بعيدًا عن البروباجندا: أزمة أوضاع الاحتجاز داخل السجون المصرية لا يمكن اختزالها في البنية التحتية، والثقافة المؤسسية للعاملين بقطاع السجون بحاجة إلى التغيير

0

ترى الجبهة المصرية لحقوق الإنسان أن خطوة إنشاء سجون جديدة بدلًا من المتهالكة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون ضمانة لتحسين أوضاع الاحتجاز كما تزعم وزارة الداخلية المصرية في إعلانها بناء مجمع جديد للسجون في منطقة وادي النطرون. تؤكد الجبهة المصرية على أن تحسين أوضاع الاحتجاز يعتمد بشكل أولي على تغيير الثقافة المؤسسية للعاملين بقطاع السجون، وهي الثقافة التي تشكلت وترسخت على مدار عقود طويلة وأصبح الفساد أحد الممارسات الرئيسية المصاحبة لها، كما أصبحت إحدى الافتراضات الأساسية المصاحبة لتلك الثقافة هي أن المسجونين يستحقون إضفاء مزيد من المعاناة على حياتهم اليومية لكونهم مذنبين. وتجدد الجبهة المصرية مطلبها لوزارة الداخلية المصرية بضمان رفع كفاءة العاملين بقطاع السجون ونشر المواد التدريبية التي تقوم بها، كي يتسنى للمتابعين تقييمها، وإلا سيتم اعتبار هذا الإعلان عن المجمع مجرد بروباجندا إضافية تضاف إلي قائمة المواد المصورة حول جودة المعاملة داخل السجون والتي دأبت وزارة الداخلية في القيام بها منذ أعوام، خاصة مع تصاعد الانتقادات الحقوقية المحلية والدولية حول تدهور أوضاع المحتجزين داخل السجون المصرية، واستمرار احتجاز الأشخاص التعسفي والمطول لمئات على خلفية ممارستهم حقهم في التعبير عن الرأي أو التنظيم او التجمع، في سجون بعضها مشدد مثل سجني العقرب 1، 2 وهي السجون التي لن يتم نقل المحتجزين بها لمجمع السجون الجديد.

كانت الجبهة المصرية قد أجرت مشروعًا بحثيًا حول أوضاع الاحتجاز داخل 34 سجنًا في مختلف أنحاء مصر، وكانت إحدى نتائج المشروع الملفتة هي أن ظروف الاحتجاز السيئة بصفة عامة في السجون المصرية لا ترجع دائمًا إلى البنية التحتية المتهالكة للسجون، لكنها في معظم الأحيان تنتج من ممارسات الفساد والتعنت بحق المحتجزين. تشكل ممارسات الفساد التي يقوم بها العاملون في قطاع السجون عائقًا رئيسيًا أمام حصول المحتجزين على حقوقهم في أوضاع احتجاز إنسانية، إذ أن المحتجز داخل السجون المصرية في حقيقة الأمر يكون في احتياج دائم للفساد المتمثل في صورة دفع الرشاوي المالية للعاملين في السجن كي يحصل على أي من حقوقه، وفي أحيان كثيرة كي يتجنب تعنت هؤلاء العاملين.

الممارسة الأخرى التي تؤثر بشدة على ظروف أماكن الاحتجاز، بغض النظر عن جاهزيتها أو جودة بنيتها التحتية، هي التعنت شبه الدائم مع المحتجزين من قبل العاملين بقطاع السجون. المشروع البحثي الذي أجرته الجبهة المصرية حول السجون المصرية أظهر أن عدد كبير من هؤلاء العاملين يقومون بوصم عدد كبير من المحتجزين سواء كانوا سياسيين أو جنائيين، حيث يتم وصم محتجزين سياسيين يكون عادة باعتبارهم “إرهابيين” ووصم جنائيين يتمثل عادة فيما يعرف بـ”الوصمة الإجرامية”. وتترتب على هذه الافتراضات المسبقة لدى العاملين بقطاع السجون قناعة بأن هؤلاء الإرهابيين والمجرمين يجب أن ينالوا عقابًا فوق عقاب السجن والذي يظهر في سلوكيات هؤلاء العاملين في قطاع السجون التي لا يوجد مبرر لها سوى إضفاء مزيد من المعاناة على حياة المحتجزين أو محاولة ضبطهم سلوكيًا بالعنف والتكدير، والتي أيضًا في كثير من الأحيان تخالف مواد قانون تنظيم السجون المصري واللائحة الداخلية له، وذلك في ظل تجاهل تام من قبل النيابة والسلطات القضائية المختصة لشكاوي المحتجزين المتكررة حول تدهور أوضاع احتجازهم.

على سبيل المثال، إن إنشاء مركزًا للإصلاح والتأهيل بوادي النطرون على مستوى عالي من الجاهزية وحداثة البنية التحتية لا يمكن أن يضمن توقف ممارسة “التشريفة” التي يتعرض فيها كافة المحتجزين فور دخولهم الأول إلى السجن للاعتداءات البدنية واللفظية، ومن غير المرجح أيضًا أن يكون هذا المركز استثناءً من ممارسة إجبار المسجونين الجنائيين على شرب “ماء مخلوط بمواد تنظيف” حتى يفرغون ما في بطونهم، أو إجبار نفس الفئة على التبرز بشكل علني مهين للكرامة أمام العاملين بالسجن لضمان عدم تهريب أي مواد مخدرة إلى داخل السجن، والتي في الوقت ذاته يمكن إدخالها عن طريق دفع الرشاوي.

ترى الجبهة المصرية أن إعلان السلطات المصرية عن إنشاء مركز للإصلاح والتأهيل بوادي النطرون أو غيره من المرافق الحديثة وحدها ليست كافية وربما هي مواجهة صورية لا تطمح إلى تحسين أوضاع الاحتجاز بشكل حقيقي بقدر ما تهدف إلى الرد على الانتقادات الدولية المتكررة لأوضاع حقوق الإنسان في مصر، خاصة أن السجون التي سيتم نقل المحتجزين فيها لم يشر إلي السجون المشددة مثل سجني العقرب 1، 2 وهي السجون التي تتصاعد الانتقادات الحقوقية حول أوضاع الاحتجاز المتدهورة فيهم، كما أنه من الملفت أن الفيلم الدعائي لمركز وادي النطرون الجديد لا يختلف كثيرًا عن الأفلام الدعائية السابقة التي نشرتها وزارة الداخلية عن سجون كثيرة يظهر فيها المحتجزون بأفضل حال ولديهم إمكانية الوصول إلى خدمات ثقافية وتعليمية وصحية، وهي صورة مغالطة تمامًا للأوضاع الحقيقية في السجون المصرية التي يموت فيها محتجزون بالإهمال الطبي أو يحاول بعض المحتجزين الانتحار بداخلها من شدة سوء ظروف المعيشة بها.

مرة أخرى، تعتقد الجبهة المصرية أن مواجهة أزمة أوضاع الاحتجاز داخل السجون المصرية يجب أن تبدأ من وضع الأجهزة الأمنية أولويتها الحقيقية هي تحسين أوضاع المحتجزين والالتزام الجاد بالمعايير الدولية المتعلقة بأوضاع السجناء وليس خلق دعاية مُترجمة تستهدف الخارج، فضلًا عن تغيير الثقافة المؤسسية للعاملين بقطاع السجون، بالإضافة إلى ضرورة تخفيف التكدس ومراعاة الطاقات الاستيعابية للسجون المصرية من خلال إطلاق سراح عشرات الآلاف من المواطنين المحبوسين احتياطيًا بشكل مطول على خلفية ممارستهم حقهم في التعبير عن الرأي وحقهم في التجمع والتنظيم. وفي الوقت ذاته تطالب الجبهة المصرية وزارة الداخلية بنشر المحتويات التدريبية التي يتلقاها العاملون بقطاع السجون، كما تزعم، كي يتمكن المتابعون من تقييمها وإبداء الآراء حول مدى ملائمتها لمعايير حقوق الإنسان.

 

Leave A Reply