أفرجوا عن الصحفيين: السلطات المصرية تستغل الجائحة لمزيد من تقييد حرية الصحافة

0

تعيش الصحافة المصرية أسوأ عصورها، في الوقت الحالي، فمنذ تولي عبد الفتاح السيسي رئاسة البلاد، سعى، بطرق عدة، إلى السيطرة على الصحافة وتقييد حرية الإعلام، وكان آخر هذه الطرق هو شراء شركات مملوكة لأجهزة حكومية للعديد من المنصات الصحفية والإعلامية ، إلى جانب حجب ما يزيد عن 500 موقع من المنصات الباقية. ومع بداية انتشار فيروس كورونا في مصر، أعلنت الحكومة عن اتخاذها لمجموعة من تدابير وإجراءات الصحة العامة التي من المفترض أن هدفها الحد من تفشي فيروس كورونا، وبالتوازي سعت السلطات إلى وضع مزيد من القيود على الصحفيين لمنعهم من تداول أي معلومات أو أي نقاش حر حول سبل الخروج من الأزمة الحالية، بل ووضعت عددًا منهم على ذمة قضايا أمن دولة بسبب قيامهم بعملهم،  ليصل عدد الصحفيين المقيدة حريتهم إلى 8 على الأقل بعد مرور 3 أشهر تقريبًا على بداية أزمة الكورونا في مصر، ذلك إلى جانب تهديد عدد من المراسلين الأجانب، في محاولة لإخفاء حقيقة الوضع الحالي.

مزيد من القيود على حرية الصحافة والحق في إتاحة المعلومات 

بدلًا من إطلاق العنان لدور الصحافة ووسائل الإعلام في ممارسة عملها في التقصي وجمع وتحليل المعلومات والبيانات لفضح ومحاسبة المسؤولين عن الإهمال والتقصير في صحة وحياة المصريين، قررت الدولة أنه لا مكان سوى لروايتها الرسمية عن أعداد الوفيات والمصابين، بل ورفضت الإفصاح عن التوزيع حسب السن والجنس والموقع الجغرافي للمصابين والمتوفين، ووقفت في وجه انتشار وتداول أي أخبار أو بيانات صحفية عن الموضوع، وكانت البداية في 10 مارس الماضي  حين كلف رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفي مدبولي بـ “اتخاذ الإجراءات القانونية حيال كل من أذاع أخباراً أو بيانات كاذبة أو شائعات”. وفي نفس الشأن، أصدرت النيابة العامة بيانًا تحذر فيه من تداول أي أخبار أو بيانات غير صادرة رسميًا عن الدولة، وأنها “ستتصدى لنشر مثل تلك الشائعات والبيانات والأخبار الكاذبة إعمالًا لنصوص القانون”.

وفي السياق ذاته،  قرر المجلس الأعلى للإعلام برئاسة مكرم محمد أحمد “توجيه عقوبة “لفت نظر”إلى 16 موقعًا إلكترونيًا وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن نشر أخبار حول وقوع إصابات بفيروس كورونا في مصر على غير الحقيقة”، وأكد في البيان نفسه على “ضرورة التزام جميع الصحف ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمواقع الإلكترونية والصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي بالبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة عند نشر أو بث أي مواد تتعلق بحدوث إصابات بفيروس كورونا فى مصر”. ونتيجة لحصر العمل الصحفي في نشر بيانات الدولة فقط، تم توقيف صحفية أثناء تأدية عملها وتواجدها أمام أحد المعامل المركزية لوزارة الصحة لتغطيتها حشود الراغبين في إجراء تحليل فيروس كورونا، وتم اقتيادها إلى قسم الشرطة ومنه إلى مقر تابع للأمن الوطني، ثم أُطلق سراحها بعد أن تم تهديها.

وليكتمل التعتيم، أغلقت الهيئة العامة للاستعلامات برئاسة الصحفي ضياء رشوان مكتب جريدة الجارديان في مصر وذلك على خلفية ما نشرته عن احتمالية أن يكون  فيروس كورونا منتشر في مصر بأضعاف ما أعلنت عنه وزارة الصحة رسميًا، كما ووجهت الهيئة في بيان صحفي”إنذار أخير” إلى مراسل صحيفة نيويورك تايمز في القاهرة وطالبته بالرجوع إلى  “المصادر الرسمية في الأخبار التي يتم بثها عن مصر والالتزام بالقواعد المهنية”

صحفيون متهمون 

حبس الصحفيين في مصر ووضعهم على ذمة قضايا أمن دولة ليس وليد اللحظة، فمصر”أكبر سجن للصحفيين بعد الصين” حسب  منظمة مراسلون بلا حدود، وفي أخر تصنيف عالمي لحرية الصحافة 2020 تراجعت مصر ثلاث درجات لتحتل المركز 166. ومنذ بداية انتشار فيروس كورونا في مصر تم حبس 9 صحفيين على الأقل على ذمة  4 قضايا أمن دولة، ويواجهون تهمًا من بينها الانضمام لجماعة إرهابية مع العلم بأغراضها ونشر وإذاعة أخبار كاذبة، كما تم تدوير صحفيين اثنين بإدراجهم على ذمة قضايا جديدة، رغم أنهما  كانا محبوسين احتياطيًا بالفعل منذ عامين، إلى جانب القبض على رئيسة تحرير موقع مدى مصر أثناء تأديتها لعملها ، قبل إخلاء سبيلها في ما بعد. 

تضم القضية 558 لسنة 2020  5 صحفيين على الأقل، كان أول من انضم إليها هو رئيس تحرير جريدة القرار الدولى عاطف السيد أحمد، 43 عامًا،  ألقي القبض عليه في 18 مارس 2020 ،وتعرض للإخفاء القسري لمدة شهر كامل قضاه في مركز شرطة نصر النوبة بأسوان ثم قسم شرطة كوم امبو ثم مقر الأمن الوطني في أسوان، حيث سئل أثناء احتجازه من قبل ضباط الأمن الوطني عن منشور كتبه على صفحته الشخصية على فيسبوك تعليقًا على أعداد المصابين بفيروس كورونا، وانتقد فيه الأعداد الرسمية الواردة من الدولة، وتم التحقيق معه أمام نيابة أمن الدولة العليا في 14 أبريل 2020.  وفي 21 أبريل 2020 ألقي القبض على الصحفي والمعد التليفزيوني أحمد علام، 33 عامًا، وظهر أمام النيابة في 27 أبريل، بعد 7 أيام من الاختفاء القسري قضاها في  مركز شرطة العياط ومقر الأمن الوطنى بالشيخ زايد، وذلك على خلفية عمله الصحفي وعلاقته بإعداد برنامج يتم إذاعته على قناة الجزيرة.أما مذيع برنامج المشاكس بقناة مصر الحياة خالد حلمي غنيم، 58 عامًا، فقد ألقي القبض عليه في 13 أبريل وظهر أمام النيابة في 28 أبريل أي بعد مرور 15 يوم قضاها بمقر جهاز الأمن الوطني بمنطقة سموحة بالإسكندرية، وسُئل أثناء تلك الفترة عما  نشره على صفحته على موقع فيسبوك عن إهمال مستشفى العجمى بالإسكندرية فى التحليل للأشخاص المشتبه في إصابتهم بفيروس كورونا. الصحفيون الثلاثة محبوسون احتياطيًا حتى كتابة هذه السطور، ووجهت لهم النيابة تهما بالانضمام إلى جماعة أسست على خلاف القانون ونشر أخبار كاذبة ، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وعلى ذمة القضية نفسها،  تم التحقيق مع الصحفي وعضو نقابة الصحفيين عوني نافع بعد إلقاء القبض عليه من احدى المدن الجامعية المخصصة لعزل العائدين من الخارج عقب عودته من المملكة العربية السعودية، وكان عوني أثناء إقامته في الحجر الصحي “انتقد على استحياء طريقة معاملة وزارة الهجرة للعالقين العائدين من الخارج، وختم حديثه بتوجيه الشكر لرئيس الجمهورية، فتوجهت قوات الأمن إلى مقر الحجر الصحي في المدينة الجامعية وألقت القبض عليه” وذلك فقًا لمحمد سعد عبد الحفيظ عضو نقابة الصحفيين. وتم التحقيق مع عوني من قبل نيابة أمن الدولة العليا وحبسه علي ذمة القضية 558 لسنة 2020، ووجهت له النيابة اتهامات من بينها مشاركة جماعة محظورة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وتجدر الإشارة إلى أن عوني نافع صحفي غير معارض لسياسات الدولة والحكومة بل مؤيد لجميع سياساتها وقراراتها .

في ١٢ أبريل تم حبس مصطفي صقر الصحفي الاقتصادي ومؤسس شركة بيزنس نيوز وصحيفة Daily News Egypt على ذمة القضية ١٥٣٠ لسنة ٢٠١٩ أمن دولة، ووجهت له نيابة أمن الدولة اتهامات بالانضمام إلى جماعة محظورة، نشر أخبار كاذبة، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. ويأتي هذا الإجراء تجاه صقر بعد أكثر من ثلاثة أعوام من صدور قرار من لجنة التحفظ على أموال جماعة الإخوان بتجميد أرصدته وحساباته في أغسطس ٢٠١٧، كما أوكلت إدارة الجوانب المالية والإدارية لهذه المواقع لمؤسسة أخبار اليوم الحكومية. وذلك رغم قيام  الرئيس السيسي بنشر مقالين في هذه الجرائد عامي ٢٠١٤، ٢٠١٥. 

 

اثنان من الصحفيين إلى جانب غيرهم من المشتغلين بالإعلام تم حبسهم احتياطيًا على ذمة القضية 586 لسنة 2020، حيث ألقي القبض على الصحفي بجريدة المصري اليوم هيثم حسن عبدالعزيز محجوب، 34 عاماً،  في 11 مايو 2020، وتم اصطحابه إلى  مقر جهاز الأمن الوطنى بدار السلام، وسألته النيابة عن عموم عمله الصحفي والإعلامي، وحول الاتهامات الواردة بمحضر التحريات بالتعاون مع قناة الجزيرة، ليصدر قرار بحبسه احتياطيًا بدعوى اتهامه بالانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها ونشر وإذاعة أخبار كاذبة.  

وفي 15 مايو  ألقت قوات الأمن القبض  على الصحفي الحر سامح حنين  ليواجه الاتهامات نفسها، وتجدر الإشارة هنا إلى إذاعة وزارة الداخلية فيديو لسامح وآخرين يوم 22 مايو يقول فيه أنه تلقى «تكليفات من قيادات إخوانية بتركيا لتصوير فيديوهات ضد الدولة المصرية لصالح قناة الجزيرة مقابل 3 آلاف دولار للفيديو». وذلك بالمخالفة لنص الدستور الذي يفترض براءة المتهمين ما لم يصدر ضدهم حكم نهائي ونص المادة 75 من قانون الإجراءات الجنائية.

أما القضية 535 لسنة 2020 ، فتضم الصحفية شيماء سامي، التي ظهرت في نيابة أمن الدولة العليا  يوم 30 مايو بعد 9 أيام من إخفائها قسريًا بمقر الأمن الوطني بالإسكندرية، ووجهت لها النيابة اتهامات بالانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وإساءة استغلال وسائل التواصل الاجتماعي.  وعلى ذمة القضية نفسها، أُدرج الصحفي النقابي محمد منير، 65 عامًا، وذلك عقب القبض عليه في 15 يونيو بعد 24 ساعة من  نشره  فيديو بتعليق صوتي له، يظهر فيه قوات من الأمن بزي مدني أثناء اقتحامهم منزله بمنطقة الهرم خلال غيابه، وأُلقى القبض عليه من منطقة الشيخ زايد قبل أن يظهر في نيابة أمن الدولة العليا في نفس اليوم، وحققت معه النيابة في اتهامه بمشاركة جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام موقع التواصل الاجتماعي. وقالت أسرته في بيان لها أن القبض على منير “جاء بعد مشاركته في لقاء تلفزيوني على قناة الجزيرة تحدث فيه عن أزمة الكنيسة المصرية ومجلة روز اليوسف، وهو مجرد تعبير عن الرأي”

وفي سياق متصل، تجدر الإشارة إلى واقعة إلقاء القبض على رئيسة تحرير موقع مدى مصر لينا عطا الله  من محيط سجن طرة أثناء تأدية عملها في 17 مايو حيث كانت تجري مقابلة مع الدكتورة ليلى سويف والدة الناشط علاء عبد الفتاح، ونُقلت لينا إلى قسم شرطة المعادي ثم عُرضت على النيابة، وأخلي سبيلها بكفالة ألفي جنيه، على ذمة القضية 8009 لسنة 2020 جنح المعادي.

وإلى جانب حالات القبض الجديدة، تم تدوير الصحفيين معتز ودنان ومصطفي الأعصر على ذمة القضية 1898 لسنة 2019  وذلك بعد  إخلاء سبيلهم بقرار من نيابة أمن الدولة يوم 7 مايو بعد عامين وثلاثة شهور على حبسهما احتياطيًا على ذمة القضية 441 لسنة 2018 أمن دولة، وجدير بالذكر بأن معتز ودنان  ظل في الحبس الانفرادي طوال فترة حبسه في سجن شديد الحراسة بطرة (العقرب)، وكان محرومًا من التريض والزيارات، فضلًا عن علاجه منذ فترة طويلة من قرحة في المعدة.

بدلًا من أن تقوم السلطات المصرية باحترام وحماية حقوق الصحفيين، تقوم بالإمعان  في تضييق  الخناق على الصحافة والإعلام في هذه الظروف العصيبة التي تمر بمصر في ظل تفشي وباء يتطلب إدارة رشيدة وعقلانية، وبدلًا من الكف عن الاستعانة بالحلول الأمنية وإعطاء أولوية لصحة المصريين، ودعم حقهم في المعرفة وإتاحة المعلومات، تستمر السلطات في اللجوء إلى الحل الأمني في التعامل مع جميع المشكلات، ويظهر ذلك في حبس الصحفيين وضمهم إلى قضايا أمن دولة وتوجيه اتهامات كيدية وفضفاضة، فضلًا  عن إصدار تشريعات رقابية متعسفة، وحجب المواقع الإلكترونية دون حكم قضائي ودون الإعلان عن جهة الهيئة الحاجبة، وعليه، تحمل الجبهة المصرية لحقوق الإنسان السلطات المصرية وعلي رأسهم النيابة العامة والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مسؤولية ملاحقة الصحفيين وحبسهم  ما جعل مصر في هذا الترتيب المخزي لمؤشر حرية الصحافة على مستوى العالم. وفي الوقت الذي أعلن فيه عضو نقابة الصحفيين محمود كامل أنه من بين الصحفيين المحبوسين منذ انتشار فيروس كورونا يوجد بينهم ثلاثة فقط من المنتمين إلى نقابة الصحفيين وهم عوني نافع ومحمد منير وسامح حنين،  يجدر بضياء رشوان نقيب الصحفيين أن ينحاز لمهنته الأصلية، وأن يحترم رسالة العمل الصحفي، حيث تدعوه الجبهة المصرية أن يعمل على أن تتحرك نقابة الصحفيين لحماية جميع العاملين بالمهنة، وليس فقط من تنطبق عليه شروط لوائح جامدة. وأخيرًا تطالب الجبهة المصرية  بالإفراج الفوري على كل من قبض عليه بسبب عمله بالصحافة أو بسبب نشره معلومات أو بيانات خاصة المرتبط منها بالوضع الصحي، وتطالب بضرورة التزام الدولة بالشفافية، والإفصاح عن البيانات والمعلومات الكاملة والخاصة بانتشار فيروس كورونا في مصر.

Leave A Reply