهرباء فى كل حته فى جسمى وحط سلك فى رجلى وعضوي الذكرى بدون سبب والكهرباء دى من كترها وشدتها كأنها حرقت لي جلدى لدرجة أنى كنت لابس لبس أبيض تحت الهدوم بقى من آثار الدم لونه أحمر غامق … وكل شوية كان يقول لى أنا هقطع من لحمك نسايل”.

وبالإضافة للسب المستمر، والضرب المبرح، والصعق بالكهرباء، فقد يأخذ التعذيب أشكالاً أخرى، مثل “التعليق” لأكثر من ثلاث أيام، والضرب والتهديد بالقتل، وإيذاء وتعذيب زوجته، أو والديه إذا لم يعترف بالتهم المنسوبة إليه. وتكررت الأنباء عن أشكال التعذيب هذه، بما في ذلك التهديدات بإيذاء أفراد أسرة المحتجز، ما يُشير لأنها ليست حوادث منفردة.

لم تتمكن الجبهة من التواصل مع إحدى السيدات التى مرت على المقر؛ ولكن كما سبق التنويه بسؤال أحد الشهود عن مشاهداته قرر أنه تنامى إلى سمعه تعذيب شديد، وصراخ لسيدة تستغيث بالظابط لتركها، وإيقاف تعذيبها دون جدوى؛ إلا أنه لم يراها، أو يعلم من هي كونها في مكان حجز مختلف ومنفصل عن الرجال، وبالتالي فإن التعذيب الممنهج داخل الفرع لا يفرق بين نساء أو رجال.

“السيدات مكنوش معانا فى الحجز اللى تحت ولكن كان عندهم حجز فوق وانا معرفش فين بس اللى أكد لى إن احيانا بيكون فى سيدات فى المقر أني مرة كنت فى التحقيق فوق ولما نزلت الحجز لقيت حد معايا بيعيط جامد وبحسبة بيعيط كدا من التعذيب ولكنه قال لى انت مش سامع الصوت ولما ركزت فعلا سمعت صوت سيدة بتصوت وبتستغيث من الضابط وبتقول له ارحمنى ارحمنى أنا معنديش حاجة اقولها”.

نمط المعاملة

لا يتم التعامل مع المحتجزين داخل المقر بأسمائهم؛ بل فور وصولهم يتم تلقينهم أرقام حتى يتعامل معهم الجهاز من خلالها ويؤمرون بـ”نسيان أسمائهم”، علماً أن آلية اختيار هذه الأرقام غير واضحة. وقد أفاد أحد المحتجزين السابقين بأن عدد المحتجزين تراوح في الفترات التي قضاها بين 20 و 30 محتجزا، وبطبيعة الحال يتغير عدد المحتجزين من فترة لأخرى.

وفي المقابل، لا يتخاطب الظباط، وأمناء الشرطة بأسمائهم أمام المحتجزين، فكل أمناء الشرطة يتعاملون مع بعضهم البعض بأسماء مستعارة حتى لا تُكشف هوياتهم للمحتجزين، أما الظباط، فأفاد أحد الشهود بأنهم كانوا يخاطبون بعضهم البعض، ويخاطبهم العساكر بأرقام كذلك.

“أول ما أخدوا بياناتي وقت دخولى المقر الشخص اللى أخذ البيانات دا قال لى اسمك تنساه، وأنت رقمك 23 وسمعت هناك ناس كلهم ليهم أرقام، وبعد شوية جه تليفون للأمين فنده وقال 23، تعالى! وجه عسكرى قاله خده وديه عند السيد 23  ( يعنى بالسيد 23 هنا الضابط المسؤول عن المحتجز)…”

تتباين المعاملة داخل المقر من فترة لأخرى، ويقصد بذلك أن حدة الانتهاكات وعمومها لتشمل جميع المحتجزين، أو خصوصها لبعضهم تختلف وتتفاوت؛ ولكن يبقى الانتهاك هو الأصل في المعاملة فى كل الأوقات، خاصة وأن المحتجزين يكونون ابتداء مقيدين ومغمين طوال الوقت. وبشكل أساسي يعتمد الأمناء أسلوب التعنيف في مخاطبة المحتجزين، ويبدأ ذلك من لحظة التوقيف، حيث أفاد أكثر من محتجز أنهم تعرضوا لإهانات تستهدف هيئتهم كطول الشعر، أو ما يرتدونه من “أكسسوارات”. وقد تأخذ شكل إيقاظ المحتجز بشكل مهين، أو توقيع عقوبة جسدية على مخالفة التعليمات بعدم الكلام أو الحركة. فقد يعاقب المحتجز إذا تحدث مع غيره أو حاول إنزال الغمامة عن عينيه، ويجري رصد هذه المخالفات عن طريق الكاميرات التى تعمل طوال اليوم، أو لدى مرور الضباط على الحجز، وقد ذكر محتجز أن الظابط كان يُباغت أي محتجز يتحدث مع غيره أو يستدعيهم ويسألهم بشكل مفصل عما كانوا يتحدثون بشأنه، مع تعذيبهم بشدة حال تباينت أقوالهم أو رفضوا الكلام.

“الأمناء تحت كان عندهم شاشة عشان يتابعونا بالكاميرات، وكان الضباط كمان بيقدروا يدخلوا عليها لأن أنا مرة اتكلمت مع حد جنبى مفيش ثوانى ولقيت الضابط حرفيا فوق رأسنا بيقول كملوا الكلام كنتوا بتقولوا ايه، وبعد كدا استدعى كل واحد لوحده فى التحقيق، واتعرضنا لضرب وتعذيب لحد ما عرف كل حاجة. والمشكلة أني ممكن فعلا انسي تفصيله بدون قصد يرجع يبعت لى ويقول لى يابن … انت مقولتهاش ليه، وفى مرة تانية اكتفى بسؤالنا فى الحجز، وقولت له هو بيقول لي أنى لو روحت قبله أطمن أهله عليه”.

وكما سبقت الإشارة إلى ما يتخلل التحقيقات من إيحاء الظباط بقدرتهم على إلحاق أي أذى بالمحتجز، وخضوعه التام لسلطتهم، فإن الأمر ذاته يسري على أمناء الشرطة القائمين على حراسة المحتجزين حيث يتعمدون التفاخر بكونهم فوق القانون وامتلاكهم سلطة مطلقة لفعل ما يشاؤون بالمحتجزين دون تقيد بالقانون. لكن تتفاوت المعاملة أيضا من شخص لآخر حسب شخصية الأمين و”مزاجه”، وفي النهاية تظل سلطة الأمناء محصورة في نطاق ما يأمر به الظابط المسؤول عن ملف المحتجز، إلا أنهم إذا تجاوزوها بالتعدى بالضرب أو الإهانة للمحتجز لا يتم مساءلتهم، كما لا تُقبل أى شكاوى للظباط من المحتجزين ضد الأمناء بخلاف الحال مع العساكر.

 

وبينما تؤدي السلطة المطلقة للضباط إلى مضاعفة الانتهاكات في حال تمت “التوصية” على محتجز معين؛ إلا أن ذلك من ناحية أخرى قد يحمي المحتجزين من الانتهاكات على يد قوات الأمن فى بعض الحالات حيث وثقت الجبهة أن إحدى الحالات وقت وضعها فى قسم الشرطة لإنتظار تأشيرة الأمن الوطنى، جرى التعدي عليه بالضرب والسب من ظابط بالقسم فتوجه إليهم ظابط الأمن الوطني، ووبخهم باعتباره صاحب السلطة المطلقة والحصرية على المحتجز .

“الفترة دى كنت تعبان جدا بسبب مضاعفات العملية ومش قادر أكل، وكنت وقتها فى قسم شبرا الخيمة مُنتظر موافقة الأمن الوطنى على خروجي بعد قرار إخلاء السبيل وظابط هناك أتخيل أنى مُضرب طالما مش باكل. وضربنى وأنا تعبان، وشتمنى جامد وبعدها فى نهاية اليوم أنا لقيت ضابط الأمن الوطني جه غسلهم كلهم، وكان صوته عالى وقالهم دا بتاعى أعمل فيه اللى أنا عايزه، إنما محدش يلمسه غيري، وبعدها أخدنى فى مقر الأمن الوطنى لحد ما جت التأشيرة وروحت”.

سلطة الأمن الوطني وعلاقته بمؤسسات أخرى (ما يظهر من خلال السلوك والحديث)

حاولت الجبهة من خلال المقابلات التي أجرتها رسم صورة عن سلطة جهاز الأمن الوطني في إطار المنظومة القضائية والعقابية، وذلك بسؤال المحتجزين عن أي إشارات وردت في خطاب الضباط أو الأمناء توحي بعلاقة خاصة تربطهم بمؤسسات الدولة الأخرى أو سلطة الجهاز.

وقد تمكنت الجبهة من جمع بعض القرائن التي تُشير لعلاقة ضبابية بالمؤسسات الأخرى، ووقوع استثناءات أو تعليق للإجراءات القانونية الاعتيادية عندما يتدخل الأمن الوطني في عملية الاحتجاز والتحقيق. ويبدأ الأمر من علم الجهاز بكونه يعمل موازيا للعملية القضائية الرسمية، وينعكس ذلك بشكل أساسي في “طقوس” عرض المحتجز على النيابة. فمحاضر تحريات الأمن الوطني تُزوٌر تاريخ القبض على الضحية بحيث يتم إثبات التاريخ فيها ليكن اليوم السابق مباشرة للعرض على النيابة مراعاة للمدة القانونية، وبالتالي يٌصور الأمن الوطنى وكأنه غير مسؤول عما لحق بالمحتجز خلال فترة اختفائه داخل المقر. كما ينعكس أيضا في تعليقات الضباط أثناء التحقيقات، التي تتضمن أحيانا تهديدات للمحتجز حتى لا يُصرح أمام النيابة بكونه قد اختفى داخل المقر، وكذلك حتى لا يغير أقواله، وفي بعض الأحيان، تتخلل التحقيقات تلميحات من ظباط الأمن الوطني توحي بعلمهم بعدم ضلوع الشخص في أي جرائم ومع ذلك يحرصوا على الزج به فى قضايا وكأن تحرير أكبر عدد ممكن من المحاضر والزج بالأبرياء فى السجون غاية فى حد ذاته بالنسبة للجهاز.

ويستمر ارتباط ملف المحتجز بالأمن الوطني حتى خارج حالات التدوير، فأفاد أحد الشهود بإنه بعد قرار إخلاء سبيله بقي بالقسم وأُخبر بأن سبب تأخر خروجه هو تأخر الاتصال من الأمن الوطني الذي يقرر ما سيُفعل به سواء كان سيُسمح بخروجه (وهو ما يسمى بـ”التأشيرة”)، أو يؤمر بترحيله إلى المقر ثانية إما للتحقيق والتدوير، أو يتم اقتياده لإجراء تحقيق نهائي قبل أن يخرج نهائيا من المقر وليس من قسم الشرطة.

وجمعت الجبهة قرائن أخرى من شهادات من تعرضوا للتدوير، تفيد بأن احتجازهم استمر بعد إخلاء سبيلهم بمقرات احتجاز أخرى بإيعاز من الأمن الوطني، خاصة داخل أقسام الشرطة، وقد يتم ترحيل المحتجز إلى المقر لإجراء تحقيق مرة أو أكثر ثم يعاد لقسم الشرطة أو مقر الاحتجاز الموجود به، وكثيرا ما يكون في تلك الفترة مختفيا فيما يسمى بـ”الثلاجة” داخل القسم. وتتراوح الفترات التي يقضيها المحتجز في “الثلاجة” بين أيام وبضعة أسابيع، حسب من وثقت معهم الجبهة.

 

يُلحق ذلك بكابوس آخر يُسمى المُتابعة، وهو أمر دارج فى المقر حيث يُؤمر من يخرج من المقر بالمتابعة بعد خروجه، وذلك بالحضور خلال فترات منتظمة، أو لدى الطلب بالهاتف، أو الاستدعاء الشخصي بمعرفة أحد الأمناء العاملين بالمقر. وتُستغَل هذه المتابعة لاستخلاص أي معلومات عن المحتجز، أو آخرين، وأحيانا يُعرَض عليهم العمل مع الأمن ومساعدته بعدما يكونوا قد وصلوا لمرحلة من الإنهيار والإرهاق بفعل هذه الممارسات من تدوير ومتابعة، وتدخل فى كل شئون حياتهم بما يجعلهم في وضعية لقبول هذا الأمر.

“انا اول مره اتقبض عليا بعد ما خلصوا معايا تحقيقات فى شبرا الخيمة على مدار 8 أيام جت مأمورية وودونى العباسية فضلت حوالى 80 يوم واتعمل لى القضية من هناك وبعد ما صدر قرار إخلاء سبيل فيها، ودونى على قسم عين شمس لأن القضية كانت هناك وأتحقق معايا كتير هناك، وقالوا أنى منتظر موافقة الأمن لحد ما فى ظابط هناك فى القسم، غالبا هو اللى كان بيعذبنى فى مقر العباسية، وأنا اتعرفت عليه من صوته، وقال لى ناوى عليه ايه، وملكش علاقة بحاجة، وطلب مني أروح القسم كل أسبوع، وبعد كام مرة قال أروح قسم السلام في مقر الأمن الوطنى هناك، وبعد مرتين بالضبط طلبوا منه أكمل المتابعة مع شبرا الخيمة، وفى الأول بيكون الموضوع كل اسبوع يوم الجمعه غالبا ولكن مع الوقت ممكن تخف أو تزيد حسب الضابط، وطبعا مفيش مراعاة للشغل، أو حالتي الصحية لدرجة مرة الأمين جه وشافنى نايم على الأرض وبطنى مفتوحة، وكنت عامل عملية، صورنى وصور التقارير وعمل لى فيديو لحد ما الضابط اقتنع وقال له سيبه دلوقتى وبعدها بشوية بعتولي، ورحت، واتعمل ساعتها قضية ودخلت نفس الدوامة تانى … وخلال المتابعة دى حرفياً بيدخلوا فى كل تفاصيل حياتى لدرجة الضابط قال لى مره ازاى تتجوز ومتقوليش، وحجزني 3 أيام بسبب كدا … هما خلال المتابعة دى بيحاولوا فعلا يدمروا الباقى من حياتي لأنه وضع صعب، وكل مرة مش عارف أنا هروح ولا لا، أنا نفسي اتاخدت واتعمل لى قضايا من المتابعة دى مرتين، غير أوقات كان بيقعدني بالأيام كدا بدون سبب … وأنا مرة بقول للضابط فى المتابعه عايزك تسمح لى أسافر، اتعصب جدا وقال دا بيتك حد يسيب بيته؟! أنت ممكن تنقل من بيتك لبيوت تانية، إنما هنا دا بيتك لحد ما تموت، وحتى لما تموت هروح أدفنك بنفسى.” 

 

 

where to buy viagra buy generic 100mg viagra online
buy amoxicillin online can you buy amoxicillin over the counter
buy ivermectin online buy ivermectin for humans
viagra before and after photos how long does viagra last
buy viagra online where can i buy viagra