عام على إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان: لم تتحسن حالة أوضاع الاحتجاز ولم تتجاوز أهداف الاستراتيجية الأغراض الدعائية لتحسين صورة النظام

0

خلفية

تستعرض هذه الورقة حالة حقوق الإنسان داخل مقار الاحتجاز المصرية بعد مرور عام على إطلاق الحكومة المصرية الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في 11 سبتمبر 2021. صاحب الإعلان عن الاستراتيجية حملة علاقات عامة موسعة استهدفت الرأي العام الدولي لمحاولة تحسين صورة النظام المصري بسبب سجل حقوق الإنسان المؤسف. وبعد الإعلان، اتخذت الحكومة المصرية بعض الخطوات الشكلية التي لم تسفر عن أي تغيير حقيقي في الوضع المتردي لحقوق الإنسان بشكل غير مسبوق. وكان أبرز تلك التغييرات الشكلية رفع حالة الطوارئ في كافة أنحاء مصر في 25 أكتوبر 2021؛ وتعديل قانون السجون، وكذلك دعوة الرئيس السيسي في إفطار الأسرة المصرية لحوار وطني يشمل المعارضة، وإعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي لتشرف على عملية رفع أسماء عدد من سجناء الرأي إلى رئيس الجمهورية لإصدار عفو بحقهم.

تبدأ الورقة بنظرة سريعة على الاهتمام الذي أولاه نص الاستراتيجية لمقار الاحتجاز ابتداء، ثم باستعراض التغييرات التي أدخلتها الدولة على الإطار القانوني والمؤسسي الذي يحكم وينظم دورة الاحتجاز في مصر، ويقدم القسم الأخير نظرة عامة على حالة حقوق الإنسان خلال العام المنصرم وأبرز الانتهاكات التي وقعت فيه، والتي اتبعت النمط العام ذاته الذي كان سائدا قبل الإعلان عن الاستراتيجية، ما يؤكد فشل الاستراتيجية في تحسين الوضع المتردي لحقوق الإنسان، ويؤكد أن إطلاقها لا يتجاوز أغراض حملات العلاقات العامة لمواجهة الانتقادات الدولية.


نزلاء مقار الاحتجاز في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الانسان

اشتملت الاستراتيجية على أربعة محاور، هي “الحقوق المدنية والسياسية”، و”الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، و”حقوق الإنسان للمرأة، والطفل، والأشخاص ذوي الإعاقة، والشباب، وكبار السن،” وأخيرا محور “التثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان”، وهو الذي كان يفترض أن يستهدف بناء قدرات موظفي الدولة المنوط بهم الإشراف على تطبيق الاستراتيجية. لم تتطرق الاستراتيجية إلى مقار الاحتجاز سوى في الفقرة الرابعة المندرجة تحت محور “الحقوق المدنية والسياسية”، تحت عنوان “معاملة السجناء وغيرهم من المحتجزين“. 

اقتصرت النتائج المستهدفة في تلك الفقرة الخاصة بالمحتجزين على تطوير منشآت السجون لتحسين مستوى الإعاشة والرعاية الصحية، وضمان “استمرارية” رقابة المجلس القومي لحقوق الإنسان والمجتمع المدني على مقار الاحتجاز، ورعاية وتأهيل نزلائها وتقديم ندوات دينية وتثقيفية وخدمات محو الأمية وتطوير المهارات الفنية والصناعية عن طريق المدارس والورش الإنتاجية، بالإضافة لزيادة عدد نزلاء السجون المستفيدين من التمتع بفترة الانتقال الخارجية (48 ساعة بدون حراسة خارج السجن) للسجناء حسني السلوك. وفيما يتعلق بأداء المؤسسات العقابية ذاتها والتي تنفذ بها العقوبات السالبة للحرية، لم تشر الاستراتيجية سوى لهدف فضفاض هو “إطلاق مبادرات تتضمن إلقاء الضوء على دور إدارة شرطة الرعاية اللاحقة في رعاية أسر المسجونين”. 

وحتى عند ذكر التحديات التي تواجه الدولة أمام تنفيذ الاستراتيجية فيما يتعلق بمقار الاحتجاز، لم تشر الاستراتيجية من قريب أو بعيد إلى العاملين بتلك المؤسسات ذاتها والفلسفة العقابية التي تحكم عملهم، والتي تتميز بنزعة انتقامية لا ترى السجناء كأشخاص مستحقين للحقوق والمعاملة الآدمية بالأساس لكونهم مذنبين أو أعداء للدولة في حالة سجناء الرأي، وكذلك لم تتطرق الاستراتيجية لثقافة الإفلات من العقاب والمحاسبة السائدة بين العاملين بتلك المؤسسات في كل المستويات الإدارية. 

بالنظر لما سردته تلك الفقرة من “فرص ونقاط قوة”، وما أغفلت ذكره ضمن التحديات التي تواجه تنفيذ الاستراتيجية في مقار الاحتجاز، وأخيرا بالنظر لسقف النتائج المستهدفة، يتضح أن نص الاستراتيجية ذاته احتوى على قدر لا بأس به من الدعاية. فقد عرضت هذه الفقرة حالة غير واقعية لمقار الاحتجاز بصفتها “نقاط قوة” وتطورات إيجابية موجودة على الأرض. فبالإضافة للإشارة للمواد الدستورية والقانونية التي تلزم السلطات “شكليا” بحفظ كرامة المحتجز وتجرم تعذيبه أو إيذاءه وتخضع أماكن الاحتجاز للإشراف القضائي والحقوقي الذي حصره القانون المصري في المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو كيان شبه حكومي.

قدمت الاستراتيجية صورة غير واقعية عن التطوير الذي لحق الرعاية الطبية ورعاية ذوي الإعاقة، والبرامج التأهيلية وتدريب وتعليم المحتجزين، وتشغيل المحتجزين برواتب شهرية، وكذلك توفير الرعاية للسجينات وحاضنات الأطفال والعمل على تأهيلهن للعودة للاندماج في المجتمع عقب الإفراج عنهن. بل إن الفقرة الخاصة بمقار الاحتجاز أشارت إلى أن الدولة تعمل على خفض عدد السجناء عن طريق إخلاء سبيلهم دوريا، والإفراج الصحي عمن يصابون بأمراض تهدد الحياة أو تعجزهم كليا، وكذلك تطوير آلية تنظيم الزيارات للسجون، وتمكين المحتجزين من المشاركة في المناسبات الخاصة، إلخ… وهي صورة تخالف ما توثقه المنظمات الحقوقية المستقلة من شهادات المحتجزين والمحتجزين السابقين وأسرهم، ولا تنعكس سوى في الحملات الدعائية لوزارة الداخلية، كما سيلي بيانه لاحقا. 

أما المحور الأخير المتعلق بالتثقيف وبناء القدرات، فقد تطرق إلى أداء الجهاز الشرطي والجهاز القضائي. وبينما يعد تركيز الاستراتيجية على المسائل المتعلقة بالتدريب وإعداد الأدلة التدريبية والإرشادية على درجة عالية من الدقة لتشمل مؤشرات قياس الأثر والمتابعة والتقييم، والانتباه لاحتياجات الفئات الأضعف كالمرأة والطفل وذوي الإعاقة أمرا إيجابيا، إلا أن السؤال الأهم المتعلق بكيفية تفعيل كل تلك المواد والحملات والبرامج الإرشادية ظل غائبا عن نص الاستراتيجية، خاصة وأن الاستراتيجية تفتقر لأية آليات للمحاسبة ومنع الإفلات من العقاب، ومساءلة السلطات المسؤولة عن العاملين الواجب تدريبهم. كما أنها لم تتطرق لواقع الفلسفة العقابية الانتقامية السائدة داخل مقار الاحتجاز وبشكل موسع في المجتمع ككل. 

ولم يخل تلك المحور هو الآخر من الدعاية، فنص على أن من بين “نقاط القوة” خطوات عديدة اتخذتها الحكومة لتدريب القائمين على إنفاذ القانون، دون تحديد تلك الخطوات أو محتوى التدريبات. فيرد ذكر “إنشاء قطاع متخصص لحقوق الإنسان بوزارة الداخلية” ضمن نقاط القوة، رغم أن توثيقات الجبهة المصرية في إطار مشروع مرصد أقسام الشرطة على سبيل المثال أظهرت أن مكاتب قطاع حقوق الإنسان داخل الأقسام غالبا ما تكون خالية بل وأحيانا لا يكون المحتجزون على علم بوجودها. وتشير الفقرة الخاصة بتدريب أعضاء هيئة الشرطة أيضا إلى “تعميم مدونات سلوك وأخلاقيات العمل الشرطي” وكتيبات بشأن حقوق الإنسان، دون أن يرد ضمن النتائج المستهدفة إكساب تلك المدونات إلزامية القانون أو إدماجها فيه، وكذلك دون تنبيه على أهمية الشفافية والنقاش المجتمعي حول “برامج التدريب” المتعلقة بحقوق الإنسان التي يدرسها الطلبة بأكاديمية الشرطة.

أما الأشد لفتا للنظر فكان النتائج المستهدفة لتطوير أداء أعضاء الجهات والهيئات القضائية، والتي نصت على أهمية “تثقيف” أعضاء تلك الجهات بموضوعات حقوق الإنسان؛ وتطوير مؤشرات قياس الأثر، والمتابعة والتقييم؛ دون أن تتعرض النتائج للعقبة الرئيسية أمام سيادة القانون وهو غياب الإرادة السياسية لخلق استقلالية حقيقية للقضاء، بل تطويع القانون وصياغته ليتم تقنين الانتهاكات وإخراجها بشكل قانوني، كما سيلي بيانه لاحقا. 

ويعكس هيكل الاستراتيجية أيضا إشكالية كبرى في تصور الحكومة المصرية عن نزلاء مقار الاحتجاز، حيث أن قائمة الحقوق الموسعة التي شملتها الاستراتيجية، وخاصة تحت محاور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحقوق المرأة والطفل والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن، وكذلك الحقوق السياسية والمدنية كالحق في الخصوصية وحرية التعبير، أغفلت تماما مقار الاحتجاز، وكأن باقي الحقوق خارج فقرة “معاملة المحتجزين” لا تمتد لتشملهم. ويغفل ذلك كون نزلاء مقار الاحتجاز ضمن أضعف الفئات في المجتمع الذين لا بد لهم من ضمانات إضافية لحماية تمتعهم بكافة الحقوق التي كفلها لهم الدستور والقانون، حيث أنهم الأكثر عرضة للتعرض لانتهاكات على يد الموظفين العموميين بسبب انعزالهم النسبي عن المجتمع وخضوع كافة جوانب حياتهم للسلطات. فتركيز الاستراتيجية على أهداف تحسين الرعاية الصحية وتحسين مستوى المعيشة دون انتباه لآليات تحفظ باقي الحقوق للمحتجزين يضع نزلاء مقار الاحتجاز فعليا خارج دائرة المواطنين. 

وأخيرا يتضح من نص الاستراتيجية انفصالها تماما ليس فقط عن واقع الانتهاكات الممنهجة داخل مقار الاحتجاز بل أيضا عن الخطاب الرسمي للدولة المصرية، الذي يمعن في أمننة المعارضة السياسية وحراك المجتمع المدني السلمي ويتعامل معه في إطار “الحرب على الإرهاب”، وهو الخطاب الذي تنتقده منظمات حقوقية محلية ودولية عديدة، لاعتماده على تفسير فضفاض لتهم الإرهاب. وهو ما يفتح المجال أصلا لتوسيع نطاق الانتهاكات داخل مقار الاحتجاز بشكل هائل.

يتجاوز هذا الخطاب الرسمي المعارضين السياسيين ليشمل كل من تعتبره الدولة من ضمن أعدائها، ففي حالة رجل الأعمال صفوان ثابت وابنه سيف ثابت على سبيل المثال، كانت التهم المتعلقة بالإرهاب، وخطاب المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة الذي استبق المؤسسة القضائية بربط المتهمَين بالإرهاب، هما الأساس الذي انبثقت عنه كافة الانتهاكات الجسيمة التي تعرضت لها أسرة ثابت، والتي لم تقف عند حد الاعتقال التعسفي والحبس الانفرادي المطول في سجن العقرب سيء السمعة، بل صحبها أيضا منع مطول من الزيارة والتواصل مع الأهل؛ في أوضاع احتجاز ترقى للتعذيب والمعاملة القاسية. واستمرت حملة الشيطنة ضد ثابت وتصويره على أنه خطر على الأمن القومي المصري، لدرجة تهديد أسرته بالسجن واستهداف زوجته ’بهيرة الشاوي‘ بالملاحقة القضائية بعد بثها فيديو مصور ناشدت فيه الرئاسة بشكل علني للتدخل لوقف الانتهاكات التي يتعرض لها زوجها وابنها؛ متوسمة تغير الحال بعد الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان. واستمر الاستهداف حتى بعد وفاة السيدة ’بهيرة الشاوي‘ حيث ثارت شكوك حول تضييق قوات الأمن على الأسرة في تلقي العزاء. 


التعديلات على الإطار القانوني والمؤسسي المنظم لعمليات الاحتجاز بعد إطلاق الاستراتيجية 

كما سبقت الإشارة، تزامن الإعلان عن الاستراتيجية في سبتمبر 2021 مع إلغاء حالة الطوارئ في كافة أنحاء البلاد، وإسراع مجلس النواب بتمرير عدد من التعديلات القانونية، وكذلك الإعلان عن افتتاح مجمع سجون وادي النطرون الجديد، الذي احتفت الحكومة بكونه مجهزا على أعلى مستوى، متغافلة عن كون النسبة الأكبر من الانتهاكات داخل مقار الاحتجاز تنتج عن سياسات تعسفية تتبعها الإدارات في تنظيم تلك المقار، وتنتج في الأساس من المعاملة المهينة التي كثيرًا ما ترقى للتعذيب على يد العاملين بمقار الاحتجاز. 

فيما يتعلق بإلغاء حالة الطوارئ، انتقدت منظمات حقوقية عديدة، مصرية ودولية، ذلك الإجراء، ذلك لأنه بغض النظر عن حالة الطوارئ، فإن الحكومة ترتكز على ترسانة من قوانين وممارسات تتعدى على الحقوق والحريات دون الحاجة إلى فرض حالة الطوارئ من الأساس، مثل قانون تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية لعام 2013، وقانون مكافحة الإرهاب رقم 94، وقانون تنظيم قوائم الكيانات الإرهابية وما أدخل عليها من تعديلات عام 2019، وهي القوانين التي تطلق يد السلطات الأمنية في قمع الحريات المدنية والسياسية بتجريم التعبير عن الرأي والتجمع، وتكرس واقع من الإفلات من العقاب بإطلاق يد قوات الأمن لتمارس الإخفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون والإخلال بضمانات المحاكمة العادلة، بل وتجاوز تلك القوانين العملية القضائية تماما في بعض الإجراءات مثل إدراج أشخاص أو كيانات على قوائم الإرهاب استنادا فقط على تحريات أمنية دون عملية قضائية حقيقية يتمكن فيها المتهم من التظلم قبل أن يتعرض للقيود التي يفرضها ذلك الإجراء، مثل المنع من السفر والتصرف في الأموال وغيرها من التبعات. 

بالإضافة إلى ذلك استمرت محاكم أمن الدولة طوارئ في نظر القضايا التي أحيلت لها وقت فرض حالة الطوارئ؛ ما يحرم المتهمين الذين لا تزال قضاياهم تنظر أمامها من فرصة النقض. وكانت نيابة أمن الدولة أحالت إلى تلك المحكمة عددا من القضايا قبيل إلغاء حالة الطوارئ بفترة قليلة، حوكم فيها عشرات المتهمين من بينهم رموز سياسية وحقوقية كثيرة مثل عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية ونائبه محمد القصاص؛ والمحامي الحقوقي محمد الباقر والنشطاءعلاء عبد الفتاح وزياد العليمي ومحمد أكسجين. وهو ما يوحي ثانيةً بأن إلغاء حالة الطوارئ لم يكن يهدف لتحسين سير العدالة وحقوق الإنسان، خاصة أن أيا من تلك القوانين السابق ذكرها لم يعدل لينص على ضمانات أكبر لصالح العدالة، بل إن التعديلات شملت إدخال قيود أكبر وعقوبات أغلظ لبعض التهم (كتلك المتعلقة بإجراء أبحاث أو احصائيات أو استطلاعات رأي عن المؤسسة العسكرية)، وشملت أيضا تراجعا عن عدد من ضمانات المحاكمة العادلة، مثل خلق مساحة أكبر لمثول المدنيين أمام محاكم عسكرية، وحرمان المحتجزين من المثول أمام قاضيهم الطبيعي والتواصل مع محاميهم في خصوصية.

وفيما يتعلق بتشريعات أوضاع الاحتجاز، في 20 مارس 2022، عدل مجلس النواب قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956، وكان أبرز ما في التعديل استبدال تعبير “مراكز الإصلاح والتأهيل” بمصطلح “السجون”؛ وبناء عليه عدلت المادة الأولى من القانون لتستبدل بمسمى “سجون عمومية” مسمى “مراكز إصلاح وتأهيل عمومية”؛ وبمسمى “سجون مركزية” مسمى “مراكز إصلاح جغرافية”؛ وبمسمى “سجون خاصة” مسمى “مراكز إصلاح وتأهيل خاصة”؛ أما فئة الليمانات؛ وهي السجون التي كانت تتميز حسب نصوص اللوائح القديمة بنظم أكثر صرامة ودرجة أعلى من الحراسة، فقد ألغاها التعديل تماما. وقد انعكس ذلك في نص المادة الثانية، حيث كانت تنص على أن المحكوم عليهم بعقوبتي السجن المؤبد والمشدد يقضون عقوبتهم في الليمانات، بينما كانت السجون العمومية تخصص للمحكوم عليهم بعقوبة السجن أو الحبس؛ وكذلك لغالبية المحبوسين احتياطيا؛ بصفتها السجون الأكثر ملاءمة لتوفير المميزات التي منحها القانون للمحبوسين احتياطيا. أما التعديل الأخير، فقد جعل عقوبات السجن المؤبد والمشدد والسجن والحبس تقضى جميعا في “مراكز الإصلاح والتأهيل العمومية” (السجون العمومية سابقا)، حيث أن الليمانات لم تعد فئة للسجون يعتبر بها القانون. 

ويمثل هذا التعديل تراجعا عن مميزات كان القانون يكفلها سابقا للمحتجزين، وخاصة المحبوسين احتياطيا منهم. ففي تقرير للجبهة المصرية بعنوان “بأوامر عليا: الاحتجاز والعقوبة خارج نطاق القانون بسجن طرة شديد الحراسة 2”، أوضحت نتائج التقرير كيف أن مصلحة السجون تنشئ السجون شديدة الحراسة من خلال ثغرة توصيفها القانوني كسجون عمومية؛ رغم أن النظم المطبقة بها أشد من الليمانات، وهي التي كانت تخصص للحاصلين على أحكام بالسجن المؤبد أو المشدد بالفعل. وكان ذلك يسمح لمصلحة السجون بتسكين محبوسين احتياطيا في سجون شديدة الحراسة تطبق بها نظم شديدة القسوة تمثل بحد ذاتها عقوبة على محتجزين لم تصدر بحقهم أحكام قانونية بعد، رغم أن اللوائح تنص على عدم تطبيق تلك النظم على هذه الفئة من السجناء. وبينما أوصت الجبهة في التقرير بأن على مجلس النواب استحداث نصوص قانونية تنظم أنظمة السجون شديدة الحراسة حتى لا تمثل عقوبة فوق عقوبة السجن، إلا أن التعديل الجديد هو بمثابة خطوة للوراء تحول دون ضبط الممارسات بتلك السجون، وتؤدي لتعريض المحبوسين احتياطيا لظروف احتجاز تحول دون توفير المميزات التي كفلها لهم القانون. وذلك على الرغم من استمرار المحاكم بالعمل بفئات الأحكام ذاتها (التي تفرق بين السجن المؤبد، السجن المشدد، السجن)، ففيما يبدو من الحكم في قضية “كتائب حلوان” مثلا، يظهر استمرار القضاء في العمل بعقوبة السجن المشدد وفصلها عن عقوبة السجن، وبينما كان ذلك يتسق مع تصنيف مقار الاحتجاز؛ أدى محو ذلك التقسيم بين السجون العمومية والليمانات إلى التراجع عن ميزة كانت تضمن اتساق حجم العقوبة مع مكان الاحتجاز؛ والأهم أنها كانت تحمي المحبوس احتياطيا. 

كما قيد تعديل المادة 31 فيما يتعلق بالطلاب السجناء من إمكانية انتقال الطلاب المحتجزين إلى مقار أخرى لأداء امتحاناتهم، حيث جعل الأصل هو أداء الامتحانات داخل السجن الذي يتواجد به الطالب، بينما صار إخراجه لمقر آخر يخضع لتقدير السلطات.


لا تغيير في أنماط الانتهاكات المرتبطة بعملية الاحتجاز منذ إطلاق الاستراتيجية

بخلاف الخطاب الحكومي منذ سبتمبر 2021، والذي يسعى لتصدير صورة يبدو منها حدوث تغييرات واسعة النطاق في مجال حقوق الإنسان، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى أن النمط السائد هو في حقيقته امتداد واستمرار لسياسات النظام خلال الأعوام السابقة التي شهدت انتهاكات غير مسبوقة لحقوق الإنسان، والتي كان أهم ما يميزها ليس فقط اتساع نطاقها ليشمل مناطق جغرافية واسعة وفئات متنوعة من المحتجزين، بل أيضا تواطؤ مؤسسات الدولة المختلفة لتمرير تلك الانتهاكات أو التمكين منها أو تهيئة الظروف لاستمرارها دون محاسبة. وهذا العنصر الأخير هو الأكبر دلالة على درجة جدية الدولة في تبنيها لسياسات تفعل من حقوق الإنسان. 

الوفيات داخل مقار الاحتجاز كنتيجة للتعذيب أو الإهمال الطبي المتعمد

وثقت منظمات حقوقية عدة انتهاكات موسعة وممنهجة للحق في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية على أيدي قوات الأمن والمسؤولين عن مقار الاحتجاز، وقد شمل ذلك وقوع وفيات على إثر التعذيب، ووفيات بالإهمال الطبي، واستمرار سياسة المعاملة غير الآدمية للمحتجزين. 

فبالاطلاع على ما قامت الجبهة المصرية بتوثيقه، بالإضافة لتوثيقات منظمات حقوقية أخرى، رصدت الجبهة أسماء اثنين وأربعين حالة وفاة على الأقل في مقار احتجاز مختلفة بين سجون وأقسام شرطة ومقار احتجاز غير معلومة، بينهم ثلاثة على الأقل لقوا مصرعهم على إثر التعذيب الذي لاحظ الأهل آثاره لاحقا عند توجههم لاستلام جثث ذويهم. أما غالبية الوفيات فكانت بالإهمال الطبي الجسيم أو بسبب سوء أوضاع الاحتجاز التي أدت إلى إصابة المحتجزين بأمراض أو إلى تفاقم أمراض كانوا يعانون منها مسبقا.

وكان من بين الحالات البارزة للوفيات داخل مقار الاحتجاز حالة المحتجز “أنور موسى الجزار” من سكان محافظة شمال سيناء، وكان قد قبض عليه ضمن حملة شنتها السلطات على النازحين من المنطقة. كما تكررت الأنباء المتداولة حول تعرض المحتجزين للضرب والتعذيب داخل مقار الاحتجاز، سواء على يد قطاع الأمن الوطني أو على يد ضباط المباحث داخل أقسام الشرطة. وكذلك فبين الوفيات داخل مقار الاحتجاز يظهر نمط واضح هو أن عددا كبيرا من الضحايا الذين لقوا مصرعهم داخل مقار الاحتجاز كانوا أيضا ضحايا انتهاكات أخرى، كالتدوير من قبل النيابة والمنع المطول من الزيارات والإخفاء القسري والتعذيب على يد جهاز الأمن الوطني.

التعذيب والمعاملة القاسية

تستمر الاعتداءات اللفظية والبدنية والمعاملة التي تحط من الكرامة كقاعدة للتعامل مع المحتجزين داخل تلك المقرات، وهي فلسفة عقابية لم تستهدفها استراتيجية حقوق الإنسان من قريب أو بعيد، تقوم أساسا على الانتقام من المحتجزين والإفلات الكامل من العقاب والحط من كرامة المحتجزين وتصور استحقاقهم لتلك المعاملة غير الآدمية. وقد تم توثيق عدة تصريحات على ألسنة الضباط المسؤولين عن إدارة مقار الاحتجاز تشير بالفعل لتفشي تلك السياسة. فقد وثقت منظمة ’كوميتي فور جستس‘ على سبيل المثال في أكتوبر 2021 تعنت رئيس مباحث سجن وادي النطرون 440 مع أحد المحتجزين، بعد التنكيل به وإدخاله عنبر التأديب وتدهور حالته النفسية لدرجة قيامه بمحاولة انتحار، ورغم ذلك لم تتدخل الإدارة لعرضه على طبيب، ونقل عن رئيس المباحث قوله للمحتجز “ابقى خلي البلاغات تنفعك”.

ولا يمكن وصف تلك الانتهاكات بأنها حالات فردية، أولا لتكرارها في أكثر من مقر، وثانيا لتعرض الضحايا لحزمة متنوعة من الانتهاكات تكون مؤسسات مختلفة في الدولة مسؤولة عنها. وقد بدا ذلك واضحا على سبيل المثال في واقعة التعدي على الناشط السياسي أحمد دومة والباحث أحمد سمير سنطاوي في يوليو 2022، حيث اشتملت تلك الواقعة على انتهاكات الإهمال الطبي، والاعتداء البدني، والتعذيب، ومنع دومة من الزيارة، ورفض الإدارة طلبات دومة وسنطاوي بتحرير محاضر رسمية بوقائع الإهمال الطبي والاعتداء وطلب استدعاء النيابة. بل إن إدارة السجن تعدت على سلطة النيابة في التحقيق بمبادرتها بنفي ادعاءات دومة على أنها “محاولة لإثارة البلبلة”.

كما يتضح النمط ذاته من تعامل إدارات السجون المختلفة وكذلك النيابة العامة مع إضراب الناشط علاء عبد الفتاح، والذي دخل فيه يوم 2 أبريل 2022 احتجاجا على أوضاع احتجازه وعلى استهدافه من قبل إدارة سجن طرة شديد الحراسة 2 وعلى وقائع التعذيب التي تحدث داخل السجن. ورغم أن نقل عبد الفتاح إلى سجن وادي النطرون شكل تحسنا مبدئيا في أوضاع احتجازه، إلا أن سياسات التضييق عليه مستمرة، وكذلك سياسة التعامل مع الأزمات داخل السجن الجديد، وفقا لما رواه عن باقي المحتجزين معه وما تعرضوا له من منع من التريض وظروف احتجاز صعبة دفعت بعضهم للتفكير في “انتحار جماعي”. 

وقعت أيضا خلال العام وقائع تعذيب عديدة؛ كانت أبرزها فاجعة مقتل الباحث الاقتصادي أيمن هدهود، والتي تشير بوضوح إلى أن التعذيب منهجي ومنظم ويستعمل سياسة موازية للقانون تتواطأ فيها أجهزة الدولة المختلفة لتحول دون انكشاف حقيقة تلك الوقائع أمام الرأي العام، وقد شمل ذلك قوات الأمن الوطني ومستشفى العباسية والنيابة العامة ومصلحة الطب الشرعي. كما ظهر النمط ذاته في تعامل وزارة الداخلية والنيابة العامة في “قضية محتجزي قسم السلام”، الذين قاموا بتصور مقطع فيديو يوضح تعرضهم للتعذيب والعقاب الجماعي تحدثت عنه صحيفة الجارديان، فلم يكن من وزارة الداخلية والنيابة إلا أن قاموا بتوقيع عقاب جماعي آخر، بتعريض من اشتركوا في تصوير الفيديو أو نشره للإخفاء القسري والمحاكمة بتهم متعلقة بالإرهاب ونشر أخبار كاذبة، في اتساق واضح بين موقف النيابة ووزارة الداخلية، حيث لم تفتح الأولى تحقيقات مع المتهمين بتعذيب المحتجزين، بل عكست المحاضر تبني النيابة بشكل كامل رواية وزارة الداخلية. 

الاختفاء القسري

كذلك رصدت الجبهة المصرية استمرار الحكومة في استخدام الاحتجاز غير القانوني، إما باحتجاز المواطنين في أماكن غير مخصصة لذلك وإخفائهم قسريا، أو حبسهم احتياطيا لفترات طويلة تتجاوز المدد المسموح بها قانونا، أو استخدام سياسة التدوير (وفي أحيان كثيرة في قضايا منسوخة من القضايا القديمة).

رصدت الجبهة على سبيل المثال عشرات حالات الإخفاء القسري في مقار احتجاز مختلفة في أنحاء الجمهورية، أغلبها احتجاز غير قانوني داخل مقرات الأمن الوطني في تهم متعلقة بحرية التعبير وممارسة النشاط الصحفي (كاحتجاز وإخفاء الصحفيين محمد جمعة مبارك أحمد، وهاني عبد الرحيم إسماعيل، ومحمد فوزي) أو ممارسة النشاط القانوني (كحالة المحامي الحقوقي يوسف منصور)، أو النشاط السياسي السلمي (كحالة عضو حزب الدستور هيثم البنا) أو بسبب التعبير عن آرائهم على منصات التواصل الاجتماعي. وكان من بين حالات الاختفاء 16 سيدة على الأقل، وكانت نسبة كبيرة منهن من محافظة شمال سيناء؛ وقامت النيابة بتدويرهن بعد عدة أشهر من الاختفاء القسري. كما كان بين حالات الإخفاء الجديدة قاصر يبلغ من العمر 15 عاما. وحتى يوليو 2022 رفعت منظمات حقوقية أسماء 130 حالة إخفاء قسري على الأقل إلى لجنة العفو الرئاسي للنظر فيها. ويتعرض المحتجزون أثناء الإخفاء القسري لانتهاكات جسيمة أخرى، مثل التحقيق غير الرسمي بدون محامين، والتعذيب البدني والنفسي. كما أن بعضهم يحتجز بشكل جماعي مع أفراد آخرين من أسرهم أو للضغط على أفراد من أسرهم لتسليم أنفسهم. 

ويرتبط الإخفاء القسري أيضا بشكل قوي بسياسة التدوير، حيث تكرر إخفاء محتجزين قضوا عدة سنوات في الحبس وأنهوا أحكامهم أو حصلوا على البراءة لحين إظهارهم ثانية أمام النيابة على ذمة قضية جديدة، وكان من بينهم آسر زهر الدين الذي كان قد أنهى حكما بالسجن لخمس سنوات بدأ في تنفيذه وهو تحت السن القانوني؛ وكذلك المتهمين بالقضية 1935 لسنة 2021 أمن دولة، والتي تعرضت فيها المتهمات للإخفاء القسري لشهور عديدة ثم التدوير. وقد رصدت الجبهة أيضا امتداد الإخفاء القسري في الكثير من الحالات لسنوات طويلة، ومن بين حالات الاختفاء المطول تلك حالات أطفال تم إخفاؤهم وهم تحت السن القانوني، مثل حالة عبد الله بومدين الذي كان قاصرا عند اختفائه لأول مرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

المعاملة القاسية والمهينة والترحيل القسري للاجئين وطالبي اللجوء

لم يسلم اللاجئون بدورهم من سوء أوضاع الاحتجاز، حيث وثقت منظمات عدة الاحتجاز التعسفي والتهديد بالترحيل أو الترحيل الفعلي لعشرات اللاجئين، تعرضوا للإخفاء القسري والضرب والعمل بالسخرة أو الإجبار على العمل كمخبرين لأجهزة الأمن ضد جالياتهم، وسرقة متعلقاتهم الشخصية، والتهديد بتلفيق قضايا حيازة مخدرات أو معاودة اعتقالهم في حال تحدثوا علنا عما حدث لهم من انتهاكات. 

الانتقام من أسر المعارضين بالخارج

أما المعارضون في الخارج، فبالتوازي مع خطاب الدولة عن تحسن حالة حقوق الإنسان، كان الاعتقال التعسفي أداة أساسية لملاحقتهم والانتقام من أسرهم المقيمة في مصر إلى جانب خطاب التخوين المتزايد ومحاولة التخفيف من أثر معارضتهم على الرأي العام الخارجي. وقد بدا ذلك واضحا في حملات إعلامية منظمة، كردود الحكومة على تصريحات الناشط رامي شعث عن سوء أوضاع الاحتجاز بعد خروجه من مصر، وأيضا الانتهاكات الجسيمة بحق أسرة الناشط الحقوقي محمد سلطان، التي لم تتوقف عند إخفاء والده قسريا ووضعه لشهور عديدة في الحبس الانفرادي ومنعه من الزيارة بشكل شبه كامل وحرمانه من الرعاية الصحية، بل أيضا ملاحقة أفراد آخرين في الأسرة للضغط على سلطان لوقف نشاطه الحقوقي في الولايات المتحدة. 

كما تصاعدت وتيرة التنسيق مع السلطات الأمنية في دول أخرى (خاصة الخليج والسودان) لإعادة المعارضين المصريين لديها قسرا، ليكونوا عرضة للإخفاء القسري والتعذيب أو لمواجهة أحكام مغلظة في قضايا عسكرية شابتها انتهاكات لإجراءات المحاكمة العادلة (وهو ما حدث مع الشاب حسام سلام، الذي دفعه سوء أوضاع احتجازه للدخول في إضراب عن الطعام في يونيو 2022). وقد امتد التنسيق لترحيل المعارضين في الخارج ليستهدف أسر بأكملها يتعرض أفرادها للإخفاء القسري والاحتجاز غير القانوني ليس في مصر فقط بل في الدول التي تقوم بترحيلهم، كما حدث مع أسرة حبيبة أحمد صبحي في سبتمبر 2021. وقد وثقت مصادر إعلامية وحقوقية أن الحكومة السودانية قد رحلت شهر يونيو 2022 وحده أكثر من اثني عشر مواطن مصري. 

تورط وتواطؤ مؤسسات القضاء في الانتهاكات داخل مقار الاحتجاز

بالإضافة للمؤسسات السابق ذكرها، كانت المؤسسة القضائية أيضا ضالعة في انتهاكات نزلاء مقار الاحتجاز بأكثر من طريقة، بدءا من عدم تفعيل الإشراف القضائي على مقار الاحتجاز، وعدم وجود سياسة جادة للتعامل مع شكاوى المحتجزين وأسرهم، وانتهاك حقوقهم في المحاكمة العادلة أثناء مرحلة الحبس الاحتياطي، بعدم جدية التحقيق في الادعاءات بالتعذيب والإخفاء القسري والأخذ بتحريات أجهزة الأمن الوطني التي تكون ضالعة في تلك الانتهاكات، وكذلك الأخذ باعترافات انتزعت تحت التعذيب. 

فمنذ سبتمبر 2021 صدر عدد من الأحكام القضائية بالإعدام والسجن المؤبد والسجن المشدد لعشرات المتهمين في قضايا ذات طابع سياسي، وكان المتهمون فيها قد تعرضوا لانتهاكات جسيمة منذ لحظة القبض عليهم، دون أن تلتفت إليها المحكمة وتأمر بالتحقيق فيها، من أبرزها القضية 4459 لسنة 2015 المعروفة بقضية “كتائب حلوان”، والتي صدر فيها في يونيو 2022 أحكام بالإعدام لعشرة متهمين، وبالسجن المؤبد لستة وخمسين متهما، والسجن المشدد والسجن لخمسة وثلاثين متهما، رغم تعرضهم لانتهاكات الإخفاء القسري والتعذيب الشديد والمنع من التواصل مع الأهل والمحامين والتحقيق في عدم وجود محامين، وكذلك الإيداع بظروف احتجاز غير إنسانية أدت إلى تدهور الوضع الصحي لعدد من المتهمين. كما تكرر صدور أحكام بالسجن المؤبد والمشدد في القضية المعروفة بـ“قضية العائدون من الكويت”، رغم انتهاكات الترحيل التعسفي من الكويت، والتعذيب، والتحرش الجنسي التي لحقت بالمتهمين عقب إلقاء القبض عليهم.

كما نفذ عدد كبير من أحكام الإعدام منذ سبتمبر 2021 في قضايا شابتها انتهاكات جسيمة مثل القضايا المعروفة بـ”أجناد مصر الأولى”، و”ميكروباص حلوان”، وذلك رغم مناشدات حقوقية موسعة بإعادة النظر في الأحكام والتحقيق فيما تعرض له المتهمون من انتهاكات. وإدانة المفوضية السامية لحقوق الإنسان لتنفيذ هذه الأحكام. ولم يقتصر الأمر على القضايا ذات الطابع السياسي، بل امتدت الانتهاكات ذاتها لقضايا “جنائية” تنتهك فيها أيضا ضمانات المحاكمة العادلة للمتهمين.

وبالإضافة للتدوير، كانت النيابة والمحاكم ضالعين أيضا في مد الحبس الاحتياطي بعد المدة الأقصى المسموح بها قانونا وهي عامان. ففي الفترة بين يناير ويونيو 2021، تراوحت عدد القضايا المنظورة أمام دوائر الإرهاب والتي تجاوز المتهمون فيها مدة الحبس الاحتياطي القصوى ما بين ثلاث إلى ثلاث عشرة قضية وهو الأمر المستمر حتي لحظة كتابة هذه السطور، بنسب إخلاء سبيل للمتهمين في تلك القضايا، تترواح بين 2.7% و 3.9%  كما أشارت جريدة النيويوك تايمز إلي أن عدد المحبوسين احتياطيًا والذين يتم تجديد حبسهم دوريًا أمام دوائر يقدرون بما لا يقل عن 4500 شخص، واستمرت إساءة استخدام الحبس الاحتياطي حتى بعد الدعوة إلى الحوار الوطني وتشكيل لجنة العفو الرئاسي. فبالإضافة لما تردد على ألسنة أعضاء اللجنة من وجود أزمات داخلية “وخلافات من جهات سيادية عديدة حول مبدأ إخلاء السبيل والعفو عن المعتقلين”، والتأجيل المتكرر لقرارات العفو، يظل عدد المفرج عنهم نسبة ضئيلة للغاية مقارنة ليس فقط بعدد المحتجزين تعسفيا في مصر، بل أيضا مقارنة بحجم القوائم التي عملت القوى السياسية والمنظمات الحقوقية على إعدادها لرفعها للجنة، والتي كانت أعدادها تصل للآلاف. هذا بعيدًا عن استمرار السلطات الأمنية ونيابة أمن الدولة تدوير عدد من المخلي سبيلهم بقرارات من النيابة العامة في الفترة ما بعد مايو 2022 ووضعهم على ذمة قضايا جديدة.


خاتمة

لم تختلف حالة حقوق الإنسان داخل مقار الاحتجاز عما كانت عليه قبل الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، بل أن أنماط الانتهاكات ذاتها التي ينتقدها المجتمع المدني المستقل المحلي والدولي منذ عدة سنوات لا تزال سائدة. مما يؤكد مرة أخرى أن إطلاق الاستراتيجية جاء كجزء من حملات العلاقات العامة باهظة التكاليف التي تنفذها الحكومة المصرية لتحسين صورة النظام، بدلا من المواجهة الحقيقية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ومحاسبة مرتكبيها وتعزيز آليات المسائلة للقضاء على حالة الإفلات من العقاب التي لا تضمن سوى تكرار تلك الانتهاكات.

 

Leave A Reply