ماذا بعد اتهام حقوقيين بالإرهاب؟ تقرير حول القضية 1552 لسنة 2018 حصر أمن دولة والمعروفة بقضية التنسيقية المصرية، وتحليل انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة التي تعرض لها المتهمون أثناء مرحلة ما قبل المحاكمة

0

نشرت الجبهة المصرية لحقوق الانسان تقريرًا بعنوان:” ماذا بعد اتهام حقوقيين بالإرهاب؟” يتضمن نتائج تحليل أوراق القضية 1552 لسنة 2018 حصر أمن دولة والمعروفة بقضية التنسيقية المصرية للحقوق والحريات (منظمة حقوقية مستقلة)، ورصد ما تعرض له المتهمون في القضية من انتهاكات أخلت بضمانات المحاكمة العادلة منذ القبض عليهم وحتي التحقيق معهم أمام النيابة، من بينها تعرضهم للإخفاء القسري لفترة وصلت إلي ثلاثة أسابيع في مقرات الأمن الوطني، و تعرض بعضهم هناك للتعذيب، وعند التحقيق تم تجاهل حقهم في الدفاع في جلسات التحقيق الأولي، فضلًا عن احتجازهم في أوضاع انسانية غير انسانية.

ملخص تنفيذي 

وضعت المعاهدات والاتفاقيات الدولية معايير وضمانات المحاكمة العادلة لضمان الحد الأدنى من عدالة الأحكام الصادرة بحق الأشخاص وذلك بغض النظر عن لونهم أو دينهم أو أفكارهم، مما يعني بالضرورة أن أي خلل أو انتهاك لهذه الضمانات يطعن في عدالة الأحكام الصادرة بحقهم، وإنطلاقًا من هذا المبدأ تصدر “الجبهة المصرية لحقوق الإنسان” تقارير دورية لتحليل القضايا المنظورة أمام المحاكم المصرية، تأتي أهميتها من كونها تراقب حالة حقوق الإنسان بشكل عام، وضمانات المحاكمة العادلة أثناء فترة التحقيق بشكل خاص، وذلك عن طريق إلقاء نظرة عن كثب، ومن داخل الأوراق الرسمية، على الانتهاكات التي يتعرض لها المتهمون وتطعن في عدالة إجراءات محاكمتهم. 

يتناول هذا التقرير بعد عرض أساس الاتهام الذي جاء في محضر تحريات الأمن الوطني الانتهاكات التي تعرض لها المتهمون خلال مرحلة التحقيق، وهي انتهاك نيابة أمن الدولة العليا حقوق المتهمين في الاستعانة بالمحامين في جلسات التحقيق الأولي وانتهاك حق الدفاع في تسهيلات كافية، وتعرض المتهمون للاختفاء القسري داخل مقار الأمن الوطني وكذلك تعرضهم للتعذيب في الفترة السابقة لعرضهم على النيابة، وينتهي التقرير بتناول انتهاك حق المتهمين في أوضاع احتجاز وسحن إنسانية. 

تعتمد منهجية هذا التقرير على دراسة الأوراق الرسمية للقضية 1552 لسنة 2018 والتي تمكنت الجبهة المصرية من الحصول على نسخة ضوئية منها، وتشمل تلك الأوراق محاضر الضبط، ومحاضر تحقيقات النيابة. ويرصد التقرير الانتهاكات الواقعة بحق المتهمين من خلال تحليل محتوى أقوالهم المثبتة في محاضر تحقيقات النيابة، والتي تعتبرها الجبهة المصرية مصدر أولي للمعلومات التي يدلي بها ضحايا الانتهاكات بشكل مباشر. هذا وتستخدم الجبهة المصرية محاضر الضبط لمقارنة تواريخ الضبط وفقًا لرواية أجهزة الأمن، وتواريخ الضبط وفقًا لأقوال المتهمين في محاضر تحقيقات النيابة، وبالتالي تحديد إذا ما تعرض المتهمين للاختفاء القسري. ويتخذ التقرير من دليل المحاكمة العادلة الصادر عن منظمة العفو الدولية مرجعًا رئيسيًا لمراقبة المحاكمة والوقوف على الانتهاكات التي تخل بضمانات المحاكمة العادلة في القضية محل التقرير، وبالتحديد في مرحلة التحقيق أو مرحلة ما قبل المحاكمة.

المحتويات

منهجية التقرير

خلفية حول واقعة القضية

انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة أثناء مرحلة التحقيق في القضية

أولا: انتهاك الحق في الاستعانة بمحام قبل المحاكمة 

ثانيا: انتهاك الحق في التسهيلات الكافية لإعداد الدفاع

ثالثا: انتهاك الحق في التواصل مع العالم الخارجي

رابعا: انتهاك الحق في سلامة الجسد وعدم التعرض للمعاملة القاسية أو المهينة

خامسا: انتهاك الحق في أوضاع احتجاز وسجن إنسانية 

خاتمة


 

منهجية التقرير 

تعتمد منهجية هذا التقرير على دراسة الأوراق الرسمية للقضية 1552 لسنة 2018 والتي تمكنت الجبهة المصرية من الحصول على نسخة ضوئية منها، وتشمل تلك الأوراق محاضر الضبط، ومحاضر تحقيقات النيابة. ويرصد هذا التقرير الانتهاكات الواقعة بحق المتهمين من خلال تحليل محتوى أقوالهم المثبتة في محاضر تحقيقات النيابة، والتي تعتبرها الجبهة المصرية مصدر أولي للمعلومات التي يدلي بها ضحايا الانتهاكات بشكل مباشر. هذا وتستخدم الجبهة المصرية محاضر الضبط لمقارنة تواريخ الضبط وفقًا لرواية أجهزة الأمن، وتواريخ الضبط وفقًا لأقوال المتهمين في محاضر تحقيقات النيابة، وبالتالي تحديد إذا ما تعرض المتهمين للاختفاء القسري. ويتخذ التقرير من دليل المحاكمة العادلة الصادر عن منظمة العفو الدولية مرجعًا رئيسيًا لمراقبة المحاكمة والوقوف على الانتهاكات التي تخل بضمانات المحاكمة العادلة في القضية محل التقرير، وبالتحديد في مرحلة التحقيق أو مرحلة ما قبل المحاكمة.


 

خلفية حول واقعة القضية

في الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر 2018 كتب الرائد بقطاع الأمن الوطني محمد عبد السلام محضر تحريات مبني على مصادر سماها بالمصادر السرية، قال فيه إنه بعد الملاحقات الأمنية التي طالت كوادر جماعة الإخوان المسلمين في الآونة الأخيرة والتي أدت إلى تحجيم الأنشطة التخريبية والعدائية للتنظيم، دفع ذلك قيام قيادات التنظيم الهاربين بالخارج إلى وضع مخطط لتوفير الدعم اللازم للحفاظ على الهيكل التنظيمي لجماعة الإخوان الإرهابية داخل البلاد والعمل على إثبات تواجده على الساعة وتحسين الصورة الذهنية لدى العامة وذلك لتحقيق أغراض الجماعة الرامية إلى تعطيل أحكام القانون والدستور والتعدي على المنشآت العامة والإضرار بالوحدة الوطنية. وبدون الاستناد إلى أي وقائع مادية استرسل المحضر في اتهام الأشخاص المذكورين بوضع ذلك المخطط عن طريق شبكة المعلومات الدولية لتوفير الدعم اللازم للحفاظ على التنظيم. 

عزت غنيم

اتهم محضر التحريات وأيضا محضر إحالة نيابة أمن الدولة العليا كل من عائشة محمد خيرت سعد عبد اللطيف الشاطر، وهدى عبد المنعم عبد العزيز، والمحامي محمد أبو هريرة، بجانب مشاركتهم في الانضمام وتمويل تلك الجماعة موضوع الاتهام، بالمشاركة مع المحامي الحقوقي عزت غنيم في تأسيس “التنسيقية المصرية للحقوق والحريات”، واضطلاعهم بإعداد وإصدار بيانات وتقارير عن الأحداث السياسية، وتواصلهم مع بعض المنظمات الحقوقية خارج البلاد ذات التوجه المناهض من بينها منظمة هيومن رايتس ووتش لنشر أخبار كاذبة. ومن غير الواضح بالتحديد صلة هذه التهمة الأخيرة بمخطط جماعة الإخوان المشار إليه في محضري التحريات والإحالة، ويؤدي الخلط بينهما إلى التشكك في منطقية هذه الاتهامات، وتعمد هذا الخلط من جهة السلطات يبدو أنه ذريعة للتنكيل بالعاملين في التنسيقية المصرية وملاحقتهم بسبب نشاطهم في الدفاع عن حقوق الإنسان. 

محمد أبو هريرة

تولت نيابة أمن الدولة العليا مباشرة التحقيق في القضية لأكثر من عامين قبل أن تحيلها إلى محكمة أمن الدولة طوارئ في 23 أغسطس 2021، واتهمت نيابة أمن الدولة العليا في أمر إحالتها 31 متهما من بينهم 15 هاربين بالانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة، واستخدام حساب على شبكة المعلومات الدولية بهدف الترويج لأفكار داعية إلى ارتكاب أعمال إرهابية، والإمداد والتمويل، وأن المتهمين بذلك قد ارتكبوا بعض الجنايات والجنح المنصوص عليها في قانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب، ومازالت القضية قيد المحاكمة حتى تاريخ كتابة هذه السطور. 

صورة للمحامية هدي عبد المنعم وفي الخلفية عائشة الشاطر من أولي جلسات المحاكمة


انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة أثناء مرحلة التحقيق في القضية

أولا: انتهاك الحق في الاستعانة بمحام قبل المحاكمة 

“يجب أن يُبلغ فورًا كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورًا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته. ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، ندب له محام” المادة 54 من الدستور المصري المعدل عام 2019

 

بعد دراسة وتحليل الأوراق الرسمية للقضية اتضح أن نيابة أمن الدولة العليا قد انتهكت حق 4 متهمين من أصل 16 متهما في الاستعانة بمحام في جلسات التحقيق الأولي كما نص الدستور المصري، وادعت في محاضر التحقيقات عدة أسباب كمبرر لبدء التحقيقات دون حضور محامي، وحصرت هذه الأسباب في كون نقابة المحامين مغلقة ووجود حالة من حالات الضرورة وهي خشية سقوط مدة الحجز القانونية، وعدم تواجد أي من المحامين بالنقابة ووجود حالة أخرى من حالات الضرورة وهي خشية ضياع الأدلة. 

وفي الوقت الذي بررت فيه نيابة أمن الدولة العليا بدء تحقيقها مع المتهمين بدون محامي بسبب الخوف من سقوط مدة الحجز القانونية وخشية ضياع الأدلة، يظهر تحليل للأوراق الرسمية للقضية تعرض هؤلاء الأربعة متهمين للاختفاء القسري داخل مقار الأمن الوطني قبل العرض على النيابة لمدد تراوحت ما بين 18 يوما و21 يوما بحسب إفادة المتهمين أمام النيابة، كما أنهم تعرضوا جميعا للتعذيب أثناء هذه الفترة. تثير تلك المفارقة كثير من الشكوك حول أن نيابة أمن الدولة العليا في حقيقة الأمر كانت حريصة بشكل متعمد على التحقيق مع هؤلاء المتهمين في غير حضور المحامين للتستر على جرائم قطاع الأمن الوطني المتمثلة في الإخفاء القسري والتعذيب. 

وتأتي أهمية الاستعانة بالمحامين في مرحلة ما قبل المحاكمة للأشخاص المتهمين بارتكاب جرم جنائي أو المشتبه بهم في كونها تمكنهم من الطعن في مشروعية احتجازهم وحماية حقوقهم والبدء في إعداد الدفاع المناسب، كما توفر لهم حماية من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو المهينة، ومن إكراههم على تقديم أي اعترافات من شأنها أن تدينهم، ومن التعرض للاختفاء القسري وغيره من انتهاكات حقوق الإنسان.


ثانيا: انتهاك الحق في التسهيلات الكافية لإعداد الدفاع

“من واجب السلطات المختصة أن تضمن للمحامين إمكانية الاطلاع على المعلومات والملفات والوثائق المناسبة التي هي في حوزتها أو تحت تصرفها، وذلك لفترة تكفي لتمكينهم من تقديم مساعدة قانونية فعالة لموكليهم، وينبغي تأمين هذا الاطلاع في غضون أقصر مهلة ملائمة.” المادة 21 من المبادئ الاساسية بشأن دور المحامين 

 

يشكل الحق في التسهيلات الكافية لإعداد الدفاع ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة الواجب توافرها، حيث يجب أن يتاح لكل الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم جنائية أو من ينوب عنهم في الدفاع المعلومات والأوراق والتسهيلات اللازمة لكي يتمكنوا من إعداد الدفاع المناسب. ويشكل هذا الحق جانبا مهما من جوانب التكافؤ اللازم توافرها بين الادعاء والدفاع، وضامنا أساسيا للمساواة بينهم، ليتمكن كل طرف على قدم المساواة من الاعدادات اللازمة قبل طرح القضية على هيئة المحكمة. 

وبحسب الأوراق الرسمية للقضية والتي قامت الجبهة المصرية بتحليلها تحليلا مفصلا، فقد انتهكت نيابة أمن الدولة العليا حق المحامين في الاطلاع على الأوراق الرسمية للقضية أو الحصول على صورة ضوئية منها وذلك لإعداد دفاعهم اللازم والذي من المفترض أن يكون مبنيا على قراءة محاضر التحريات والضبط وأساس الاتهام والوقائع المادية المزعومة من قبل جهة الاتهام. طلب 7 محامون من هيئات الدفاع المختلفة في القضية الاطلاع على أوراق القضية وذلك لإعداد الدفاع اللازم، وتلقت نيابة أمن الدولة العليا هذه الطلبات ودونتها في محاضر التحقيقات، ولكنها تجاهلتها بشكل تام، واستمر هذا الطلب في التكرار من جهة المحامين على مدار جلسات التحقيقات واستمر معه في المقابل تجاهل النيابة. 

*صورة.1 نسخة من إحدى محاضر تحقيقات النيابة، توضح طلبات الدفاع بتمكينهم من الاطلاع على محضري الضبط والتحريات


ثالثا: الإخفاء القسري وانتهاك الحق في التواصل مع العالم الخارجي

 

“الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق. ويجب أن يُبلغ فورًا كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويمكن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورًا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته” المادة 54 من الدستور المصري المعدل عام 2019

 

يقع الاختفاء القسري عندما يتم القبض على الأشخاص ثم يتم إخفاؤهم بشكل متعمد من قبل القائمين على ضبطهم وعدم إبلاغ أي طرف ثالث بمكان احتجازهم لمدة تزيد عن أربع وعشرين ساعة دون العرض على النيابة المختصة. ولابد من التأكيد على أن الاختفاء القسري بقدر ما يحتوي هو ذاته على انتهاك للحق في الحرية وفي عدم الاعتراف بالشخصية أمام القانون إلا أنه ينطوي أيضا على جملة من الانتهاكات الجسيمة التي تنتهك حقوق الإنسان وضمانات المحاكمات العادلة الواجب توافرها، انتهاكات كالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية والإكراه على الاعتراف. 

وعن طريق الحصول على نسخة ضوئية من الأوراق الرسمية للقضية تمكنت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان من الاطلاع على محاضر الضبط الرسمية ومحاضر التحقيقات مع المتهمين وقام باحثو الجبهة المصرية بمقارنة تواريخ الضبط المكتوبة بمعرفة الأمن الوطني مع التواريخ التي أفاد بها المتهمون أمام تحقيقات النيابة. ومن خلال حساب الفارق بين التاريخين يمكن الوقوف على مدد الاختفاء القسري للمتهمين.

وفي حالات أخرى أظهر تحليل الأوراق الرسمية للقضية استناد سلطات الضبط بالتعاون مع النيابة العامة على المادة 40 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 94 لسنة 2015 للإبقاء على المتهمين قيد الاختفاء القسري داخل مقار الأمن الوطني، وتنص المادة على “..للنيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة، لذات الضرورة المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة وقبل انقضاء المدة المنصوص عليها فيها، أن تأمر باستمرار التحفظ، لمدة أربعة عشر يوما، ولا تجدد إلا مرة واحدة، ويصدر الأمر مسببا من محام عام على الأقل أو ما يعادلها..”. وبشكل دستوري يشوب هذا النص السابق شبهة عدم الدستورية لمخالفته نص المادة 54 من الدستور المصري، وعلى مستوى الممارسة في تطبيق النص فإن عدم إيداع الأشخاص المتحفظ عليهم داخل سجون أو أقسام شرطة بصفتها مقار الاحتجاز الرسمية حسب القانون المصري والتحفظ عليهم داخل مقرات للأمن الوطني حيث لا يتم السماح لهم بإبلاغ شخص ثالث بمكانهم أو السماح لهم بالزيارة أو بالتحدث مع محاميهم للبدء في إعداد دفاعهم بل يتعرضون خلال هذه المدة للتعذيب والإكراه على الاعتراف، كل ذلك يدفع إلى اعتبار تلك الحالات ضمن حالات الأشخاص المختفين قسريا حسب التعريف، ويمكن حساب مدة اختفائهم عن طريق مقارنة تاريخ الضبط الرسمي مع تاريخ عرضهم الأول على النيابة. 

صورة.2 صورة من محضر الضبط الرسمي لأحد المتهمين تفيد ضبطه بتاريخ 23 نوفمبر 2018

صورة.3 صورة من محاضر تحقيقات النيابة تظهر إدعاء نفس المتهم أن ضبطه تم يوم 31 أكتوبر 2018

وبحسب الرصد والتحليل اللذين قام بهما باحثو الجبهة المصرية بعد تحليل الأوراق الرسمية للقضية يتضح تعرض 15 متهما من أصل 16 متهما محبوسا على ذمة هذه القضية للاختفاء القسري على يد القائمين على ضبطهم من ضباط وموظفي وزارة الداخلية، وذلك منذ لحظة إلقاء القبض عليهم حتى عرضهم أمام نيابة أمن الدولة العليا. 

جدول.1 تاريخ ضبط المتهمين وفقا لمحضر الضبط الرسمي، تاريخ ضبط المتهمين وفقا لأقوالهم أمام النيابة، تاريخ أول عرض للمتهمين أمام النيابة، مدة الاختفاء بالأيام، أماكن الأختفاء


رابعا: انتهاك الحق في سلامة الجسد وعدم التعرض للمعاملة القاسية أو المهينة 

 

“لا يجوز لأي موظف من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يقوم بأي عمل من أعمال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو أن يحرض عليه أو أن يتغاضى عنه، كما لا يجوز لأي من الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية كحالة الحرب، أو التهديد بالحرب، أو إحاقة الخطر بالأمن القومي، أو تقلقل الاستقرار السياسي الداخلي، أو أية حالة أخري من حالات الطوارئ العامة، لتبرير التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.”

 المادة 5 من مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين

“كل موظف أو مستخدم عمومي أمر بتعذيب متهم أو فعل ذلك بنفسه لحمله على الاعتراف يعاقب بالسجن المشدد أو السجن من ثلاث سنوات إلى عشر.”

المادة 126 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937

 

على الرغم من أن المشرع المصري يشدد على بشاعة التعذيب وضرورة محاسبة كل من تورط في هذا الفعل إلا أن القائمين على إنفاذ القانون وتحديدا قطاع الأمن الوطني، يستخدمون التعذيب كوسيلة للضغط على المتهمين و إكراههم على الاعتراف منذ عقود طويلة بشكل شبه ممنهج. وعادة ما ترفض السلطات المصرية الاعتراف بوجود أي حالات تعذيب داخل مقار الأمن الوطني والسجون، كما تتجاهل النيابة العامة جميع ادعاءات المتهمين بالتعرض للتعذيب وترفض فتح تحقيقات منفصلة للوقوف على مدى صحة هذه الادعاءات. 

وبحسب الأوراق الرسمية للقضية بعد تحليلها فقد أفاد 12 متهما من أصل 16 متهما محبوسا على ذمة القضية بتعرضهم للتعذيب على يد القائمين بضبطهم في الفترة التي سبقت عرضهم على نيابة أمن الدولة العليا، وتشير أقوال المتهمين إلى أن غالبية وقائع التعذيب حدثت داخل مقرات تابعة للأمن الوطني.

 

*أمثلة لشهادات بعض المتهمين أمام النيابة تفيد بتعرضهم للتعذيب

عائشة الشاطر

عائشة محمد خيرت سعد الشاطر: “كهربوني في كتفي وضربوني بالبوكسات في وشي وقعدوا يشتموني شتايم قذرة جدا، وقالولي لو انتي فاكرة اننا هنعملك حساب عشان انتي بنت خيرت الشاطر فالكلام ده زمان ايام حسني مبارك لكن دلوقتي احنا ممكن نقلعك هدومك و نغتصبك كمان.”

محمد إسماعيل حسن الهضيبي: “ضربوني بالبونيه في صدري الشمال وفي وشي وقلعوني هدومي وربطو رجليا في كرسي وايديا ورا ضهري وكهربوني في جسمي كله وهددوني هنتعدي على اهلك. وعلقوني من ايديا عشان ما انمش.”

بهاء عودة

بهاء كمال محمد عودة : “وأثناء ذلك قام بالتعدي عليا بالضرب بالاقلام على وشى وبالرجل في بطني حوالي اربع أو خمس مرات وقام باستخدام صاعق كهربائي” اليكترك” في ذراعي الأيسر حوالي أربع مرات.”

 

وعلى الرغم من هذه الشهادات المروعة، لم تأمر نيابة أمن الدولة العليا بفتح أي تحقيقات بشأن الوقوف على صحة هذه الادعاءات من عدمها، الأمر الذي يشير مجددا إلى تستر نيابة أمن الدولة العليا على جرائم الأمن الوطني، بالإضافة إلى كونها تنحاز انحيازا كاملا لوزارة الداخلية بما يهدد استقلالها ونزاهتها إلى حد كبير، وهو الأمر الذي يطعن في صحة وسلامة إجراءات التحقيقات. 

 

خامسا: انتهاك الحق في أوضاع احتجاز وسجن إنسانية

 

“السجن دار إصلاح وتأهيل. تخضع السجون وأماكن الاحتجاز للإشراف القضائي، ويحظر فيها كل ما ينافي كرامة الإنسان، أو يعرض صحته للخطر..” المادة 56 من الدستور المصري المعدل عام 2019

” باستثناء القيود التي من الواضح أن عملية السجن تقتضيها، يحتفظ كل السجناء بحقوق الإنسان والحريات الأساسية المبينة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان…” المادة 5 من المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء

 

بالنظر والتحليل الكامل لأوراق القضية محل التقرير يظهر أن بعض المتهمين تعرضوا لبعض الانتهاكات لحقهم في أوضاع احتجاز وسجن إنسانية، وهو ما يعد في ذاته انتهاكا لحق هؤلاء الأشخاص في إعداد دفاعهم بالشكل المناسب وأيضا انتهاكا لحقهم في عدم تجريم أنفسهم. اشتكى 3 متهمون أمام تحقيقات النيابة من المنع من الزيارة، كما أن متهم آخر يحرمه السجن من حقه في التعليم حيث طلب المتهم من النيابة السماح بدخول الكتب الدراسية لأداء امتحاناته، بينما اشتكى متهم آخر من منعه من التريض، واشتكي 5 متهمون آخرون من حبسهم داخل مقرات الأمن الوطني، والتي تعد أماكن احتجاز غير رسمية، وطلبوا هم ومحاموهم إيداعهم داخل أحد السجون. وفي موقف آخر يُظهر تحيز النيابة العامة إلى وزارة الداخلية ويضع نزاهتها واستقلالها في محل تساؤل، تجاهلت النيابة طلبات جميع هؤلاء المتهمين. 

يستخدم قطاع الأمن الوطني مع هؤلاء الخمسة متهمين أسلوب إيداع المحبوسين داخل مقراته حتى بعد العرض على النيابة كطريقة لترويع المتهمين وضمان بقائهم على اعترافاتهم في جلسات التحقيق المتتالية أمام النيابة. وبحسب أقوال المتهمين فإن الحبس داخل مقرات الأمن الوطني يشكل ألما جسديا وضغطا نفسيا كبيرا عليهم حيث يتعرضوا هناك للتعذيب والنوم في وضع الجلوس بسبب كلبشتهم في الحائط، بالإضافة إلى سماعهم لأصوات صراخ طوال الوقت بحسب ما أفادوا، مما يشكل مجددا ضغط نفسي كبير يجعلهم يوافقون على الادلاء بأي اعترافات مقابل الخروج من هذا المكان. 

صور.4 أقوال أحد المتهمين أمام النيابة حول احتجازه داخل مقر للأمن الوطني 

خاتمة 

بعد مرور أكثر من 7 سنوات على تولي الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي سدة الحكم، لاتزال مصر تعاني حالة من التدهور غير المسبوق فيما يخص ملف حقوق الإنسان، إذ تعمل المؤسسات الأمنية جنبا إلى جنب مع مؤسستي النيابة والقضاء على انتهاك حقوق الإنسان وتطويع العدالة بشكل عام بغرض القمع السياسي في مشهد تبدو فيه درجة استقلالية ونزاهة مرفق العدالة المصري منخفضة للغاية، كل ذلك تحت مسمى الحرب على الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي. 

وتأتي القضية محل التقرير كمثال على الحالة المتردية لحقوق المتهمين سواء أمام جهات التحقيق أو على يد سلطات الضبط والحبس، حيث انتهى التقرير إلى وقوع جملة من الانتهاكات التي تخل بضمانات المحاكمة العادلة وتطعن في صحة الأحكام التي ستصدر بحق المتهمين في هذه القضية. انتهكت نيابة أمن الدولة العليا حقوق بعض المتهمين في الاستعانة بالمحامين في جلسات التحقيق الأولي ورفضت إعطاء المحامين من التسهيلات ما يكفي لإعداد دفاعهم، كما انتهك قطاع الأمن الوطني حقوق المتهمين في عدم التعرض للتعذيب والإكراه على الاعتراف وعدم التعرض للاختفاء القسري. 

للإطلاع على التقرير كاملًا: اضغط هنا

Leave A Reply